نفط إيران عالق في البحر.. والحصار يهدد بإغلاق الآبار

بعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب، وبالتزامن مع تشديد العقوبات واستمرار الحصار البحري الأميركي، تبرز صورتان مختلفتان لتجارة النفط الإيرانية.

ميدل ايست نيوز: بعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب، وبالتزامن مع تشديد العقوبات واستمرار الحصار البحري الأميركي، تبرز صورتان مختلفتان لتجارة النفط الإيرانية.

ووفق تقييم شركة معلومات الطاقة «كبلر»، واصلت ناقلات النفط في أغسطس/آب 2026 تفريغ ما متوسطه نحو مليون برميل يومياً من النفط الإيراني في الصين. لكن عمليات تحميل شحنات جديدة في إيران تراجعت إلى نحو سُبع مستواها في مارس/آذار، الشهر الأول للحرب.

ويعود هذا التباين إلى أن جزءاً كبيراً من النفط الذي يجري تفريغه في الصين كان قد غادر إيران في وقت سابق، وظل مخزناً على متن ناقلات موجودة في المياه الآسيوية.

وبحسب خبراء من خارج المنطقة الخاضعة للحصار، لا تزال هناك نحو 30 إلى 40 مليون برميل من النفط الإيراني على متن ناقلات.

وإذا استمر هذا الوضع، فإن النفط الذي لا يجد مشترين سيتعين تخزينه في الخزانات البرية أو المصافي أو على متن الناقلات. ومع تضاؤل مساحات التخزين المتاحة، ستنتقل الضغوط الناجمة عن هذه القيود إلى منشآت الإنتاج، ومن ثم إلى الحقول والآبار.

والسؤال هنا هو: إلى أي مدى تستطيع إيران احتواء هذه الضغوط من خلال خفض الإنتاج أو وقفه؟ وفي مثل هذا السيناريو، أي الحقول ستخرج من الخدمة أولاً؟ وكيف ستتم إعادة الآبار والمنشآت التي ستتوقف لأسابيع أو أشهر إلى الإنتاج؟

النفط الذي لا يصل إلى الأسواق

تُظهر البيانات التي قدمتها شركة «كبلر» أن عمليات تحميل النفط الإيراني تراجعت من نحو مليون و830 ألف برميل يومياً في مارس/آذار إلى قرابة 255 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب.

كما أفادت وكالة «رويترز» بأنه منذ إعادة فرض الحصار البحري الأميركي في 14 يوليو/تموز، لم تعبر أي شحنة كبيرة من النفط الخام الإيراني مضيق هرمز وتصل إلى الصين. وذكرت الوكالة أن النفط الذي يجري تفريغه حالياً في الصين كان قد حُمّل في الغالب قبل تشديد الحصار.

وتُظهر البيانات الجديدة أيضاً أن تراجع صادرات إيران امتد إلى قطاع الإنتاج. فقد قدّرت «كبلر» إنتاج إيران من النفط الخام بنحو 3 ملايين و240 ألف برميل يومياً في مارس/آذار، قبل أن يتراجع إلى مليون و755 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب، بانخفاض يقارب 46 في المئة. كما انخفض إنتاج المكثفات من نحو 800 ألف برميل يومياً في بداية العام إلى 625 ألف برميل.

في المقابل، تُظهر بيانات «كبلر» أنه رغم الاتجاه النزولي للإنتاج، ارتفع إجمالي النفط الموجود في المحطات والمصافي وغيرها من منشآت التخزين البرية الإيرانية من نحو 58 مليوناً و200 ألف برميل في 14 يوليو/تموز إلى 67 مليوناً و400 ألف برميل في نهاية أغسطس/آب.

ويؤدي ارتفاع مخزونات النفط بالتزامن مع الانخفاض الحاد في الصادرات إلى انتقال الضغوط الناجمة عن هذه القيود إلى الحقول النفطية، ما يجبر إيران على خفض الإنتاج.

وتختلف الحقول الإيرانية من حيث عمرها، وضغط مكامنها، ونوع الصخور، وكمية المياه المصاحبة للإنتاج، ومدى اعتمادها على حقن الغاز. وتؤخذ هذه الخصائص في الاعتبار عند اختيار الآبار التي سيجري خفض إنتاجها.

وفي أواخر أبريل/نيسان، بالتزامن مع الجولة الأولى من الحصار البحري على إيران، انخفضت أيضاً صادرات النفط والمكثفات الإيرانية بشدة، وأثار تراكم المخزونات مسألة الضغوط التي قد تتعرض لها منشآت الإنتاج.

وفي ذلك الوقت، توقعت شركة «كبلر» في تقرير لها أن تحاول إيران، إذا اضطرت إلى خفض أو وقف الإنتاج من بعض الآبار، الحفاظ على إنتاج ثلاثة أنواع من الحقول: الحقول المشتركة، والمكامن الأكثر حساسية لانخفاض الضغط، والحقول التي لديها برامج نشطة لحقن الغاز.

المجموعة الأولى هي الحقول المشتركة، ومن بينها آزادغان ويادآوران الممتدان بمحاذاة الحقول النفطية العراقية، وفروزان المشترك مع السعودية، وسلمان الذي يقع الجزء الآخر منه في المياه الإماراتية. وفي هذه الحقول، يستخرج البلدان النفط من بنية جيولوجية مشتركة. ولذلك، فإن خفض الإنتاج لفترة طويلة في الجانب الإيراني، في الوقت الذي يستمر فيه الاستخراج في الجانب الآخر من الحدود، يكتسب أهمية اقتصادية واستراتيجية خاصة.

أما المجموعة الثانية فتتمثل في المكامن العميقة المعروفة باسم «مجموعة بنغستان». وتتكون هذه المكامن أساساً من صخور كربوناتية، مثل الحجر الجيري، ويتدفق جزء مهم من النفط عبر شبكة من الشقوق والتصدعات الطبيعية في الصخور. ووفق تقييم «كبلر»، فإن إنتاج هذه المكامن أكثر حساسية للحفاظ على الضغط واستمرار التدفق داخل هذه التصدعات، ولذلك ينبغي إدارة خفض إنتاجها أو وقفه بمزيد من الحذر.

أما المجموعة الثالثة فتشمل الحقول التي يُحقن فيها الغاز داخل المكمن. ويساعد حقن الغاز على الحفاظ على ضغط المكمن ودفع النفط باتجاه آبار الإنتاج. وقد يؤدي الخفض غير المتناسب للإنتاج أو تعطل برنامج الحقن إلى جعل إدارة الضغط وإعادة الإنتاج أكثر صعوبة.

ويقول همايون فلكشاهي إن حصة أكبر من خفض الإنتاج ستُرجح للمكمن الآسماري في حقل أهواز، وحقول مارون وغجساران وبيبي حكيمة، نظراً إلى أن هذه الحقول تتمتع بمرونة تشغيلية أكبر لضبط الإنتاج مقارنة بالمجموعات الأكثر حساسية.

وبما أن مكامن آسماري، وهي مكامن أقل عمقاً وأكثر إنتاجية في حقول جنوب إيران، تنتج كميات أكبر من النفط الخفيف، فإن خفض إنتاجها قد يؤدي إلى انخفاض إمدادات النفط الإيراني الخفيف بدرجة أكبر من النفط الثقيل.

ما تأثير إغلاق الآبار على الإنتاج مستقبلاً؟

يأتي جزء كبير من نفط جنوب وجنوب غرب إيران من المكامن الكربوناتية في آسماري وبنغستان.

وبحسب همايون فلكشاهي، فإن نفاذية الصخور في هذه المكامن منخفضة، ويتدفق النفط أساساً عبر شبكة من الشقوق والتصدعات الطبيعية باتجاه الآبار. كما يُحقن الغاز في بعض الحقول للحفاظ على ضغط المكمن والمساعدة في استمرار تدفق النفط.

وقال إريك مكاي، أستاذ هندسة الطاقة الجيولوجية في جامعة هيريوت-وات في بريطانيا، إن التوقف لفترة طويلة لا يتسبب عادةً في إلحاق ضرر بالمكمن نفسه، ولا يؤدي بحد ذاته إلى خفض كمية النفط القابلة للاستخراج. وأضاف أنه في بعض الأحيان قد يرتفع الإنتاج الأولي بعد إعادة تشغيل البئر، لأن الماء والنفط ينفصلان بفعل اختلاف الكثافة خلال فترة التوقف، كما أن الآبار تنتج عادةً من الأجزاء الأقل عمقاً والأكثر غنى بالنفط.

وأوضح مكاي أن المنشآت النفطية مصممة للعمل بشكل شبه متواصل، رغم أن عمليات التوقف المبرمجة لإجراء أعمال الصيانة الدورية أمر معتاد. وتظهر المشكلة الرئيسية عندما يؤدي توقف الإنتاج وانقطاع الإيرادات إلى عدم إجراء أعمال الصيانة المعتادة، فتحتاج المنشآت إلى مزيد من العمل قبل إعادتها إلى الخدمة.

وقد تحتاج الآبار منخفضة الضغط، أو الآبار التي تنتج كميات كبيرة من المياه المصاحبة للنفط، إلى مضخات أو حقن مؤقت للنيتروجين أو عمليات غسل كيميائي أو أعمال صيانة حتى يمكن إعادة تشغيلها.

ويقول مكاي إن إعادة تشغيل البئر تصبح أكثر صعوبة وكلفة كلما طال توقفه، إلى حد أن «حفر بئر جديد قد يكون أقل تكلفة أو أقل خطراً».

وللحد من هذه الآثار، لجأت شركة النفط الوطنية الإيرانية في السابق، بدلاً من إغلاق الحقول بالكامل، إلى إخراج الآبار من الخدمة بالتناوب. وفي هذه الطريقة، يتوقف كل بئر عن العمل لبضعة أسابيع فقط.

ويقول همايون فلكشاهي، محلل شركة «كبلر»، إن هذه الطريقة تحول دون التوقف لفترات طويلة وتتيح للمهندسين تقييم حجم الإنتاج الذي يمكن استعادته، إلا أن التدخل المتكرر في الآبار وضبط المنشآت يرفع تكاليف التشغيل.

ويكتب روبن ميلز، الباحث في مجال الطاقة، في تحليل لمركز سياسة الطاقة العالمية التابع لجامعة كولومبيا، أن توقف الإنتاج من غير المرجح أن يلحق ضرراً بالغاً أو دائماً بالطاقة الإنتاجية النفطية الإيرانية. ويشير إلى أنه، بخلاف النفط فائق الثقل وموارد النفط الصخري، تتحمل الحقول التقليدية في الشرق الأوسط عادةً عمليات التوقف وإعادة التشغيل بشكل أفضل.

ويوضح أن النفط في المكامن المتشققة بجنوب إيران ينتقل ببطء من المسامات الدقيقة في الصخور إلى الشقوق الطبيعية، ومنها إلى الآبار. وقد يتيح خفض الإنتاج أو وقفه مؤقتاً مزيداً من الوقت لهذه العملية، ولذلك يخلص إلى أنه من الممكن أن يرتفع إنتاج البئر، وكذلك كمية النفط القابلة للاستخراج، بعد إعادة تشغيله.

عقدة الغاز والمكثفات في بارس الجنوبي

يحتوي الغاز الخام في بارس الجنوبي على مكثفات وهيدروكربونات أثقل أخرى، يجري فصلها بعد نقل الغاز إلى البر في منشآت معالجة الغاز. ولذلك، إذا أصبحت إمكانية تصدير المكثفات أو تخزينها أو استهلاكها محدودة، فقد تضطر إيران إلى خفض إنتاج الغاز لتجنب تراكمها.

وقال نجات رحمانيان، الأستاذ المشارك في الهندسة الكيميائية وهندسة النفط بجامعة برادفورد، والذي سبق أن عمل في مشاريع بارس الجنوبي، إن جزءاً من المكثفات يمكن استهلاكه في المصافي المحلية، لكن الكمية التي يمكن استيعابها تعتمد على تصميم كل مصفاة والطاقة الاستيعابية المتاحة فيها.

وتأتي هذه القيود في وقت يتراجع فيه أيضاً الضغط الطبيعي لمكمن بارس الجنوبي نتيجة سنوات من الاستخراج، فيما تتابع شركة النفط والغاز في بارس تنفيذ مشروع لرفع الضغط وتركيب ضواغط بحرية للحفاظ على تدفق الغاز.

ويقول رحمانيان إن فترات التوقف الطويلة، وتكرار دورة إيقاف وتشغيل المنشآت، يجعلان العودة إلى الإنتاج المستقر أكثر صعوبة، كما يزيدان من تآكل التوربينات والضواغط.

وكانت «كبلر» قد قدّرت في تقريرها الصادر في أبريل/نيسان أن انخفاض الطاقة الإنتاجية للمكثفات، إثر الهجمات الإسرائيلية على خمس مراحل من بارس الجنوبي، بلغ نحو 100 إلى 120 ألف برميل يومياً، مشيرة إلى أن هذا الانخفاض سيستمر ستة أشهر على الأقل.

وتُظهر البيانات الجديدة للشركة أيضاً أن إنتاج المكثفات في أغسطس/آب كان أقل بنحو 175 ألف برميل يومياً مقارنة بشهر يناير/كانون الثاني 2026، مع الإشارة إلى أن هذا الفارق ناتج عن مجموعة من التطورات التي شهدتها هذه الفترة، ولا يمكن عزوه بالكامل إلى الأضرار التي لحقت بهذه المراحل الخمس.

ويؤدي انخفاض إنتاج الغاز أيضاً إلى تغيير كميات الغاز الداخلة إلى منشآت المعالجة في بارس الجنوبي، وقد يتسبب في خروج بعض وحدات المعالجة من الخدمة.

ويقول نجات رحمانيان: «منشأة المعالجة ليست شيئاً يمكن إغلاقه اليوم ثم إعادة تشغيله غداً بمجرد وصول الغاز. قبل إعادة التشغيل، يجب موازنة ضغوط الأنظمة وتجهيز المعدات».

وبحسب رحمانيان، تتطلب إعادة التشغيل إجراء فحوصات للسلامة، ووجود فرق تشغيلية، وتجهيز معدات مثل التوربينات والضواغط. كما يؤدي تكرار دورة التوقف وإعادة التشغيل إلى زيادة استهلاك هذه المعدات وتآكلها.

ويُوزع غاز بارس الجنوبي بين الأسر، ومحطات توليد الكهرباء، والصناعات، وشركات البتروكيماويات، والتصدير، والحقول النفطية. ويُخصص جزء منه لحقن الغاز في الحقول القديمة بجنوب إيران، ومن بينها آغاجاري. ويؤثر خفض عمليات الحقن على المدى الطويل في ضغط المكمن وإنتاج النفط، وإن كان رحمانيان يقول إن حجم هذا التأثير يجب احتسابه بصورة منفصلة لكل حقل.

ويضيف أن تقييد إمدادات الغاز إلى قطاع البتروكيماويات يترتب عليه أيضاً آثار أخرى، من بينها إمكانية الضغط على إنتاج الأسمدة الكيميائية، ومن ثم القطاع الزراعي، فيما يمكن أن يؤثر نقص وقود محطات الكهرباء في إمدادات الكهرباء للمصانع والأسر. ويمكن أن يؤدي استبدال الغاز بزيت الوقود إلى تعويض جزء من النقص، لكنه يتسبب في مزيد من التلوث.

ويقول رحمانيان إن التأثير الفوري لخفض الإنتاج سيظهر بصورة أكبر على السكان والمستهلكين النهائيين، إذ يمكن إلى حد ما التعامل مع مشكلات المكامن والمنشآت من خلال الإجراءات الفنية، لكن نقص الغاز المخصص للاستهلاك يجب تعويضه في الوقت نفسه ومن مصدر آخر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى