العلاقات الإيرانية الصينية على المحك: فتور في وقت الحرب؟

وضعت التوترات الإقليمية في أعقاب الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، العلاقات الإيرانية الصينية تحت المجهر.

ميدل ايست نيوز: وضعت التوترات الإقليمية في أعقاب الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، العلاقات الإيرانية الصينية تحت المجهر. فرغم المواقف السياسية المعلنة للصين في دعم إيران وإدانة الحرب، يثار نقاش ساخن داخل إيران حول عدم وقوف الصين إلى جانبها كما ينبغي، بوصفها شريكاً استراتيجياً.

وجددت صورة المحادثة القصيرة “الباهتة” بين الرئيسين الإيراني مسعود بزشكيان والصيني شي جين بينغ، الثلاثاء الماضي، في قمة شنغهاي بقرغيزستان الجدل حول طبيعة هذه العلاقات. وبينما كانت طهران تأمل استغلال القمة في مواجهة الولايات المتحدة، اقتصرت المحادثة بين الرئيسين على لقاء عابر وقوفاً، ما اعتبره البعض مؤشراً على برود العلاقات الإيرانية الصينية وفتورها.

ثم جاءت تصريحات الأمين العام لحزب “كوادر البناء” الإصلاحي، حسين مرعشي، في مقطع فيديو، حول شروط صينية، ليسخن النقاش الداخلي، حيث قال القيادي الإصلاحي إن بكين رفضت زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يتولى مسؤولية ملف العلاقات مع الصين، رابطة الزيارة بشروط تتمثل بإعادة فتح مضيق هرمز، وعدم تحصيل رسوم، وإنهاء التوتر مع السعودية، وحل النزاع مع أميركا. غير أن مكتب الممثل الخاص لإيران في شؤون الصين ووزارة الخارجية الإيرانية سرعان ما نفيا صحة هذه التصريحات.

عقب ذلك، أدّت زيارة الرئيس الصيني لمصر إلى تصاعد الجدل في إيران حول العلاقات مع بكين، إذ رأى البعض أن الصينيين يتجنبون حتى مثل هذه الزيارات لطهران في وقت الحرب والأزمات. وفي الوقت نفسه، وبينما تعقد إيران آمالها على علاقاتها التجارية مع الصين، أكبر شريك تجاري لها بعد إعلان الحرب الاقتصادية الأميركية ضد شركائها، تحاول الإدارة الأميركية من الجانب الآخر جرّ الصين، وهي أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، إلى الانخراط في الحملة على طهران. وفي هذا الصدد، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أول من أمس الجمعة، إن الرئيس الصيني صديق له، مضيفاً أن الصينيين لا يقدمون الكثير من المساعدة لإيران.

تكهنات إعلامية

وأكد رئيس مركز الدراسات الصينية في إيران حامد وفائي، أن معظم ما يتردد في الإعلام عن فتور العلاقات الإيرانية الصينية ليس سوى “تكهنات إعلامية” تفتقر إلى الاستناد إلى المواقف الرسمية للبلدين. ونفى وفائي الادعاء أن الموقف الصيني جاء مخيباً للتوقعات الإيرانية خلال الحرب، موضحاً أن بكين كانت حاضرة منذ اليوم الأول للحرب عبر اتصالات دبلوماسية مكثفة تجاوزت 30 اتصالاً شملت إيران والولايات المتحدة وروسيا والدول العربية، تلاها نشاط دبلوماسي واسع عبر مبعوثيها الخاصين، ودعم المبادرات الإقليمية، مثل المبادرة الباكستانية ومبادرة الرئيس الصيني للسلام في الشرق الأوسط، وهي خطوات حظيت بدعم الجمهورية الإسلامية.

وشدد الأستاذ في جامعة طهران على أن المواقف الصينية الأخيرة أكدت استعداد بكين للعب دور الوسيط بين إيران والدول العربية ضمن إطار “خطة الأمن الجماعي” للخليج، مشيراً إلى أن استخدام الصين لحق النقض في مجلس الأمن لإفشال مشروع قرار حول مضيق هرمز يثبت حضورها الفاعل، لا الباهت. وأوضح أن عدم التدخل الصيني المباشر في النزاعات التي لا تمسّ أمنها القومي جزء من ثوابت السياسة الخارجية الصينية التي تدركها طهران، مؤكداً أن العلاقات الإيرانية الصينية مستمرة في “أعلى مستوياتها”.

وخلص وفائي إلى أن الوصول إلى مرحلة تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة مرهون بتقديم إيران ودول المنطقة “مقترحات دقيقة” تتقاطع فيها مصالحهم مع المصالح الصينية وفق مبدأ “الربح للجميع”. وأشار إلى أن الصين ليست طرفاً مستفيداً من عدم الاستقرار، بل إن مواقفها تحظى بدعم واسع في المنطقة، مؤكداً أنه في حال استغلال دول المنطقة للقدرات الصينية والتوصل إلى توافقات مشتركة، ستتمكن بكين من التحول إلى “مرساة للاستقرار” في الشرق الأوسط.

قيود استراتيجية على العلاقات الإيرانية الصينية

غير أن الخبير الإيراني صلاح الدين خديو، رأى أن ما يعكس المشهد الحالي ليس بالضرورة “فتوراً” أو “شرخاً” في العلاقات الإيرانية الصينية بل يكشف عن القيود أو المحدودية الاستراتيجية الكامنة في الشراكة بين البلدين خلال الأزمات الراهنة. وأوضح خديو أن هذا الأمر كان محل تنبؤ من قبل المراقبين المنتقدين لسياسة “الالتفات شرقاً” التي تتبناها إيران دون موازنتها مع محاور أخرى، مؤكداً أنه لا يمكن هيكلياً توقع تحول الصين وإيران إلى حليفين استراتيجيين أو شريكين وجوديين. وأشار إلى أن التناقض بين توقعات طهران والواقع الميداني أصبح أوضح في ظل الحرب الحالية، حيث تملك بكين علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع الولايات المتحدة، ودول الخليج، وإسرائيل، ما يمنعها من الظهور بالدور الذي تأمله طهران في وقت الأزمات.

وعن إمكانية ظهور فجوة حقيقية بين البلدين، أوضح خديو أن الاختبار الحقيقي يعتمد على رد فعل الصين تجاه حملة “المنبوذ الاقتصادي” الأميركية الجديدة ضد إيران، مضيفاً أنه إذا اختارت بكين الانضمام إليها بدلاً من الاستمرار في دورها مشترياً رئيسياً للنفط الإيراني ومحاولاتها المعتادة للالتفاف على العقوبات، حينها يمكن الحديث عن “شرخ” حقيقي.

ولفت الخبير الإيراني إلى أن الصين باعتبارها دولة تضع مصالحها القومية فوق كل اعتبار، تقوم حالياً بتقييم مدى قدرة السلطة الإيرانية على الصمود أمام الظروف الجديدة، لتجنب المخاطرة بكامل استثماراتها في سلة واحدة. وأشار إلى أن بكين قد تكون غير راضية عن استخدام إيران لملف إغلاق مضيق هرمز أداة ضغط، رغم أن الصين لا ترغب، في تقديره، في رؤية انهزام إيران أو صعود نظام موالٍ للغرب في طهران، خصوصاً أن أمن الطاقة في المنطقة يمثل مصلحة صينية حيوية طويلة الأمد.

لا شراكة استراتيجية

إلى ذلك، رأى المحلل السياسي الإيراني الإصلاحي، داود حشمتي، أن إيران والصين لم تصلا بعد إلى مرحلة “الشراكة الاستراتيجية” لوجود تضارب في المصالح؛ موضحاً أن بناء شراكة استراتيجية يتطلب مصالح مشتركة طويلة الأمد كما هو الحال بين الصين وباكستان في مواجهة الهند، وهو ما يغيب عن العلاقة بين طهران وبكين. وأشار إلى أن بكين تفضل إيصال رسائلها عبر الأفعال ومستوى اللقاءات الدبلوماسية، لا التصريحات الإعلامية.

وشدد حشمتي، على ضرورة قراءة التحركات الصينية بعيداً عن مفاهيم “الدفء أو الفتور”، والنظر إليها من زاوية “المصالح البحتة”؛ إذ تتقاطع هذه المصالح حالياً بشكل سلبي مع طهران في ملف مضيق هرمز. وكشف أن بكين استعدت مسبقاً لهذا السيناريو منذ ما قبل عام 2025 عبر رفع احتياطياتها النفطية الاستراتيجية من قرابة 1.1 مليار برميل إلى نحو 1.25 مليار برميل، ما مكّنها من امتصاص صدمة إغلاق المضيق ومنع القفزات الكبيرة لأسعار النفط عبر كبح طلبها والاعتماد على مخزونها الضخم بكونه “وسادة أمان”. وخلص حشمتي إلى أنه مع تراجع المخزونات الصينية تدريجياً، بدأ يتغيّر الحساب الاستراتيجي لبكين. فبينما لم تكن تمانع في البداية تعرّض ترامب لضغوط داخلية ناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود لتقييد يده في الحرب الجمركية، إلا أنها باتت ترغب الآن في إنهاء أزمة مضيق هرمز وتسوية هذا الملف لضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية.

3 اتجاهات إيرانية حول العلاقة مع الصين

لطالما مثلت العلاقات مع الصين وروسيا، واستدارة السياسة الخارجية الإيرانية نحو الشرق، محوراً خلافياً بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران، إذ ينظر كلا الطرفين إلى مسار العلاقات مع الشرق والغرب من زوايا متباينة. وعليه، فإن الجدل الراهن بشأن العلاقات الإيرانية الصينية لا ينفصل عن هذا الانقسام التقليدي. غير أن الجديد في المشهد الحالي ظهور تباينات واضحة داخل المعسكر المحافظ نفسه، تتجلى بوضوح في الانتقادات الحادة التي يوجهها طيف من المحافظين إلى رئيس مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني محمد باقر قاليباف، بوصفه المكلّف إدارة ملف العلاقات مع الصين، حيث يرون أنه أخفق في هذا الملف، ولم ينجح في تطوير العلاقات الإيرانية الصينية ودفعها إلى الأمام. ولا يخفى في هذا السياق أن جانباً من دوافع هذه الانتقادات يرتبط بمعارضة هذا الوسط المحافظ المتشدد لمذكرة التفاهم المبرمة خلال يونيو/ حزيران مع الولايات المتحدة، إذ يحمّلون قاليباف، بصفته رئيس الوفد الإيراني المفاوض، مسؤولية التوصل إلى هذا التفاهم.

وأشار حشمتي إلى ثلاثة اتجاهات تحكم النظرة إلى الصين، ينطلق أولها من مقاربة إصلاحية براغماتية تدعو إلى استثمار ثقل الصين لتحييد العقوبات الأميركية دون إغلاق الباب أمام الانفتاح على الغرب، وبناء مصالح متبادلة لا تؤدي إلى تبعية مفرطة، معتبراً أن إشراك بكين في ترتيبات تسوية ملف مضيق هرمز قد يصب في مصلحة إيران، على غرار وساطتها الناجحة في الاتفاق الإيراني السعودي في عام 2023.

في المقابل، يتبنى الاتجاه الثاني حسب حشمتي، رؤية راديكالية محافظة تدعو إلى التحالف الاستراتيجي الكامل، عسكرياً وأمنياً وسيبرانياً، معتبراً أن غياب الدعم الصيني الملموس في الحرب يعود إلى تردد طهران في حسم خيارها بالاتجاه شرقاً، بينما يذهب الاتجاه الثالث نحو القطيعة مع بكين والتركيز حصراً على تصفير الأزمات مع الغرب، بذريعة أن الصين تستغل حاجة إيران لشراء نفطها بأسعار تفضيلية دون تقديم عائد استراتيجي ملموس. وخلص حشمتي إلى أن الطموح ببناء تحالف أمني وعسكري مع الصين يمثل “تمنيات ورغبات غير واقعية”، مؤكداً أن الدبلوماسية الصينية تسترشد بمصالحها الاقتصادية الوطنية ورفاهية شعبها، ولا تقبل المجازفة بها تحت أي ظرف، ما يستوجب على طهران قراءة موضوعية لحدود هذه الشراكة.

إلا أن المحلل السياسي الإيراني المحافظ جواد أصغري راد، انتقد الإصلاحيين، قائلاً إنّ هناك تياراً فكرياً في الغرب ولدى بعض الأوساط المتأثرة به في الداخل يسعى باستمرار لاستغلال أي عارض، أو احتكاك، بسيط في علاقات إيران مع المعسكر الشرقي، خصوصاً روسيا والصين، لتطبيق سياسة “فرق تسُد” التقليدية، حيث تُضخَّم تفاصيل بروتوكولية شكلية كطول طاولة اللقاءات، وتجاهل الزيارات واللقاءات الاستراتيجية المتكررة بين كبار القادة.

وأكد أصغري راد، وهو الأستاذ المساعد في العلوم السياسية في جامعة بجنورد شرقي إيران، أن السياسة الصينية تتسم بالبراغماتية وعدم الرضوخ للضغوط أو التحذيرات الأميركية لقطع العلاقات مع أي دولة، ما لم تبادر تلك الدولة بنفسها إلى تقليص علاقاتها مع بكين. وتابع قائلاً إن الصين عادة لا تنسحب من شراكاتها تحت وطأة الضغوط الغربية، وإن كانت تدير توازناتها بدقة مع أميركا. وأشار إلى وجود تيارين في إيران حول العلاقة مع الصين، الأول يتبنى استراتيجية “التوجه شرقاً” وتعميق الشراكات الاستراتيجية والانضمام إلى المنظمات الإقليمية كمنظمة شنغهاي وبريكس. وفي المقابل، هناك تيار تقليدي يرى التنمية حصراً عبر بوابة الانفتاح على الغرب، وله حساباته الفكرية والانتخابية.

ولفت إلى أن تركيز الحكومة الإيرانية الحالية على مسار التفاوض مع واشنطن والغرب جعل خطاب تطوير العلاقات الإيرانية الصينية يتراجع نسبياً في الخطاب الرسمي، وهو ما يدفع في تقديره بكين بطبيعة الحال إلى التريث والحذر في التفاعل علناً مع أطراف تبدي حساسية أو تردداً تجاه الشراكة معها. وشدد أصغري راد على أن الصين لن تتجاهل تحت أي ظرف المكانة الجيوسياسية لإيران في المنطقة بوصفها سداً منيعاً أمام تمدد النفوذ والهيمنة الأميركية والغربية باتجاه الشرق. وخلص إلى أن بكين، رغم مناوراتها الاقتصادية في عالم متعدد الأقطاب، تواصل سياساتها الداعمة للمصالح المشتركة مع طهران، مستشهداً بموقفها الأخير في قمة مجموعة العشرين ورفضها المقترحات الأميركية لإدانة الموقف الإيراني بشأن مضيق هرمز في البيان الختامي، فضلاً عن تمسكها باستمرار شراء النفط والتعامل التجاري مع إيران ورفض الانخراط في حملات الحصار الاقتصادي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى