الصحافة الإيرانية: الحرب واللاحرب بين إيران وأميركا.. أي سيناريو ينتظر المنطقة حتى نهاية ولاية ترامب؟

يبدو أن حالة الحرب واللاحرب ستستمر، على الأقل، خلال العامين والنصف المقبلين، أي حتى نهاية ولاية ترامب.

ميدل ايست نيوز: تتواصل حالة الحرب واللاحرب بين إيران والولايات المتحدة، بعد نحو ستة أشهر، بأشكال مختلفة. فهذا التعارض «هلامي» من حيث الشكل، ويتخذ كل يوم هيئة جديدة، لكن جوهره ثابت.

إنه تعارض مستمر منذ خمسة عقود بين قوة إقليمية ترى النظام الدولي نظاماً غير عادل وظالماً واستغلالياً واستكبارياً، وتعتقد أن القائم على هذا النظام يجسّد الشيطان المطلق ومصدر جميع الشرور، فيما تريد في الوقت نفسه تغيير هذا النظام من دون امتلاك القوة الكافية لذلك؛ وبين قوة عظمى تعتقد أنها مارست ضبط النفس تجاه هذه القوة الإقليمية طوال خمسة عقود، لكنها باتت الآن تستخدم كامل قوتها لاحتواء هذا الفاعل المناهض للنظام والمعارض للوضع القائم.

يقول الكاتب والصحفي الإيراني علي طباطبائي، في مقال لصحيفة شرق: وعليه، أياً كان الشكل الذي سيتخذه هذا التعارض، فإن نهايته لن تكون سهلة، لأنه ذو طبيعة متجذّرة. ويبدو أن هذه الحرب واللاحرب ستستمران، على الأقل، خلال العامين والنصف المقبلين، أي حتى نهاية ولاية ترامب. لكن السؤال الأساسي هو: ما السيناريوهات التي يمكن تصورها لهذه المرحلة؟ وما مكوّنات هذه السيناريوهات ومتغيراتها والقوى الدافعة لها؟

بوجه عام، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لهذه الفترة الممتدة لعامين ونصف.

السيناريو الأول: التفاهم ـ الاتفاق

يُعد هذا السيناريو الأقل احتمالاً بين السيناريوهات الثلاثة.

يتكون سيناريو التفاهم ـ الاتفاق من مرحلتين: تفاهم يمكن أن يكون قصير الأمد ومحدداً بملف أو قضية، وقد يؤدي، إذا رضي الطرفان، إلى اتفاق أكثر شمولاً وطويل الأمد.

ويواجه هذا السيناريو مشكلات مهمة، بالنظر إلى كثرة المتغيرات المتداخلة والمرتبطة به، وتنوع الملفات الخلافية، والدور الذي قد يؤديه التدخل الإسرائيلي واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة في إحداث الفوضى، وجدار انعدام الثقة المرتفع بين الطرفين، ووجود فاعلين راديكاليين في السياسة الداخلية لدى الجانبين، فضلاً عن التجربة المريرة التي عاشتها إيران إثر تعرضها لهجومين أثناء التفاوض.

ومع ذلك، يبدو أنه قد تتوافر بعض الفرص لهذا السيناريو في حال تعرض الطرفين للاستنزاف نتيجة عدم قدرتهما على تحمل التكاليف المادية والمعنوية، وانتهاء قدرتهما على الصمود، وإدراكهما للمخاطر المرتفعة المحتملة، وتخليهما عن أوهام تحقيق نصر حاسم، إلى جانب تراجع موقف المتشددين في الولايات المتحدة وإيران.

وحتى إذا تحقق شكل من أشكال سيناريو التفاهم ـ الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، فإن هذا الاتفاق سيبقى، تحت ضغط النظرة التكتيكية والمرحلية وانعدام الثقة من الجانب الإيراني، والمطالب الأمريكية المبالغ فيها، والضغوط الإسرائيلية، عرضة للانهيار، على غرار اتفاق إسلام آباد.

السيناريو الثاني: الصراع المنضبط

يتمثل السيناريو الثاني في «الصراع المنضبط»، وهو نموذج غريب للعلاقة العدائية بين إيران والولايات المتحدة، يقوم على أمل ضعيف في التوصل إلى تفاهم أو اتفاق، مقابل خوف قوي من اندلاع حرب شاملة.

وتتمثل السمة الأساسية لهذا السيناريو في استمرار المواجهات المرحلية والقصيرة والمنضبطة، مع مراعاة القدرات الإدراكية والنفسية للطرف المقابل، بحيث لا تؤدي هذه الهجمات إلى الانزلاق نحو حرب شاملة.

وفي خضم هذه الهجمات والمواجهات المنضبطة، تستمر المفاوضات والوساطات والاتصالات العلنية والسرية وتبادل الرسائل.

ويتأرجح هذا السيناريو بين نموذج «الحرب والسلام معاً»، ونموذج «لا حرب ولا سلام». وتنظر إيران والولايات المتحدة إلى هذا السيناريو من منظور تكتيكي ومرحلي، وتتعاملان معه باعتباره أداة للسيطرة وضبط الإيقاع وتحقيق التوازن مع الطرف المقابل.

ويُعد الحصار البري والبحري والجوي، وفرض القيود خارج نطاق الحدود المباشرة، من سمات هذا السيناريو.

وخلال الأشهر الستة الماضية، ظهر شكل من أشكال سيناريو الصراع المنضبط بين إيران والولايات المتحدة. فكون البلدين هاجما بعضهما ليلاً، وسعيا إلى التفاوض نهاراً، وتعامل كل منهما بقدر من التسامح مع الضربات التي استهدفت ممتلكاته، وأظهرا مستوى عالياً من التحكم الداخلي خلال هذه الفترة، يُعد من عجائب عالم السياسة في العصر الحديث، وموضوعاً جديراً بالدراسة في حقل العلاقات الدولية خلال السنوات المقبلة.

كما أنه يمثل إحدى علامات النضج القتالي لدى الطرفين، ونتاجاً للتسامح التكتيكي بهدف تجنب التحدي الاستراتيجي.

السيناريو الثالث: الحرب الشاملة عالية الحدة

هذا السيناريو، للأسف، هو الأكثر احتمالاً.

ويبدو أنه قبل اندلاع حرب شاملة عالية الحدة، قد تقع حرب أو حربان بين إيران والولايات المتحدة، بحجم حرب استمرت 12 يوماً أو حرب استمرت 39 يوماً.

وستكون الحرب الشاملة عالية الحدة فرصة لتصفية الحسابات الدموية الناجمة عن خمسة عقود من العداء المتجذر، المعلن والخفي، بين إيران والولايات المتحدة. وسيضع الطرفان جميع إمكاناتهما وأدواتهما ومواردهما التكتيكية والاستراتيجية في ساحة المواجهة، وسيستخدمانها بالكامل.

وفي هذا السيناريو، وبما أن بقاء الجمهورية الإسلامية من جهة، ومصداقية الهيمنة الأمريكية واستمرارها من جهة أخرى، سيكونان على المحك، فلن تكون هناك حدود جغرافية أو عسكرية أو قانونية أو أخلاقية واضحة للحرب. وسيستخدم الطرفان كل ما لديهما، بنسبة مئة في المئة، لإلحاق الهزيمة والهلاك بالطرف المقابل.

وعليه، ستشهد الحرب، في السيناريو الثالث، مواجهة بلا حدود وعلى جميع المستويات والأشكال، بما يشمل الحرب الجوية والصاروخية والبحرية والبرية والفضائية، والاغتيالات واحتلال الأراضي. كما سيكون احتمال استخدام قنبلة نووية تكتيكية أو قنبلة قذرة أو سلاح نووي قائماً.

وفي هذا السيناريو، سيستفيد الطرفان من تحالفاتهما إلى أقصى حد. ويبدو أن القوات الوكيلة لإيران قد تتعرض للاستنزاف والانحسار قبل اندلاع الحرب الشاملة عالية الحدة. لكن إذا حافظت هذه القوات على قدرتها العملياتية، فإن وكلاء إيران، ومن بينهم حزب الله وحماس والحشد الشعبي والحوثيون والخلايا النائمة التابعة لإيران في المنطقة والعالم، سيتحركون بأقصى مستوى ممكن.

وفي الجانب الأمريكي، ستدخل إسرائيل المواجهة بقوة وشدة، كما ستنخرط دول جنوب الخليج في الحرب بدافع من «رضا إجباري»، وسيتشكل تحالف عربي ـ عبري.

ومن المرجح جداً أن يقدم حلف شمال الأطلسي تعاوناً غير مباشر وعلى مستوى عالٍ مع الولايات المتحدة. وفي حال واجهت واشنطن صعوبات، فإن التدخل المباشر لبريطانيا وفرنسا، وربما ألمانيا، ثم حلف الناتو، لن يكون مستبعداً، ولا سيما إذا تعرض أحد أعضاء الحلف لهجوم.

كذلك، لا ينبغي تجاهل احتمال الحضور المباشر وغير المباشر لحلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا، أي اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا.

ومن تركيا، في إطار حلف شمال الأطلسي، وباكستان، في إطار «اتفاق مكة»، يمكن توقع إجراءات غير مباشرة ضد إيران.

ومن الناحية الجغرافية، إذا اندلعت حرب شاملة عالية الحدة، فستبدأ المواجهة في منطقة الخليج العربي وبحر عمان والدول المحيطة بهما. ومع التصعيد التدريجي للحرب، قد تمتد المواجهة لاحقاً إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط والبحر الأسود والمحيط الهندي وشرق أوروبا، وربما منطقة القوقاز.

وفي السيناريو الثالث، ستكون البنى التحتية للطاقة والصناعة في الدول المنخرطة في الحرب عرضة للهجوم والدمار. كما ستتحول أصول دول المنطقة، التي تراكمت نتيجة عائدات النفط خلال المئة عام الماضية، إلى رماد، لتضطر هذه الدول، من أجل إعادة إعمارها، إلى دفع تريليونات الدولارات من ثرواتها المتراكمة والمستقبلية إلى شركات النفط الأمريكية والغربية.

وفي الختام، يبقى السؤال: أي سيناريو سيتحقق فعلياً؟ والإجابة هي أن السيناريو الذي سيتحقق هو ذلك الذي تنتظرون، بعد قراءة هذا المقال، وقوعه بقلق وخوف.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى