لماذا لم تتخذ مجموعة البريكس موقفاً مناهضاً لأميركا في البيان الختامي؟

لا تمثل بريكس معجزة اقتصادية فورية لحل المشكلات الهيكلية الداخلية، كما أنها ليست تحالفاً أيديولوجياً ملتزماً، بل أداة لتنويع الخيارات التجارية والمالية.

ميدل ايست نيوز: أثبتت نتائج القمة الثامنة عشرة لبريكس بوضوح أن العالم الحديث يشهد انتقالاً من «الأحادية المركزية» نحو «تعدد مراكز صنع القرار». ولا تمثل بريكس معجزة اقتصادية فورية لحل المشكلات الهيكلية الداخلية، كما أنها ليست تحالفاً أيديولوجياً ملتزماً، بل أداة لتنويع الخيارات التجارية والمالية.

وتناولت صحيفة اطلاعات الإيرانية في مقال لها تحليل بيان قمة بريكس الأخيرة. وجاء في المقال:

في وقت يتأثر فيه الاقتصاد العالمي بالسياسات الجمركية الأحادية الجانب التي تنتهجها إدارة دونالد ترامب والضغوط الناجمة عن العقوبات، رسم البيان الختامي لقمة نيودلهي صورة براغماتية تماماً وخالية من المثالية الأيديولوجية لبريكس.

وأظهرت القمة بوضوح أن بريكس، بدلاً من أن تكون «كتلة صريحة معادية للولايات المتحدة» أو جبهة للمواجهة العسكرية والأمنية، تمثل منصة عملية للتنويع الاقتصادي، وخفض المخاطر الهيكلية، وزيادة القدرة التفاوضية لدول «الجنوب العالمي» في مواجهة النظام القائم.

1. من «شعار التخلص من الدولار» إلى «واقع التنويع المالي»

تكمن أهم رسالة اقتصادية لقمة نيودلهي في السيناريوهات التي لم تتحقق. وخلافاً لبعض الروايات الاختزالية، لم تعتمد بريكس أي خطة لإنشاء «عملة مشتركة». ويعود عدم التحرك نحو ابتكار وحدة نقدية موحدة إلى إدراك أعضاء المجموعة الارتباط الهيكلي العميق للاقتصاد الدولي بالسيولة وأسواق رأس المال وشبكات الدفع القائمة على الدولار.

وفي المقابل، ركز إعلان نيودلهي لعام 2026 على منطق أكثر واقعية، يتمثل في «التنويع المالي وإنشاء مسارات متعددة للتسوية». ويعكس التركيز على تطوير المدفوعات العابرة للحدود، وربط قنوات المراسلة المالية، والتوسع في استخدام العملات المحلية، وتعزيز قدرة «بنك التنمية الجديد» (NDB) على توفير التمويل بالعملات الوطنية، جميعها نموذجاً تدريجياً لخفض تكاليف المعاملات وحماية التجارة من مخاطر استخدام الدولار كأداة ضغط.

2. مفارقة ترامب.. محفز للتنويع وعائق أمام تشكيل جبهة موحدة

على الرغم من أن السياسات التجارية الحمائية وزيادة الرسوم الجمركية من جانب واشنطن بشكل أحادي عززت دوافع أعضاء بريكس لإنشاء بدائل تجارية، فإنه لا ينبغي النظر إلى بريكس باعتبارها تحالفاً موحداً ضد الغرب. ويظهر تحليل سلوك الأعضاء خلال القمة الأخيرة أن تضارب المصالح والاختلاف في الأولويات الجيوسياسية يحولان دون تحول بريكس إلى جبهة أيديولوجية موحدة.

ويشكل إحجام المجموعة عن تبني مواقف أحادية الجانب حادة إزاء الأزمات الإقليمية وأزمات الشرق الأوسط دليلاً على طبيعة هذه الكتلة القائمة على التوافق والحذر. وينظر أعضاء بريكس إلى هذه المنصة باعتبارها أداة لـ«توزيع المخاطر وإدارتها»، وليس طرفاً ملتزماً بالدخول في صراعات أمنية تخص الآخرين.

3. النموذج الهندي.. تجسيد لـ«الاستقلالية الاستراتيجية»

بالنسبة إلى صانعي السياسات في مجال الاقتصاد السياسي في إيران، لا تكمن أبرز دروس قمة نيودلهي في مواقف بكين أو موسكو، بل في السلوك الدبلوماسي للهند. فقد استضافت نيودلهي قمة بريكس وشددت على مواجهة الأحادية في التجارة، في الوقت الذي تدير فيه أعمق روابطها التجارية والتكنولوجية والأمنية مع الغرب والولايات المتحدة.

ويقوم هذا النهج، الذي يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية باسم «الاستقلالية الاستراتيجية»، على مبدأ أساسي يتمثل في عدم الاعتماد بشكل جامد على أحد أقطاب القوة، مع عدم خلق عداوة هيكلية مع القطب الآخر في الوقت نفسه. وتستخدم الهند بريكس أداةً لتوسيع خياراتها، وليس لاستبدال جزء كامل من العالم بجزء آخر.

4. موقع إيران.. ضرورة الانتقال من الموقع الجيوسياسي إلى القوة الاقتصادية

يفتح حضور إيران في بريكس واللقاءات الثنائية على هامش قمة نيودلهي، ولا سيما المحادثات التي جرت بين مسعود بزشكيان وناريندرا مودي بشأن أمن الملاحة وتطوير التجارة وتفعيل الممرات، فرصاً مهمة أمام طهران.

وتتمثل المحاور الرئيسية لهذه الفرص في: التسوية بالعملات المحلية، وجذب الاستثمارات، ودبلوماسية الطاقة، وتطوير قطاع الترانزيت، والاستفادة من خطوط الائتمان الصغيرة.

ويُعد موقع إيران في «ممر النقل الدولي الشمال-الجنوب» ميزة جيو-اقتصادية بارزة بشكل خاص، إذ يمكن أن يربط روسيا وآسيا الوسطى بالخليج والأسواق الهندية. لكن ينبغي الانتباه إلى أن «الميزة الجغرافية لا تولد الثروة بحد ذاتها».

متطلبات تحويل «فرصة بريكس» إلى «ثروة وطنية»

أ) خفض تكاليف المعاملات: إصلاح هيكل النظام المصرفي والانضمام إلى المعايير النقدية الدولية.

ب) تطوير البنية التحتية المادية: الاستثمار العاجل في شبكات السكك الحديدية والموانئ والخدمات اللوجستية لممر الشمال والجنوب.

ج) الاستقرار التنظيمي والمؤسسي: إيجاد بيئة قابلة للتنبؤ لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

د) دبلوماسية قائمة على المصالح: التعامل مع بريكس كأداة لتقليل تركز المخاطر، وليس اعتبارها بديلاً عن التجارة العالمية بأكملها.

الخلاصة

أثبتت نتائج القمة الثامنة عشرة لبريكس بوضوح أن العالم الحديث يشهد انتقالاً من «الأحادية المركزية» نحو «تعدد مراكز صنع القرار». ولا تمثل بريكس معجزة اقتصادية فورية لحل المشكلات الهيكلية الداخلية، كما أنها ليست تحالفاً أيديولوجياً ملتزماً، بل أداة لتنويع الخيارات التجارية والمالية.

ولا ينبغي أن يقوم جوهر الدبلوماسية الاقتصادية الإيرانية في العصر الجديد على الاختيار الجامد بين الشرق والغرب، بل على الاستفادة الذكية من تنافس القوى الكبرى لتعظيم المصالح الوطنية، وخفض تكاليف المعاملات، وإعادة تعريف الجغرافيا السياسية وتحويلها إلى قوة اقتصادية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى