من عقود الطاقة إلى النفوذ الإقليمي: كيف تعيد بغداد وباريس رسم خريطة الشراكة؟

تدفع زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى باريس بالعلاقات العراقية الفرنسية نحو مساحة اقتصادية أوسع، مع إطلاق مشاريع جديدة لـ”توتال إنيرجيز” في النفط والكهرباء.

ميدل ايست نيوز: تدفع زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى باريس بالعلاقات العراقية الفرنسية نحو مساحة اقتصادية أوسع، مع إطلاق مشاريع جديدة لـ”توتال إنيرجيز” في النفط والكهرباء، وفتح ملفات الصناعة والبنية التحتية والتجارة والتكنولوجيا، وسط رهان على تحويل الاتفاقيات والاستثمارات الفرنسية من أرقام معلنة إلى مشاريع تنوع الاقتصاد وتنقل المعرفة إلى العراق.

من التعاون إلى الشراكة

ويقول الخبير الاقتصادي الدولي نوار السعدي، إن “أهمية زيارة رئيس الوزراء إلى فرنسا من الناحية الاقتصادية لا تكمن فقط في قيمة الاتفاقيات المعلنة، وإنما في مدى قدرتها على نقل العلاقة العراقية الفرنسية من إطار التعاون التقليدي إلى شراكة اقتصادية واستثمارية أكثر عمقا”.

ويوضح، أن “هناك فرقاً مهماً بين الاتفاقيات التي تمثل التزاماً تنفيذياً مباشراً ومذكرات التفاهم التي تفتح الطريق أمام مشاريع مستقبلية”، مشيرا إلى أن “التقييم الحقيقي للزيارة ينبغي أن يرتبط بما سيتحول خلال الأشهر والسنوات المقبلة إلى مشاريع ممولة ومنفذة داخل العراق، وليس بعدد الاتفاقيات الموقعة فقط”.

ودخلت العلاقات العراقية الفرنسية مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، مع توقيع الحكومة العراقية وشركة “توتال إنيرجيز” الفرنسية، أمس الاثنين، إعلان نوايا لإطلاق مجموعة من مشاريع الطاقة في العراق، تشمل قطاعي الكهرباء والنفط، ضمن استثمارات واسعة تهدف إلى زيادة الإنتاج النفطي وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة وسيادة الدولة في هذا القطاع، فضلا عن دعم مسار التحول في قطاع الطاقة.

وجاء إعلان النوايا خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي إلى باريس، في إطار مساع لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين العراق وفرنسا، إذ أكد الجانبان أهمية تعزيز مشاريع الاستدامة والربط الإقليمي وتنويع مسارات التصدير وسلاسل الإمداد، بما يدعم أمن الطاقة الإقليمي واستقرار شبكات نقل الطاقة، إلى جانب ضرورة تعزيز ارتباط العراق بأوروبا وفرنسا.

وفي المسار الاقتصادي الأوسع للزيارة، جدد العراق وفرنسا التزامهما بتطوير العلاقات الثنائية بما يخدم مصالح الشعبين، استناداً إلى اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023، والتي صادقت عليها فرنسا، فيما من المقرر أن يصادق عليها العراق قريبا.

من 12 إلى 16 مليار دولار

وفي ما يتعلق بشركة “توتال إنيرجيز”، يعتبر السعدي، أن “رفع حجم استثماراتها المخطط لها في العراق من 12 إلى 16 مليار دولار يمثل تطوراً مهماً، خصوصاً إذا ارتبط بصورة مباشرة بتطوير قطاع الغاز ومعالجة الغاز المصاحب”، مبيناً أن “العراق لا يعاني من نقص الموارد الغازية بقدر ما يعاني من ضعف استثمارها”.

ويضيف، أن “تحويل الغاز الذي يحرق أو يهدر إلى مورد اقتصادي يمكن أن يحقق فائدتين في الوقت نفسه، تتمثلان في تقليل فاتورة استيراد الغاز والوقود المستخدم في توليد الكهرباء، وتحويل مورد كان يمثل خسارة اقتصادية إلى مصدر للإنتاج والطاقة والإيرادات”.

ويبين الخبير الاقتصادي، أن “أهمية الخطوة لا تقتصر على مبلغ الأربعة مليارات دولار الإضافية، وإنما تمتد إلى الأثر المضاعف للاستثمار إذا أسهم في تطوير البنية التحتية للغاز ومحطات المعالجة وسلاسل النقل والخدمات والصناعات المرتبطة بالطاقة، فإنه يمكن أن يولد نشاطاً واسعاً للشركات العراقية ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن زيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد العراقي”.

الخبرة الفرنسية غير النفطية

لكن السعدي ينبه إلى أن “التحدي الأكبر أمام العراق يتمثل في عدم إبقاء الشراكة مع فرنسا محصورة في النفط والغاز، لأن حاجة البلاد للاستفادة من الخبرة الفرنسية في الصناعة والطاقة المتجددة والنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم والتدريب المهني”.

ويؤكد، أن “الاستثمار الأجنبي يصبح أكثر قيمة عندما لا يضيف رأس المال فقط، وإنما ينقل معه التكنولوجيا والإدارة والمعرفة ويسهم في رفع إنتاجية الاقتصاد المحلي”، داعياً إلى “وضع شرط واضح في المشاريع الكبرى لزيادة نسبة المكون المحلي وتدريب الكوادر العراقية وإشراك الشركات المحلية وإنشاء برامج لنقل التكنولوجيا والمعرفة”.

ويتابع، أن “تحقيق ذلك يعني انتقال العراق من مجرد استقبال الاستثمار الأجنبي إلى استخدامه أداة لإعادة بناء الاقتصاد”، لافتاً إلى أن “الظروف الإقليمية الحالية تمنح التعاون العراقي الفرنسي في مجال الطاقة أهمية أكبر”.

تموضع العراق في خريطة الطاقة

ويردف الخبير السعدي، أن “تشديد الجانبين على تنويع طرق تصدير النفط والغاز وتعزيز الترابط الإقليمي، في ظل اضطرابات المنطقة، يمنح العراق فرصة لإعادة التفكير في موقعه ضمن خريطة الطاقة الإقليمية، ليس بوصفه منتجاً للنفط فقط، وإنما دولة يمكن أن تكون جزءاً من منظومة إقليمية للنقل والطاقة والتجارة”.

ويخلص إلى أن “نجاح زيارة فرنسا لن يقاس بحجم الأرقام المعلنة فقط، بل بقدرة الحكومة العراقية على تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع فعلية وربطها بسياسة اقتصادية أوسع تستهدف تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط وتوطين المعرفة والتكنولوجيا داخل العراق”.

وبالتوازي مع التعاون الاقتصادي، اتفق الجانبان على تعزيز التعاون العسكري ومواصلته، بما يشمل تطوير القدرات العراقية في حماية الحدود ودعم سيادة العراق على كامل أراضيه بعد انتهاء مهام التحالف الدولي، على أن يجري ذلك مستقبلاً ضمن إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين.

وامتدت التفاهمات إلى ملف الملاحة، إذ جدد العراق وفرنسا التزامهما بالأمن البحري وحرية الملاحة بوصفهما من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وبما يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى تعزيز حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وفي موازاة اللقاءات الرسمية، شهدت باريس منتدى اقتصادياً بحضور 50 ممثلاً عن الشركات الفرنسية وعدد من قادة الأعمال، لبحث توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، ولا سيما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة والدفاع والخدمات والرعاية الصحية.

وبذلك، تتجاوز زيارة باريس حدود إعلان مشاريع جديدة في النفط والكهرباء، لتضع أمام بغداد مساراً أوسع يبدأ بالطاقة ويمتد إلى التجارة والصناعة والبنية التحتية والتعاون العسكري، فيما يبقى انتقال هذه التفاهمات من الإعلانات والاتفاقيات إلى مشاريع منفذة على الأرض المعيار الأهم لقياس الأثر الاقتصادي الفعلي للشراكة العراقية الفرنسية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى