الصحافة الإيرانية: الأزمة النووية الإيرانية تتصاعد.. وطهران أمام ضرورة فتح قنوات جديدة للحوار
إن استمرار تقييد وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية الإيرانية يحمل كلفة أيضاً. فكلما اتسعت فجوة المعلومات، ازدادت المساحة المتاحة للتكهنات والتفسيرات الأمنية.

ميدل ايست نيوز: دخل الملف النووي الإيراني مرحلة لم يعد من الممكن فيها التعامل معه على أنه مجرد خلاف فني بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويشير إقرار قرار ضد إيران في مجلس محافظي الوكالة، في وقت تتعرض فيه البلاد لضغوط جراء الهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، بالتزامن مع ضغوط اقتصادية وسياسية، إلى أن الخلاف بين إيران والوكالة بات يحمل أبعاداً أمنية أكثر خطورة.
يقول علي بيكدلي، الخبير في الشؤون الأميركية، في مقال لصحيفة سازندكي، إن الخطر الرئيسي لا يكمن في احتمال إحالة الملف إلى مجلس الأمن فحسب، بل يتمثل الخطر الأكبر في التلاشي التدريجي لإمكانية الرقابة والحوار الفني. وكان من المتوقع أن يحمل القرار الذي قدمته الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا رسالة سياسية أكثر من كونه ذا طابع فني بحت.
ومع ذلك، فإن إحالة الملف إلى مجلس الأمن لا تعني بعد إغلاق جميع السبل. فقد تتمكن معارضة الصين وروسيا أو مقاومتهما من الحيلولة دون تشكيل إجماع ضد طهران. لكن يتعين على إيران أيضاً استخدام قدراتها الدبلوماسية لمنع تعميق هذه الفجوة.
وفي هذا السياق، تكتسب طريقة تعامل طهران مع الوكالة أهمية كبيرة. وقد يكون إلغاء سفر رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إلى فيينا، في وقت لم تكن هناك دعوة أساسية لحضوره، قابلاً للتبرير من الناحية السياسية، لكنه ربما لم يكن ليخلق صورة مناسبة في الأجواء الدولية. وفي ظل حاجة إيران، أكثر من أي وقت مضى، إلى تخفيف الضغوط السياسية، ينبغي التعامل بحذر مع جميع القضايا.
كما أن قضية مفتشي الوكالة أكثر تعقيداً من مجرد خلاف بسيط. ويمكن تفهم المخاوف الأمنية الإيرانية بعد الهجمات العسكرية. إذ كان من الممكن أن يوفر وجود المفتشين معلومات مهمة للأطراف الخارجية بشأن المواقع التي طالتها الهجمات، وحجم الأضرار، ووضع المنشآت النووية.
ومع ذلك، فإن استمرار تقييد وصول الوكالة يحمل كلفة أيضاً. فكلما اتسعت فجوة المعلومات، ازدادت المساحة المتاحة للتكهنات والتفسيرات الأمنية.
وتشكل منطقة كوه كلنك نموذجاً واضحاً لهذه الحالة. فإذا خلصت المعلومات التي تستند إليها الأقمار الصناعية الأمريكية إلى استمرار النشاط النووي في هذه المنطقة، فقد تدخل الأزمة مرحلة جديدة. وفي ظل التكهنات السابقة بشأن الأنشطة النووية في هذه المنطقة، وتصريحات ترامب عن احتمال شن هجمات على أهداف داخل إيران، فإن تحول شك استخباراتي إلى «يقين» بالنسبة إلى واشنطن قد تكون له تداعيات خطيرة.
لكن الأزمة لا تقتصر على الملف النووي. فقد بدأ مضيق هرمز والضغوط الاقتصادية أيضاً يتحولان إلى جزء آخر من هذه المعادلة. والسؤال المهم هو: إلى متى تستطيع إيران تحمل تكاليف استمرار الوضع الراهن؟
فعندما تقترن العقوبات والقيود التجارية بالبطالة والضغوط المعيشية، فإنها لا تعود مجرد قضية تتعلق بالسياسة الخارجية.
كما يبدو أن مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد لم تعد تحظى بالمكانة التي كانت تتمتع بها سابقاً. فقد تحدثت طهران عن العودة إليها، لكن ترامب أعلن أن وقتها قد فات. ولذلك، ربما ينبغي، بدلاً من محاولة إحياء اتفاق قديم كما هو، البحث عن إطار جديد لخفض التوتر.
وتحتاج إيران اليوم إلى الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى. وحتى إذا كانت القنوات السابقة قد توقفت عن العمل، ينبغي إنشاء مسارات جديدة للحوار. فالمسألة الأساسية ليست التراجع أو الاستسلام، وإنما منع تحول أزمة قابلة للإدارة إلى أزمة خارجة عن السيطرة.
وإذا استمرت الضغوط العسكرية والأزمة النووية والمشكلات الاقتصادية في الوقت نفسه، فإن تكاليفها على البلاد ستزداد. ولا ينبغي أن تكون الدبلوماسية الخيار الأخير بعد فشل جميع المسارات الأخرى.
لقد حان الوقت لفتح قنوات جديدة، قبل أن يؤدي سوء تقدير آخر إلى إضاعة فرصة التفاوض.



