الصحافة الإيرانية: هل تراهن طهران على التصعيد لكسر الحصار الأميركي؟

يبدو أن إيران، في ضوء أزمة سندات الخزانة واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، اختارت هذا التوقيت لإلحاق أكبر قدر ممكن من الألم بالولايات المتحدة.

ميدل ايست نيوز: أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت فرض عقوبات غير مسبوقة على إيران، مؤكداً أن دولاً مجاورة، من بينها الإمارات، ستتعاون مع واشنطن في تنفيذ هذه العقوبات الجديدة، ما دفع إيران بدورها إلى التخلي عن سياستها السابقة واعتماد نهج أكثر هجومية. وبناءً على ذلك، كان من المتوقع مسبقاً أن نشهد تصعيداً في التوتر، وهو مسار بدأ قبل يومين أو ثلاثة واستمر اليوم بهجوم أميركي على سفن إيرانية، ورد إيراني باستهداف سفن حربية أميركية.

يقول عبدالرحمن قهرمان بور، الخبير في الشؤون الدولية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن أهمية هذا التطور تكمن في أن إيران تبدو قد استخدمت خلال هذا الهجوم أسلحة جديدة مضادة للسفن، متجاوزة بذلك أحد الخطوط الحمراء الأميركية، إذ إن استمرار مثل هذه الهجمات قد يلحق أضراراً جسيمة بالبحرية والأسطول الأميركي، بل قد يؤدي إلى سقوط قتلى، وهو أمر يحظى بحساسية كبيرة لدى الرأي العام الأميركي.

وفي المقابل، بدأت الولايات المتحدة، إلى جانب هجماتها السابقة على البنى التحتية للاتصالات والاستخبارات والجيش الإيراني على امتداد الشريط الساحلي للخليج، منذ الأسبوع الماضي باستهداف ناقلات النفط الإيرانية. ويظهر هذا المسار أن واشنطن تسعى أيضاً إلى زيادة الضغط على طهران، من خلال مواصلة الهجمات السابقة واستهداف البنى التحتية ومهاجمة السفن النفطية، بهدف منع إيران من تصدير النفط. وقد دفعت هذه الظروف إيران إلى نقطة بدا معها أنه لم يعد أمامها خيار سوى اعتماد نهج هجومي لكسر هذا الحصار. وتقوم السياسة الإيرانية حالياً على أساس تكثيف الألم الذي يلحق بالاقتصاد العالمي والاقتصاد الأميركي.

وبالإضافة إلى زيادة الضغط من خلال استهداف السفن الحربية الأميركية وإغلاق مضيق هرمز، يبدو أن توسيع النطاق الجغرافي للحرب مدرج أيضاً على جدول أعمال إيران. فإلى جانب المواجهات المعتادة في مضيق هرمز، حذرت إيران السفن الموجودة في محيط الكويت، فيما نشهد في الوقت نفسه مواجهات بين الحوثيين والسعودية. وبالتالي، فإن توسيع النطاق الجغرافي للحرب، إلى جانب تكثيف الهجمات وزيادة دقتها واستهداف السفن الحربية الأميركية، يمثل جزءاً من النهج الذي تتبناه إيران، التي تأمل من خلال ذلك في كسر الحصار.

ومن اللافت أن الطرفين، في السابق أيضاً، كانا كلما تجاوز مستوى التوتر حداً معيناً يستعدان لانتزاع تنازلات على طاولة المفاوضات. وفي إطار سلوك ترامب القائم على ما يُعرف بـ«دبلوماسية الإكراه»، كان يعود إلى طاولة المفاوضات كلما رفع مستوى التصعيد. وقد وُقّع اتفاق إسلام آباد في أعقاب هجوم إسرائيلي على إيران يوم الأحد، أعقبه يوم الأربعاء اندلاع مواجهات شديدة بين إيران والولايات المتحدة، وكانت هذه التطورات من العوامل التي قادت إلى توقيع اتفاق إسلام آباد. وإذا اعتبرنا هذا النمط قائماً، فمن المتوقع أن نشهد بعد التصعيد الحالي نوعاً من الانفراج الدبلوماسي، سواء عبر العودة إلى اتفاق إسلام آباد، أو التوصل إلى اتفاق مكمل له، أو بدء جولة جديدة من المفاوضات. غير أن التوقيت الدقيق لهذا الانفراج يعتمد على تقييمات وحسابات إيران والولايات المتحدة، ولا سيما إدارة ترامب.

أما الخيار الثاني، في حال عدم عودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، فهو استمرار تصعيد التوتر أو مواصلة المواجهات، عمودياً وأفقياً على حد سواء. ويعني ذلك زيادة حدة المواجهات وامتدادها إلى البنى التحتية، بالتوازي مع توسيع نطاقها الجغرافي من الخليج إلى باب المندب أو المناطق المحيطة بإسرائيل. ولا يزال هذا الاحتمال قائماً أيضاً. ويبدو أن الحسابات الإيرانية تقوم على أن ترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المبكرة للكونغرس في بعض الولايات، لا يبدي رغبة كبيرة في الدخول في مواجهة طويلة الأمد وشاملة، ويسعى إلى إبقاء المواجهات قصيرة ومحدودة. وربما بناءً على هذه الحسابات، تحاول الجمهورية الإسلامية تصعيد الأزمة بهدف تقديم تنازلات أقل لترامب. وفي جميع الأحوال، إذا صحت الفرضية الأولى، فمن المتوقع أن نشهد بعد الاشتباكات التي وقعت خلال الأيام الأخيرة، خلال الأسبوع المقبل، نوعاً من العودة إلى طاولة المفاوضات أو بدء مفاوضات أو تحركاً دبلوماسياً للوساطة، بما يتيح لترامب الحفاظ على الوضع الداخلي في الولايات المتحدة والحصول في الوقت نفسه على مزيد من التنازلات من إيران.

وثمة سبب آخر يشير إلى أن طهران وضعت تصعيد التوتر على جدول أعمالها في هذه المرحلة، يتمثل في وضع سندات الخزانة الأميركية، التي ارتفعت عوائدها خلال الأسبوع الماضي. ولم يقتصر هذا الارتفاع على السندات الأميركية، بل شمل أيضاً عوائد سندات دول مثل اليابان وبعض الدول الأوروبية. ونظراً إلى الأهمية التي تتمتع بها سندات الخزانة في الاقتصاد الأميركي، ربما كانت الحسابات الإيرانية تقوم على أن تصعيد التوتر في الظروف الراهنة قد يؤدي إلى تعميق هذه الأزمة، إلى حد دفع سكوت بيسنت إلى الإعلان عن أن الولايات المتحدة ستتدخل في سوق السندات. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا التدخل سيحقق النتيجة المرجوة أم لا، لكن في جميع الأحوال، يبدو أن إيران، في ضوء أزمة سندات الخزانة واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، اختارت هذا التوقيت لإلحاق أكبر قدر ممكن من الألم بالولايات المتحدة.

ويبقى السؤال الآن ما إذا كانت حسابات واشنطن تتوافق مع حسابات طهران، وما إذا كانت الولايات المتحدة سترفع الراية البيضاء قريباً، أم أن واشنطن، في إطار السياسة التي أعلنها بيسنت، ستسعى هي الأخرى إلى تصعيد التوتر، ما قد يعني استمرار هذه المواجهات لعدة أيام أخرى.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى