الصحافة الإيرانية: 3 روايات خلف استقالة وزير النفط الإيراني
إن تغيير وزير النفط الإيراني في ظل الحرب والعقوبات والضغوط على سوق الصرف وصعوبة بيع النفط وزيادة الحساسية الرقابية، لفت الأنظار إلى أداء الوزارة والتحديات الإدارية التي تواجهها.

ميدل ايست نيوز: لم يتم تفسير استقالة محسن باك نجاد من وزارة النفط الإيرانية رسميًا سوى بعبارة «أسباب شخصية». ولم يعلن مكتب الرئيس الإيراني أي سبب آخر لهذا القرار، وبالتالي فإن أي ربط للاستقالة بعوامل أخرى، من دون أدلة، يبقى في إطار التكهنات. ومع ذلك، فإن تغيير وزير النفط في ظل الحرب والعقوبات والضغوط على سوق الصرف وصعوبة بيع النفط وزيادة الحساسية الرقابية، لفت الأنظار إلى أداء الوزارة والتحديات الإدارية التي تواجهها.
وطرحت صحيفة «دنياي اقتصاد»، في حوار مع ثلاثة خبراء في قطاع النفط والطاقة، ثلاث روايات مختلفة بشأن هذا التغيير، لا تتعارض بالضرورة في ما بينها.
تتعلق الرواية الأولى بـ«حوكمة الطاقة ورأس المال البشري». يؤكد مسعود دشتي درخشان، الخبير في شؤون النفط والطاقة، أنه لا ينبغي، من دون مستندات، ربط استقالة باك نجاد بسبب محدد، وأنه يجب قبول السبب الرسمي، أي «أسباب شخصية». ويرى أن نهاية هذه المرحلة الإدارية تمثل فرصة لتقييم جودة إدارة وزارة النفط. ولا ينبغي أن يستند هذا التقييم إلى حجم الإنتاج أو الصادرات فقط، بل يجب أيضًا أخذ جودة صنع القرار، وكيفية اختيار المديرين، والاستفادة من الطاقات والخبرات المتخصصة في القطاع، والآثار بعيدة المدى للقرارات، في الاعتبار.
وعليه، ينبغي التمييز بين القيود الخارجة عن صلاحيات الوزير والقرارات التي تقع مباشرة ضمن صلاحيات وزارة النفط. فالعقوبات والحرب والقيود المصرفية ومخاطر النقل تمثل جزءًا من الظروف التي يعمل فيها وزير النفط، لكن العقود المهمة، ومشروع تعزيز ضغط الغاز في حقل بارس الجنوبي، واختيار المديرين، وكيفية الاستفادة من الموارد البشرية، كلها تندرج ضمن المجالات الإدارية للوزارة.
ويعتبر دشتي درخشان أن أحد الجوانب القابلة للانتقاد خلال المرحلة الأخيرة يتمثل في وضع رأس المال البشري، محذرًا من وصول أفراد من خارج الهيكل التخصصي لقطاع النفط إلى مستويات إدارية، في الحالات التي لا تتناسب فيها خبراتهم وتخصصاتهم مع مسؤولياتهم. وبرأيه، تحتاج وزارة النفط إلى ترسيخ مبدأ الجدارة، واستعادة ثقة الكوادر المتخصصة، والاستفادة من الخبراء الذين يمتلكون خبرة في صناعة النفط.
أما الرواية الثانية، فتركز على سؤال «أين أموال النفط؟». ويرى فرشيد فرحناكيان، الخبير في الشؤون الدولية وقانون النفط والغاز، ضرورة التمييز بين «بيع النفط» و«تحقق الإيرادات النفطية». فبيع النفط ليس نهاية سلسلة الإيرادات، إذ تأتي بعده مراحل النقل والتسوية والتحويل بالعملة الأجنبية وتحصيل الأموال، وهي مراحل يمكن أن تصبح معقدة وتستغرق وقتًا طويلًا في ظل العقوبات.
ويشير إلى تقرير ديوان المحاسبات بشأن بقاء نحو 8 مليارات دولار من العوائد بالعملة الأجنبية في حسابات مرتبطة بـ18 مصرفًا عاملًا، إضافة إلى التأخر في معالجة جزء كبير من معاملات النقد الأجنبي.
ويؤكد فرحناكيان أن هذه البيانات وحدها لا تثبت سبب استقالة باك نجاد، كما أن كامل سلسلة إعادة الإيرادات النفطية لا تقع ضمن صلاحيات وزارة النفط وحدها؛ فالبنك المركزي والمصارف العاملة وشبكة تحويل الأموال والمشترون والوسطاء يؤدون أدوارًا في هذه العملية. ومع ذلك، لا يمكن لوزارة النفط أن تتجاهل المرحلة التي تلي بيع النفط.
ومن هنا يبرز موضوع «الوسطاء» والحساسيات الرقابية بشأن كيفية بيع النفط الخاضع للعقوبات، والمطالبات المتأخرة، وإعادة الأموال. ويشدد فرحناكيان على أن وجود تحقيق أو تساؤلات بشأن «الوسطاء» لا يعني إثبات وقوع مخالفة أو وجود صلة بينها وبين الاستقالة.
ومن وجهة نظر فرحناكيان، ينبغي أن ينتقل معيار تقييم أداء وزارة النفط من مجرد «حجم الصادرات» إلى «تحقق الإيرادات فعليًا»، أي أن يكون واضحًا السعر الذي بيع به النفط وحجم الخصم الممنوح، والمسار الذي انتقلت عبره الأموال، والتكاليف والعمولات المدفوعة، والمدة التي بقيت فيها الأموال في الحسابات الوسيطة، ومتى أصبحت متاحة فعليًا للاقتصاد الإيراني.
أما الرواية الثالثة، فتتعلق بـ«موازين القوى في صناعة النفط». ويقر رضا حسيني، خبير الطاقة، بالسبب الرسمي للاستقالة، لكنه يرى أنه لا يمكن بالضرورة فصل القرار بصورة كاملة عن الظروف الإدارية في قطاع النفط. ومن وجهة نظره، فإن الخلافات حول حدود الصلاحيات والترتيبات الإدارية في قطاعي النفط والبتروكيماويات، ولا سيما إدارة «شركة الخليج الفارسي القابضة»، إلى جانب تصاعد الضغوط الرقابية بشأن بيع النفط الخاضع للعقوبات، وشبكة «الوسطاء»، وإعادة الإيرادات النفطية، ربما تكون قد جعلت البيئة الإدارية للوزارة أكثر تعقيدًا.
ويؤكد حسيني أيضًا أن هذه العوامل تمثل فرضيات تحليلية، ولا تشكل سببًا مثبتًا للاستقالة.
وبشكل عام، يمكن وضع الروايات الثلاث المطروحة إلى جانب بعضها بعضًا: «تحديات الحوكمة ورأس المال البشري، ومشكلة تحصيل الإيرادات النفطية والوصول إليها، والترتيبات الإدارية والضغوط الرقابية». ومع ذلك، يؤكد التقرير أنه لا يمكن الاستنتاج من هذه العوامل أن السبب الحقيقي للاستقالة قد أصبح معروفًا. والحقيقة المؤكدة هي أن باك نجاد قدم استقالته، وأن السبب الرسمي المعلن هو «أسباب شخصية»، وأن الرئيس الإيراني قبلها. أما ما لا يزال غير واضح، فهو الدور المحتمل للعوامل الأخرى ووزن كل منها.
وفي هذه الظروف، لا تتمثل القضية الرئيسية بعد الاستقالة في تعيين الوزير المقبل فحسب، بل في تحديد الأولويات الإدارية لوزارة النفط: هل سيتم تعزيز مبدأ الجدارة ودور الكوادر المتخصصة؟ وهل ستتم إعادة النظر في آلية بيع النفط وشبكة الوسطاء؟ وهل سيُقيَّم الأداء على أساس الإيرادات الفعلية التي يمكن الوصول إليها؟ وهل ستتراجع الخلافات الإدارية في قطاعي النفط والبتروكيماويات؟
ويكتسب تعيين حميد بورد قائمًا بأعمال وزير النفط أهمية من هذا المنظور أيضًا. فقد جاء بورد من الهيكل التشغيلي لصناعة النفط، ولديه سجل من الإدارة في شركة النفط الوطنية الإيرانية ومختلف القطاعات التشغيلية. وقد يعني هذا التعيين الحفاظ على الاستمرارية التشغيلية في المدى القصير، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بورد سيتولى إدارة مرحلة انتقالية فحسب، أم أن تعيينه سيكون مقدمة لتغييرات أوسع في هيكل إدارة صناعة النفط.
وفي نهاية المطاف، سيعتمد تقييم هذا التغيير على أداء الأشهر المقبلة. فاستمرار المشاريع والعقود، وزيادة الشفافية في بيع النفط وتحصيل عوائده، وتعزيز الكوادر المتخصصة، والحد من الخلافات الإدارية، يمكن أن يحول هذا التغيير إلى فرصة لإعادة ضبط حوكمة قطاع النفط؛ وإلا فقد تبقى استقالة باك نجاد مجرد تغيير إداري.
اقرأ ايضا
هل كانت قضية «وسطاء النفط» وراء نهاية باك نجاد؟ أسرار استقالة وزير النفط الإيراني



