الصحافة الإيرانية: هل تنجح حكومة الشرع في توحيد سوريا بعد سقوط الأسد؟
أهم التفاعلات في العلاقات الخارجية السورية لم تعد تتمثل في موالي الأسد أو الجماعات المرتبطة بإيران، إذ أصبحت المنافسة بين تركيا وإسرائيل على تشكيل مستقبل هذا البلد الجبهة الأهم في الوقت الراهن.

ميدل ايست نيوز: مرّ الآن ما يقرب من عامين على سقوط نظام بشار الأسد، وخرجت سوريا من أتون الحرب الأهلية، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار، وما تبقى اليوم هو مجموعة من المنافسات المتوازية والمتزامنة في بلد أنهكته الحرب ودمّرته.
يقول موقع آوش الإيراني في تقرير ترجمه ميدل ايست نيوز، إن منافسة واضحة تجري بين دمشق ومختلف الجماعات الدينية والعرقية، إذ تسعى الحكومة إلى استقطابها، في وقت تدور فيه من جهة أخرى منافسة حادة بين قوى خارجية تتصارع على النفوذ في هذا البلد.
الحكومة المؤقتة تريد تحقيق الاستقرار، لكن سوريا لا تزال مجزأة
كان أحمد الشرع القائد السابق لهيئة تحرير الشام، وقد قاد عملية إسقاط الأسد في ديسمبر 2024. وسعى خلال عام 2026 إلى تحويل الانتصار العسكري إلى بسط سيطرة الحكومة على مختلف المناطق السورية.
ويظهر أوضح مثال على هذا المسار في شمال شرق البلاد، حيث أسفرت، بعد أشهر من الاشتباكات المتفرقة مع قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، عملية عسكرية شاملة شنتها الحكومة المؤقتة التي تتخذ من دمشق مقراً لها في يناير من هذا العام عن السيطرة على نحو 80% من الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة هذه القوات.
ونتيجة لذلك، أعلنت المؤسسات الكردية رسمياً في 20 أغسطس أنها ستندمج في الحكومة السورية. والتقى الشرع بعد ذلك في دمشق مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، لبحث دمج أكثر من 60 ألف مقاتل كردي في الجيش السوري. وإذا نُفذت هذه الخطة، فستكون أكبر خطوة نحو توحيد القوات الأمنية في البلاد منذ سقوط الأسد.
ومع ذلك، فإن الاندماج على الورق لم يبدد حالة انعدام الثقة على الأرض. حيث كان المقاتلون الأكراد قد كسروا في عام 2015 حصار تنظيم داعش على كوباني (عين العرب)، التي تحمل أهمية رمزية بالنسبة إليهم، وشهدت المدينة في أوائل سبتمبر احتجاجات واسعة.
واختُطف سامي شيخ موس هيسو، وهو مقاتل كردي سابق، ثم أعيدت جثته إلى كوباني مصاباً برصاصة في الرأس. وأدى مقتله إلى اندلاع احتجاجات كبيرة تطورت إلى تمرد داخل سجن المدينة، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 7 سجناء في حريق نجم عن الأحداث، بعدما كانوا يخشون نقلهم المحتمل إلى حلب. وأظهر هذا الحادث أن الملف الكردي أُغلق على طاولة المفاوضات، لكنه لا يزال مفتوحاً في شوارع المناطق ذات الغالبية الكردية.
وفي جبهة أخرى، تواجه سلطة الحكومة تحدياً اقتصادياً، إذ أثارت زيادة أسعار البنزين في سبتمبر احتجاجات وعمليات قطع للطرق في عدة مدن سورية. وتشكل هذه الاحتجاجات مؤشراً على أزمة معيشية، ويمكن أن تؤدي على المدى الطويل إلى زعزعة استقرار الحكومة المؤقتة بقدر ما يمكن لأي جماعة مسلحة.
تركيا وإسرائيل، خط التصدع الجديد في سوريا
لكن أهم التفاعلات في العلاقات الخارجية السورية لم تعد تتمثل في موالي الأسد أو الجماعات المرتبطة بإيران، إذ أصبحت المنافسة بين تركيا وإسرائيل على تشكيل مستقبل هذا البلد الجبهة الأهم في الوقت الراهن.
وظهرت أنقرة بوصفها الداعم العسكري والدبلوماسي الرئيسي للشرع، وعززت تركيا هذا الدور هذا الشهر بتوقيع نحو 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين 22 وزارة سورية ونظيراتها التركية.
وتشعر إسرائيل بالقلق من تقارب سوريا مع تركيا على حدودها الشمالية، وترد أحياناً على هذا القلق بتحرك عسكري. ففي 18 أغسطس، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب، وقالت إن هدف العملية هو منع انتشار القوات التركية في القاعدة، إلا أن الهجوم أثار أيضاً رد فعل من واشنطن.
وقال توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، إن إسرائيل لم توجه تحذيراً قبل الهجوم، ورجح أن يكون الهدف من العملية توفير ذريعة لاستفزاز تركيا، وليس إزالة تهديد حقيقي. ويقول محللون من الجانبين إن أياً من الحكومتين لا تريد حرباً مباشرة، لكن خطر اندلاع مواجهة غير مقصودة على الأراضي السورية حقيقي ومتزايد.
ومنذ ذلك الحين، شنت إسرائيل أيضاً هجمات أصغر، من بينها هجوم بطائرة مسيّرة في جنوب غرب البلاد أواخر أغسطس من هذا العام. ولا تزال إسرائيل تحتل المنطقة العازلة الخاضعة لإشراف الأمم المتحدة بالقرب من مرتفعات الجولان، ومع ذلك لا تزال القناة الدبلوماسية غير المباشرة بين إسرائيل ودمشق مفتوحة.
وتوجد تقارير تفيد بأن رئيس الموساد، رومان غوفمان، التقى في أوائل سبتمبر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. كما أُنشئت آلية بوساطة أميركية في باريس لخفض التوتر وتبادل المعلومات.
ويعمل الشرع عملياً على تحقيق التوازن. فمن جهة، يتحالف رسمياً مع تركيا، ومن جهة أخرى يجري مفاوضات سرية مع إسرائيل. واستضاف هذا الشهر أيضاً بعثة بحرية روسية، وهي الأولى من نوعها منذ التوصل إلى اتفاق بين روسيا وسوريا الشهر الماضي بشأن مستقبل الوجود العسكري الروسي.
كشف تاريخي بشأن الملف النووي
وشهدت سوريا هذا الشهر تطوراً مهماً آخر، إذ وصف رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 7 سبتمبر، النتائج الجديدة التي توصلت إليها الوكالة بشأن الأنشطة النووية خلال عهد الأسد بأنها إنجاز تاريخي.
وأكد مفتشو الوكالة في تقريرهم أن مفاعل الكُبر غير المعلن في دير الزور، إلى جانب منشأة لتصنيع الوقود النووي ونحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي غير المخصب، أصبح الآن خاضعاً لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكانت إسرائيل قد قصفت المفاعل نفسه في عام 2007.
وقال المفتشون إن هذه المواد لا تشكل في المدى القصير تهديداً لانتشار الأسلحة النووية. وتكمن أهمية هذا التقرير ونتائجه في الجانب السياسي أكثر من العسكري، إذ يُظهر أن الحكومة السورية الجديدة فتحت ملفات ظل نظام الأسد لنحو عقدين يتجنب الكشف عنها.
ويبدو الآن أن سوريا جديدة تتشكل وسط كل هذه الجبهات. ففي بعض المجالات، مثل دمج الأكراد وعودة النازحين والشفافية مع المؤسسات الدولية، تظهر تطورات فعلية؛ إذ تقول الأمم المتحدة إن الأسابيع الأخيرة سجلت أعلى معدلات عودة للنازحين داخلياً واللاجئين السوريين خلال عدة عقود.
وبالتوازي مع هذه التطورات، يتكرر تذكير المراقبين والمحللين بأن السلام الهش الحالي قائم على أرضية غير مستقرة. ويتضح ذلك في جريمة قتل كادت تشعل من جديد شرارة تمرد كردي، وفي الاحتجاجات المرتبطة بالبنزين والناجمة عن الإحباط الاقتصادي، وكذلك في تنافس الجارتين الأقوى على سماء سوريا وأراضيها.
ولم يعد التحدي الرئيسي أمام الشرع يتمثل في هزيمة المنافسين المسلحين المتبقين، بل في إثبات قدرة دمشق على الحفاظ في الوقت نفسه على تفاهماتها المتباينة مع أنقرة وموسكو وواشنطن والأكراد، وبشكل سري مع إسرائيل، من دون أن يشعر أي من هذه الأطراف بأن هذا الترتيب لم يعد يصب في مصلحته.



