الصحافة الإيرانية: العقدة النووية ولغز الخطوة الأولى

إذا انهار التفاهم الأولي بسبب الخلاف حول المخزونات أو عمليات التفتيش أو تنفيذ الالتزامات، فستظل عودة الخيار العسكري محتملة.

ميدل ايست نيوز: أبرز الاقتراح الروسي لتسلّم مخزونات اليورانيوم وتصريحات غروسي بشأن مفتشي الوكالة عقدتين رئيسيتين في طريق أي تفاهم نووي محتمل بين طهران وواشنطن؛ وهما عقدتان تظهران أن الاتفاق حتى على تسلسل الإجراءات لن يعني نهاية التعقيدات السياسية والفنية.

وأعادت التصريحات الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع نادي فالداي بشأن استعداد روسيا لتسلّم مخزونات إيران من اليورانيوم المخصب، بالتزامن مع حديث رافائيل غروسي عن استعداد الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاستئناف عمليات التفتيش مع مراعاة اعتبارات طهران، تسليط الضوء مجددًا على عنصرين أساسيين في أي تفاهم محتمل بين إيران والولايات المتحدة. كما أفادت بلومبرغ بوجود خطة إيرانية لاستئناف وصول مفتشي الوكالة إلى المنشآت المتضررة مقابل تخفيف العقوبات، وهو ما نفاه مصدر مطلع في حديث لوكالة إرنا. وتظهر هذه التطورات أنه حتى إذا تضمن المقترح الأمريكي في طهران عناصر قابلة للبحث، فإن الانتقال من مرحلة التفاهم السياسي إلى مرحلة تنفيذ الالتزامات سيواجه تعقيدات جدية، من بينها مسألة التوقيت.

تقول صحيفة دنياي اقتصاد، إنه لا تتمثل المسألة الرئيسية في المفاوضات المحتملة بمجرد الاتفاق على المبادئ العامة، بل في تحديد ترتيب الإجراءات، وحجم التنازلات المتبادلة، وضمان تنفيذ الالتزامات. وتسعى واشنطن، ولا سيما دونالد ترامب، إلى تحقيق إنجاز ملموس في الملف النووي؛ إنجاز يمكن تقديمه على أنه تقييد للقدرات النووية الإيرانية وتقليص لمخاوف الانتشار النووي. في المقابل، لا تستطيع طهران الإقدام على خطوات نووية مكلفة من دون الحصول على ضمانات اقتصادية وسياسية. لذلك، فإن تحديد الطرف الذي ينبغي أن يبادر أولًا، ونوع الضمانات المتاحة لتنفيذ الطرف الآخر التزاماته، يتحول إلى أحد أبرز العوائق أمام التوصل إلى تفاهم.

وفي هذا السياق، يكتسب مصير مخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة 60% أهمية خاصة. فاقتراح بوتين نقل هذه المواد إلى روسيا، رغم أنه قد يوفر حلًا فنيًا لتقليص المخاوف الأمريكية، لا يمثل بالنسبة إلى طهران مجرد قرار تنفيذي. إذ يتطلب الأمر الاتفاق على ملكية المواد، وضمان إعادتها أو تحديد مصيرها النهائي، فضلًا عن الاعتبارات الأمنية المرتبطة بعملية نقلها. وفي المقابل، ظل خيار تخفيف تركيز المواد داخل إيران مطروحًا باستمرار؛ وهو حل من شأنه خفض مستوى التخصيب، مع تجنب نقل كامل المخزونات إلى الخارج. ومن ثم، فإن الاقتراح الروسي يمثل خيارًا تفاوضيًا، وليس حلًا نهائيًا للخلافات.

أما المسألة الثانية فتتعلق بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتحتاج الولايات المتحدة، لقبول أي اتفاق نووي، إلى آلية موثوقة للتحقق، لا سيما أن وضع جزء من مخزونات إيران ومنشآتها النووية يحتاج إلى إعادة تقييم بعد الهجمات العسكرية. في المقابل، لدى طهران ملاحظات بشأن نطاق وصول المفتشين، وأمن المعلومات، وظروف التفتيش في المنشآت المتضررة. ومن هذا المنظور، حتى إذا تم قبول مبدأ عودة الوكالة، فإن تحديد بروتوكول التفتيش، والمواقع، والجدول الزمني، وحدود الوصول، يمكن أن يتحول بحد ذاته إلى موضوع خلافي.

والأهم من ذلك أن هذه التعقيدات لن تُحل بمجرد التوصل إلى اتفاق سياسي أولي. فنقل المخزونات، وتخفيف تركيز المواد، وعودة المفتشين، كلها تتطلب إجراءات فنية وعمليات تحقق مستقلة. وبالتالي، فإن التفاهم على وقف التصعيد لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي. ومن جهة أخرى، تكتسب الأجندة السياسية الأمريكية وانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 أهمية في حسابات ترامب أيضًا. ويمكن للتوصل إلى تفاهم محدود أن يوفر للبيت الأبيض فرصة لإدارة المشهد الداخلي، وخفض مستوى التوتر مؤقتًا، وإظهار إنجاز دبلوماسي. وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل احتمال استخدام المفاوضات لكسب الوقت وإدارة الأزمة، وإن كان لا يمكن، من دون أدلة قاطعة، اعتبار أن هدف ترامب النهائي كان منذ البداية التخطيط لشن هجوم عسكري.

ومع ذلك، إذا انهار التفاهم الأولي بسبب الخلاف حول المخزونات أو عمليات التفتيش أو تنفيذ الالتزامات، فستظل عودة الخيار العسكري محتملة. وقد تكون منشأة فوردو الجبلية معرضة للتهديد في مثل هذا السيناريو. وبوجه عام، حتى مع افتراض عودة طهران وواشنطن إلى التفاهم، فإن الدخول في الملف النووي سيواجه عقبات فنية وسياسية كبيرة. لذلك، يجب التمييز بين اتفاق لإدارة الأزمة مؤقتًا واتفاق مستدام بشأن البرنامج النووي. وربما يكون التفاهم الأول، أكثر من كونه نهاية للخلافات، فرصة لكسب الوقت وإعادة رسم المعادلات؛ وهي فرصة لن تحول، في حال فشل المفاوضات، دون عودة التوتر والخيار العسكري بالضرورة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى