الصحافة الإيرانية: خطر أكبر من العقوبات يهدد الاقتصاد الإيراني.. «الوسطاء» في مرمى الشبهات

تحول الضغط الاقتصادي الأمريكي الجديد على إيران خلال الأشهر الأخيرة تدريجياً من فرض العقوبات على أفراد وشركات محددة إلى استهداف الشبكات المالية والتجارية المرتبطة بطهران.

ميدل ايست نيوز: دخلت العلاقات بين طهران وواشنطن واحدة من أكثر مراحلها حساسية، فيما أعادت التطورات الجارية والآفاق الاقتصادية والسياسية لإيران إلى صدارة الأخبار والتحليلات في وسائل الإعلام الدولية والإقليمية.

يقول موقع اقتصاد 24 في تقرير له، إنه في وقت يعلن فيه البيت الأبيض عن تنفيذ حزمة جديدة وغير مسبوقة من العقوبات المالية والتجارية تحت عنوان «وقف آخر شرايين التمويل»، تتشكل في المستويات الداخلية والدولية للاقتصاد عملية أعمق وأكثر إثارة للقلق؛ وهي مواجهة غير متكافئة بين الضغوط الاقتصادية الخارجية وظاهرة ناشئة من رحم الحلول غير الشفافة للالتفاف على العقوبات، أي نشاط الشبكات غير الرسمية او ما يدعوها الإيرانيون بـ «التراستي».

يُظهر تحليل أحدث مواقف وسائل الإعلام الغربية والشرقية ومراكز الأبحاث الاقتصادية المرموقة أن مشكلة واشنطن في المرحلة الجديدة لا تتمثل فقط في فرض عقوبات فردية على أشخاص أو مؤسسات، بل في عزل الاقتصاد الإيراني بالكامل من خلال قطع جميع القنوات المرتبطة بالصرافات الرقمية، والأساطيل الموازية، والمعاملات الجانبية المتصلة بكبار مشتري الطاقة. ومع ذلك، يحذر محللون اقتصاديون من أن أكبر تهديد في قلب هذه الحملة من العقوبات لا يتمثل فقط في الضغوط الخارجية، بل أيضاً في نقاط الضعف الهيكلية الناجمة عن الالتفاف على العقوبات وإفساح المجال أمام جهات غير خاضعة للمساءلة.

مِن أين بدأت موجة العقوبات الجديدة؟

تحول الضغط الاقتصادي الأمريكي الجديد على إيران خلال الأشهر الأخيرة تدريجياً من فرض العقوبات على أفراد وشركات محددة إلى استهداف الشبكات المالية والتجارية المرتبطة بطهران. ففي 19 مايو 2026، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أكثر من 50 شخصاً وشركة وسفينة مرتبطة بإيرادات النفط والبتروكيماويات الإيرانية، وركزت في الفترة نفسها على دور الصرافات وشبكات تحويل العملات في الالتفاف على العقوبات.

واستمر هذا المسار في مجال الأصول الرقمية أيضاً. ففي 2 يونيو 2026، استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية «نوبیتكس»، أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في إيران، إلى جانب عدد من منصات الصرافة الأخرى بالعقوبات، مدعية أن هذه الشبكات تُستخدم لتحويل الأموال والالتفاف على العقوبات.

وفي 14 يوليو 2026، توسع نطاق الضغوط ليشمل شبكات الشحن والشركات الواجهة وشركات الصرافة الموجودة خارج إيران. واستهدفت الولايات المتحدة في هذه المرحلة أكثر من 50 شخصاً وشركة وسفينة مرتبطة بشبكة الشحن وصادرات النفط الإيرانية. كما فرضت في 29 يوليو عقوبات على شبكة مرتبطة بالنقل البحري والأسطول الموازي.

وبلغ هذا المسار ذروة جديدة في 7 أغسطس، عندما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية استهداف شبكات العملة السرية الإيرانية، وقالت إن هذه الشبكات نقلت مئات الملايين من الدولارات عبر النظام المالي الدولي. وفي اليوم نفسه، فُرضت عقوبات على عدة كيانات ناشطة في مجال العملات المشفرة.

والآن تتحدث واشنطن عن المرحلة التالية من هذه الحملة. فقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، في 20 أغسطس، أن الولايات المتحدة تعتزم فرض «أشد العقوبات في التاريخ» على إيران، في خطوة قال إنها ستؤدي إلى تشديد الضغوط الاقتصادية وتقليل الحاجة إلى عمليات عسكرية أوسع.

وبذلك، فإن ما يواجه الاقتصاد الإيراني حالياً ليس مجرد قائمة جديدة من العقوبات، بل محاولة من واشنطن لإغلاق سلسلة من قنوات تحويل الأموال وبيع النفط والشحن والمعاملات غير الرسمية، وهي السلسلة التي اعتمد عليها الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الماضية لمواصلة نشاطه في ظل العقوبات.

ماذا يجري خلف كواليس الالتفاف على العقوبات؟

لكن النقطة التي يغفل عنها كثيرون في هذا السياق هي كيفية تعامل الداخل الإيراني مع أدوات الالتفاف على العقوبات. فمنذ سنوات، أُنشئت شبكة واسعة من الوسطاء والصرافات والأشخاص المعروفين باسم «التراستي» (أمناء الأموال والعملات)، بهدف مواجهة العقوبات الدولية وإعادة عائدات النفط والصادرات غير النفطية إلى البلاد. لكن السؤال الرئيسي والمؤلم هو: ما التكلفة الهيكلية الباهظة التي ترتبت على عملية الالتفاف هذه؟

تشير تقارير مراقبين اقتصاديين إلى أن غياب الشفافية في عمل «التراستي» وعدم وجود رقابة دقيقة على كيفية تحويل الأموال، أنشآ مساحة مظلمة واسعة للفساد والامتيازات غير المشروعة وعدم إعادة عائدات الصادرات إلى البلاد. وبدلاً من أن يصبح الالتفاف على العقوبات منفذاً لتنفس اقتصاد البلاد وتحسين معيشة المواطنين، تحول في بعض الحالات إلى أرضية لإثراء أشخاص محددين وشبكات «خاصة» مرتبطة بالامتيازات.

ويتولى أشخاص مبالغ ضخمة من العملات الأجنبية بحجة بيع النفط أو تصدير السلع، لكنهم يمتنعون عن إعادة هذه الموارد إلى الدورة الاقتصادية للبلاد، بسبب عدم وجود إمكانية واضحة للملاحقة القضائية والمالية في ظل الهيكل غير الرسمي.

ويواجه المسؤولون وصانعو القرار الاقتصادي في البلاد معادلة حساسة؛ فمن جهة هناك ضرورة للتصدي للمطالب الخارجية المبالغ فيها وإبطال مفعول العقوبات، ومن جهة أخرى ضرورة تجفيف منابع الفساد التي تتيح، تحت ذريعة الالتفاف على العقوبات، تبديد موارد إيران من النقد الأجنبي.

ستُظهر تطورات الأيام المقبلة وانعكاساتها في وسائل الإعلام العالمية إلى أي مدى ستؤثر الموجة الجديدة من العقوبات في سوق العملات الأجنبية. لكن ما يبدو واضحاً منذ الآن هو أن أكبر أضرار العقوبات تتمثل في القبول بالعيش في ظروف غير شفافة وتسليم مصير الموارد من النقد الأجنبي في البلاد إلى أشخاص ومؤسسات غير خاضعة للمساءلة.

ولتجاوز هذا التحدي الكبير بصورة سلمية، من الضروري أن تضع المنظومة الإدارية في البلاد، إلى جانب التصدي لضغوط واشنطن، إغلاق منافذ الفساد الداخلي وفرض رقابة صارمة على أداء «التراستي» على رأس أولوياتها.

ولا يمكن أن يكون سلوك طريق الحوار ورفع العقوبات والعودة إلى الانضباط المالي الدولي سوى المسار القادر على ضمان المصالح الوطنية والاستقرار الاقتصادي والحفاظ على سلامة معيشة المواطنين وأوضاعهم المعيشية في مواجهة العواصف الخارجية والآفات الداخلية.

اقرأ ايضا

إيران: وسيط نفطي استولى على 200 مليون دولار وغادر البلاد

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى