الصحافة الإيرانية: إيران بين الصين وروسيا.. تباين المواقف يثير تساؤلات حول حدود الشراكة

يعكس موقف الصين من مضيق هرمز مصالحها الحيوية. فنظراً إلى أن الصين تمتلك اقتصاداً يعتمد على التصدير، فإن حرية الملاحة الدولية وانخفاض تكلفتها وسرعتها تعد أموراً حيوية بالنسبة إليها.

ميدل ايست نيوز: شهد الأسبوع الماضي مجدداً اهتماماً واسعاً بطبيعة العلاقات بين إيران والصين وروسيا، بعدما تصدرت هذه العلاقات مركز الاهتمام على خلفية اجتماعين مهمين، هما قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك وقمة مجموعة العشرين في الولايات المتحدة. وزاد من أهمية هذا الموضوع تصريح الأمين العام لحزب كاركزاران بشأن ربط سفر قاليباف إلى الصين بتغيير موقف إيران تجاه مضيق هرمز والإمارات والسعودية.

يقول كوروش أحمدي، وهو دبلوماسي إيراني سابق، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إنه في اجتماع بيشكيك، حظي عدم عقد لقاء ثنائي رسمي بين الرئيسين الإيراني والصيني باهتمام كبير. إذ اكتفت وكالة إرنا الرسمية والموقع الإلكتروني للرئاسة الإيرانية بالإشارة إلى أن الرئيسين «تحدثا معاً لبضع دقائق». كما نُشر مقطع فيديو يظهر الرئيسين وهما يتحدثان وقوفاً. ويأتي ذلك في وقت كان فيه مسعود بزشكيان وشي جين بينغ قد عقدا لقاءً ثنائياً رسمياً خلال قمة منظمة شنغهاي التي انعقدت العام الماضي في تيانجين. وبطبيعة الحال، لم يلتقِ الزعيم الصيني في بيشكيك سوى ثلاثة من أصل ثمانية قادة مشاركين في القمة في اجتماعات ثنائية رسمية. إلا أن التطورات الهائلة التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الستة الماضية كانت أحد أسباب التوقعات بعقد لقاء رسمي بين الرئيسين. وإضافة إلى ذلك، اقتصرت لقاءات كبار المسؤولين في البلدين خلال الأشهر الـ15 الماضية على زيارة عراقجي إلى بكين في مايو الماضي، ولقاء وزيري خارجية إيران والصين على هامش اجتماع عُقد في بيشكيك في يوليو الماضي.

إضافة إلى ذلك، كان التذبذب في الموقف الصيني وبعض الخلافات في وجهات النظر خلال الأشهر الستة الماضية سبباً آخر كان يستدعي عقد لقاء على مستوى رفيع. ففي 11 مارس، لم تمنع الصين، من خلال امتناعها عن التصويت، صدور قرار مجلس الأمن رقم 2817، بما في ذلك ما يتعلق بإدانة تعطيل إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز. لكن في 8 أبريل، استخدمت الصين وروسيا حق النقض ضد مشروع قرار كان يسمح بالتدخل العسكري لحماية عبور السفن التجارية في المضيق. ومع ذلك، تحدثت الصين مراراً منذ مايو الماضي عن مضيق هرمز باعتباره «ممراً مائياً دولياً»، وعن ضرورة «العبور من خلاله دون عوائق»، وعودة وضع المضيق إلى ما كان عليه قبل الحرب. ومن بين ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في 20 أبريل: «تعتبر الصين مضيق هرمز مضيقاً للعبور الدولي، وترى أن الحفاظ على سلامته وضمان المرور فيه دون عوائق يمثل مصلحة إقليمية ودولية مشتركة».

ويعكس موقف الصين من مضيق هرمز مصالحها الحيوية. فنظراً إلى أن الصين تمتلك اقتصاداً يعتمد على التصدير، فإن حرية الملاحة الدولية وانخفاض تكلفتها وسرعتها تعد أموراً حيوية بالنسبة إليها. وبما أن الصين تحصل على 40 في المئة من احتياجاتها من الطاقة المستوردة من الخليج، فإن انخفاض أسعار النفط وأمن طرق نقل الطاقة يحظيان بأهمية كبيرة بالنسبة إليها. كما أن حجم التبادل التجاري البالغ 350 مليار دولار بين الصين والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي يزيد من أهمية الأمر، في حين لا يتجاوز حجم التبادل التجاري الصيني مع إيران نحو عُشر هذا الرقم. ولذلك، فمن المحتمل أن يكون التعارض بين نظرة إيران إلى المضيق باعتباره أداة استراتيجية، ونظرة الصين إليه باعتباره ممراً لعبور السلع والطاقة، قد تحول إلى مصدر للمشكلات. ومن المحتمل أن يكون عدم عقد لقاء ثنائي رسمي بين رئيسي البلدين في بيشكيك مؤشراً إلى ذلك.

وثمة نقطة مهمة أخرى تتمثل في عدم قيام قاليباف، بصفته الممثل الخاص لإيران في الشؤون الصينية، بأي تحرك يُذكر. فهذا التعيين، الذي جرى على مستوى رفيع جداً باقتراح من بزشكيان وموافقة المرشد في مايو الماضي، لم يسفر حتى الآن عن أي تحرك ملموس. وكان الإجراء الوحيد الواضح لقاليباف هو لقاؤه بالوفد الصيني الذي أوفد للمشاركة في مراسم تشييع «القائد الشهيد» في 3 يوليو، حيث تحدث عن رفع المشكلة التي تواجه السفن المتجهة إلى الصين في مضيق هرمز؛ وهو وعد لا توجد مؤشرات واضحة على تنفيذه حتى الآن.

من جهة أخرى، لا تزال تفاصيل معارضة الصين للمشروع الأمريكي لبيان مجموعة العشرين، الذي كان أحد بنوده يتعلق بمضيق هرمز، موضع جدل. ولم يتضح أساساً في هذه المسألة ما إذا كانت معارضة الصين لهذا البيان مرتبطة بمضمون البند الرابع منه بشأن مضيق هرمز أم لا. وينص البند الرابع من المشروع، في إشارة إلى «ضرورة ضمان الأداء الفعال والسلس لسلاسل القيمة الرئيسية، مثل الطاقة والغذاء والأسمدة…» ومع «الإعراب عن القلق إزاء استمرار اضطراب تجارة الطاقة»، على أن «الملاحة الحرة والآمنة والقابلة للتنبؤ في مضيق هرمز وفي جميع أنحاء العالم، وحل الحروب والنزاعات الجارية، يمثلان ضرورة أساسية لتحقيق النمو العالمي المستمر».

وبما أن المسؤولين الصينيين لم يوضحوا البنود التي دار الخلاف حولها، فلا يزال موقف الصين من البند الرابع غير واضح. وتحدث المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية بصورة عامة، إذ أعلن، بعد «الإعراب عن أسف عميق»، أن سبب معارضة الصين هو «اختلاف الآراء بشأن الموضوعات ذات الصلة»، وشدد على مبادئ «بناء التوافق والمشاركة المتساوية» و«ضرورة التعاون الموضوعي والعادل والمتوازن بشأن القضايا الاقتصادية العالمية الرئيسية، ورفض أي محاولة لفرض رواية دولة واحدة على الآخرين». ولذلك، فإن البنود 4 و10 و11 و13 من بيان مجموعة العشرين، التي جرى الحديث عنها باعتبارها البنود محل الخلاف، لا تعدو كونها تكهنات طرحتها وسائل الإعلام الدولية. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تكون المشكلة الصينية مرتبطة بشكل أساسي بالبندين 10 و11، اللذين يتناولان الاختلال في التوازن الاقتصادي الدولي. وقد يشير هذان البندان إلى الفائض التجاري الصيني البالغ 1.2 تريليون دولار.

ومن ناحية أخرى، فإن موافقة روسيا على وثيقة مجموعة العشرين التي نُشرت بعد معارضة الصين تحت عنوان «بيان الرئيس» تستحق التوقف عندها. وقد جاء في الحاشية السفلية لهذه الوثيقة، التي نُشرت على موقع وزارة الخزانة الأمريكية، أن «جميع أعضاء مجموعة العشرين، باستثناء الصين، وافقوا على مضمون هذا البيان». ويُعد عدم اعتراض روسيا على البند الرابع بمثابة قبول للرواية الأمريكية أحادية الجانب بشأن أحداث الأشهر الستة الماضية. ويأتي ذلك في وقت تُعد فيه روسيا، مقارنة بالصين، أقرب إلى إيران من الناحيتين السياسية والعسكرية. فضلاً عن ذلك، فإن روسيا لا تحتاج إلى مضيق هرمز بالقدر نفسه، بل إنها قد تستفيد حتى من اضطراب حركة الملاحة فيه.

وربما يمكن تفسير السبب الرئيسي لموافقة روسيا على النص الذي أعدته الولايات المتحدة بقرار موسكو تجنب إغضاب إدارة ترامب. ومن المحتمل أن يكون تشجيع إدارة ترامب لروسيا على المشاركة حضورياً في قمة مجموعة العشرين لهذا العام، خلافاً لنهج إدارة بايدن، والحفاظ على العلاقات بين بوتين وترامب، والتي قد تكون مفيدة في التعامل مع أزمة أوكرانيا، من بين أسباب موافقة روسيا على البيان. ومن جهة أخرى، فمن المرجح أن تكون روسيا قد حسبت أن إيران، في جميع الأحوال، لا تملك خيارات كثيرة، وأنها ستتحمل تقلبات مواقف موسكو وسلوكها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى