الصحافة الإيرانية: العراق ساحة جديدة للتنافس الأميركي الصيني بعد إغلاق مضيق هرمز

إن تراجع الدور الروسي في قطاع الطاقة العراقي وتطورات الحرب أدّيا إلى تصعيد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ الاقتصادي في هذا البلد.

ميدل ايست نيوز: أدّت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب صادرات النفط العراقية بشدة، ووصلت في مرحلة ما إلى ما يقارب الصفر. وكانت العراق تصدّر نحو 3.5 ملايين برميل من النفط يومياً قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكن إغلاق مضيق هرمز أجبرها على اللجوء إلى طرق برية وخطوط أنابيب بديلة لنقل النفط. ووفقاً لتقرير «أكو عراق»، فقد خسرت العراق نحو 350 مليون برميل من صادراتها النفطية، بقيمة 37.7 مليار دولار، منذ إغلاق مضيق هرمز وحتى نهاية يونيو/حزيران 2026. وكانت البلاد تصدّر قبل إغلاق المضيق ما بين 103 و107 ملايين برميل شهرياً، لكن إغلاقه أدى إلى انخفاض الصادرات بما يتراوح بين 79 و93 مليون برميل شهرياً.

تقول صحيفة شرق الإيرانية، إن هذا الوضع أثار مخاوف بشأن تداعياته الاقتصادية والأمنية في العراق، إذ يعتمد الجزء الأكبر من إيرادات الحكومة المخصصة لتوفير الخدمات العامة على صادرات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز. وفي هذا السياق، كانت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس قد حذرت من أن اضطراب صادرات النفط قد يقلص قدرة الحكومة العراقية على توفير الخدمات العامة، ويزيد خطر التوتر والصراع الداخلي. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت مساراً مختلفاً، إذ تحول العراق إلى وجهة لمجموعة من الاستثمارات الكبرى في قطاعي الطاقة والنقل، تشترك في هدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وإنشاء مسارات بديلة لصادرات الطاقة.

وتُعد فرنسا أحد الأطراف الرئيسية في هذا المسار. فقد أعلن وزير النفط العراقي عن أربعة مشاريع استراتيجية بمشاركة شركات فرنسية، تشمل تطوير حقل أرطاوي النفطي بطاقة 210 آلاف برميل يومياً، واستثمار الغاز في خمسة حقول بطاقة 600 مليون قدم مكعب يومياً، وحقن مياه البحر للحفاظ على ضغط المكامن، وإنشاء قدرة لإنتاج ألف ميغاواط من الطاقة الشمسية. كما أعلن إيمانويل ماكرون عن تعاون فرنسا مع العراق والأردن لإنشاء خط أنابيب لنقل النفط والغاز العراقي إلى أوروبا بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز في مجال الطاقة.

وفي الإطار نفسه، تدرس شركة توتال إنرجي المشاركة في ائتلاف لإنشاء خط أنابيب البصرة-بانياس. ومن المقرر أن ينقل خط الأنابيب النفط من الحقول الجنوبية العراقية إلى ميناء بانياس السوري على ساحل البحر المتوسط، ومنه إلى الأسواق الأوروبية. ويقدّر خبراء في قطاع النفط تكلفة المشروع بنحو 15 مليار دولار، فيما يُتوقع أن يستغرق تنفيذه أربع سنوات على الأقل.

وبالتزامن مع ذلك، تزيد الولايات المتحدة أيضاً حضورها الاقتصادي في قطاع الطاقة العراقي. فبعد زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة، وُقعت حزمة اقتصادية بقيمة تقارب 60 مليار دولار، تضم 48 اتفاقاً في مجالات الطاقة والتعاون بين وزارتي النفط والكهرباء العراقيتين وشركات من بينها إكسون موبيل وشل وهاليبرتون وجنرال إلكتريك فيرنوفا. ويتعلق جزء من هذه الاتفاقات بإنشاء مسارات بديلة لنقل النفط العراقي إلى الأسواق العالمية. كما وُضع إحياء خط أنابيب كركوك-بانياس التاريخي على جدول الأعمال، وهو خط كان ينقل نحو 300 ألف برميل من النفط يومياً قبل حرب العراق.

وتسعى تركيا أيضاً إلى ترسيخ موقعها في مسارات الطاقة والنقل الجديدة للعراق. ويجري العمل على مشروع «طريق التنمية» بهدف ربط العراق بأوروبا عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق والموانئ والمراكز الحضرية. كما اقترح وزير الطاقة التركي ربط المناطق النفطية الغنية في جنوب العراق بشمال البلاد، ونقل النفط عبر تركيا إلى أوروبا. وتبلغ قدرة خط أنابيب العراق-تركيا أكثر من 1.5 مليون برميل من النفط يومياً، ويمكنه نقل جزء من الصادرات العراقية إلى الأسواق العالمية من دون المرور بالخليج العربي ومضيق هرمز.

كما اقترحت تركيا نقل الغاز القطري عبر خط أنابيب باتجاه تركيا وأوروبا، وهو مسار يمكن أن يمر عبر السعودية والأردن وسوريا. وإلى جانب استثماراتها في قطاع الطاقة، تتابع أنقرة أيضاً إبرام عقد لبيع العراق 20 منظومة للدفاع الجوي، بهدف تعزيز أمن حقول النفط والغاز في البلاد.

وفي غضون ذلك، لا تزال الصين واحدة من أبرز الفاعلين الاقتصاديين في العراق. ووفقاً للتقرير، بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة في العراق 34 مليار دولار في عام 2023، وكانت الصين آنذاك أكبر مستثمر أجنبي في العراق، ولا سيما في قطاع الطاقة. وأتاح اتفاق «النفط مقابل إعادة الإعمار والاستثمار»، الذي بدأ العمل به في عام 2019، للشركات الصينية حضوراً واسعاً في حقول النفط والغاز ومشاريع البنية التحتية العراقية.

ومع ذلك، إن تراجع الدور الروسي في قطاع الطاقة العراقي وتطورات الحرب أدّيا إلى تصعيد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ الاقتصادي في هذا البلد. وجعل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للعراق، وامتلاكه احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، ووقوعه بين مسارات الطاقة التي تربط آسيا بأوروبا، أحد محاور التنافس بين القوى الكبرى.

وتسعى الولايات المتحدة، في الولاية الرئاسية الجديدة لدونالد ترامب، إلى توسيع تعاونها في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن والبنية التحتية مع بغداد، وفي الوقت نفسه تقليص نفوذ الصين وروسيا في العراق. وفي هذا الإطار، لم يعد تجاوز مضيق هرمز مجرد ضرورة قصيرة الأمد لصادرات النفط العراقية، بل تحول إلى عامل لإعادة رسم مسارات الطاقة والنقل في المنطقة، وزيادة التنافس بين القوى الأجنبية على العراق.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى