كيف تنقذ إيران نفسها بأقل الأضرار بين خياري الحرب والاستسلام؟

إيران تقف اليوم أمام مفترق طرق مصيري مع الولايات المتحدة: إما «الاتفاق ـ الاستسلام» أو «المقاومة ـ الحرب».

ميدل ايست نيوز: إيران تقف اليوم أمام مفترق طرق مصيري مع الولايات المتحدة: إما «الاتفاق ـ الاستسلام» أو «المقاومة ـ الحرب».

كتب أمير علي أبو الفتح في صحيفة «اطلاعات»: تعود جذور هذا الملف إلى نحو نصف قرن مضى، حين قام الإيرانيون بثورة ضد النظام السياسي القائم المدعوم أمريكياً، ورفضوا مواصلة التبعية للولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين بدأت واشنطن ممارسة ضغوطها على إيران. ففي البداية سعت إلى عزلها سياسياً، ثم لجأت إلى فرض العقوبات الاقتصادية، ودعمت بعد ذلك هجوم النظام البعثي العراقي على إيران. وخلال المعارك البحرية في الخليج، أسقطت طائرة ركاب إيرانية وهاجمت عدداً من المنصات النفطية الإيرانية. ثم فرضت العقوبات الثانوية لعزل إيران اقتصادياً عن النظام المالي العالمي. وجاء بعد ذلك ملف الاتفاق النووي (الاتفاق النووي) وانسحاب أمريكا منه وتنفيذ سياسة الضغط الأقصى، ثم اغتيال الجنرال قاسم سليماني في بغداد.

واستمرت هذه الضغوط حتى واجهت إيران خلال العام الماضي حربين شديدتين استمرتا 12 يوماً و40 يوماً، إضافة إلى حرب منخفضة الشدة في مضيق هرمز. واليوم، وعلى أعتاب تصعيد التخطيط الأمريكي بهدف اللجوء المحتمل إلى حرب ثالثة شديدة ضد إيران، تقف البلاد أكثر من أي وقت مضى خلال نصف القرن الماضي أمام مفترق طرق: إما «الاتفاق ـ الاستسلام» أو «المقاومة ـ الحرب».

بمعنى آخر، لم يترك النهج العدواني للغاية للإدارة الأمريكية الحالية خياراً آخر أمام إيران سوى سلوك أحد الطريقين: «الاتفاق ـ الاستسلام» أو «المقاومة ـ الحرب».

ومن وجهة نظر الرئيس الأمريكي الحالي، الذي عبّر بصراحة عن موقفه تجاه إيران، فإن أي اتفاق تبرمه إيران مع الولايات المتحدة لا يقل عن الاستسلام. وقد صرّح ترامب نفسه بأن على الإيرانيين الاستسلام بلا قيد أو شرط، وأن ما حدث في فنزويلا من تنحية مادورو واستيلاء أمريكا على ثرواتها النفطية الهائلة يجب أن يتكرر في إيران أيضاً.

وقد حاول الأمريكيون في 28 فبراير 2026 تطبيق نموذج فنزويلا في إيران عبر اغتيال قائد الثورة الإسلامية ومجموعة من كبار المسؤولين والقادة العسكريين، لكن خلافاً لما جرى في فنزويلا، نشأت مقاومة بطولية في إيران ضد محاولة أمريكا السيطرة على الوطن، واندلعت حرب شديدة استمرت 40 يوماً بين الطرفين. غير أن هذا الفشل لم يدفع إدارة ترامب، للأسف، إلى التخلي عن خيار الحرب ضد إيران.

تشير معظم التقديرات العسكرية والاستخباراتية حالياً إلى أن الولايات المتحدة تستعد لهجوم آخر على إيران، يُتوقع أن يكون أشد من الحربين السابقتين كماً وكيفاً. وقد هدد ترامب في اليوم الأخير من حرب الـ40 يوماً بتدمير حضارة إيران.

هذا التهديد بالتدمير الكامل لإيران لم يُنفذ، وحتى لو حدث يوماً ما، فلن يؤدي إلى القضاء على حضارة صمدت أمام غزو المقدونيين والعرب والمغول والتيموريين والمستعمرين الأوروبيين. ومع ذلك، ليس من المستبعد أن تتعرض البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد لأضرار بالغة في الجولة المقبلة من الحرب المفروضة أمريكياً-إسرائيلياً على إيران، وأن تلحق بها خسائر فادحة. ويجري حالياً الترويج لحرب نهاية العالم التي يشنها التحالف الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران بهدف دفع الإيرانيين إلى اختيار الخيار الآخر، أي الاتفاق/الاستسلام.

غير أن هذا الخيار قد يكون مكلفاً لإيران بقدر خيار المقاومة/الحرب، بل وربما أخطر منه. فكما أن تداعيات الحرب لا نهاية متوقعة لها وقد تتجاوز كل التوقعات، فإن مسار الاتفاق/الاستسلام أيضاً لا نهاية واضحة له. بمعنى آخر، من غير المعروف أين ستكون نقطة النهاية إذا اختارت إيران طريق الاتفاق/الاستسلام: هل هي تفكيك البرنامج النووي والصاروخي الإيراني؟ أم انهيار النظام القائم في إيران؟ أم اندلاع حرب أهلية؟ أم تقسيم البلاد وتدميرها إقليمياً؟ خاصة أن تحليل العلاقات الإيرانية-الأمريكية دون الأخذ في الاعتبار دور الطرف الثالث، أي إسرائيل، أمر غير ممكن.

فكما تشارك إسرائيل جنباً إلى جنب مع أمريكا في الحرب ضد إيران ويمكنها تأجيج نيران الحرب الأمريكية ضدها، فإنها قادرة أيضاً عبر أمريكا على فرض ظروف أسوأ على إيران في موضوع الاستسلام.

لذلك يصبح اتخاذ القرار أصعب بكثير على إيران. ومع ذلك، فقد أصرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية طوال نحو 50 عاماً على رفض الاتفاق/الاستسلام أمام أمريكا، ودفعت ثمن هذه المقاومة باهظاً، بما في ذلك الأحداث المأساوية والمؤلمة لحربين شديدتين وحرب منخفضة الشدة مع أمريكا وإسرائيل. غير أن أمل أمريكا وإسرائيل في إجبار إيران على السير في طريق الاتفاق/الاستسلام لم ينتهِ بعد، لا سيما أن الأمريكيين شرعوا منذ أشهر في فرض حصار بحري على إيران ومحاولة تصفير مبيعات نفطها، على أمل أن تؤدي الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الاجتماعية الناجمة عنها إلى إجبار الجمهورية الإسلامية على الاستسلام.

وإذا لم تسفر هذه الاستراتيجية خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة عن النتيجة المرجوة لترامب وإدارته، فقد تتحرك الآلة الحربية الأمريكية-الإسرائيلية مجدداً ضد إيران وتخلف كوارث أكبر.

والملاحظ أن كلا الطريقين أمام إيران مر وسمّي، واختيار أي منهما ستكون له تداعيات طويلة الأمد على البلاد والأجيال القادمة.

ومع ذلك، لا مفر من اختيار أحد الخيارين: إما مواصلة المقاومة التي تفرض على البلاد حرباً مدمرة، أو قبول شروط المعتدي التي قد ترسم مستقبل البلاد السياسي.

أما أي المسارين سيُختار، فهو قرار المسؤولين الكبار في البلاد، الذين عليهم تقييم الوضع بدقة في الجبهة الذاتية وجبهة العدو، واختيار ما يخدم المصالح الكبرى لأمة ذات حضارة عريقة كإيران، بما يضمن عبور الوطن بأمان أو بأقل الخسائر من أحد أصعب المنعطفات في تاريخه خلال القرون الماضية. وتُظهر التجربة أن إيران قادرة، بالمقاومة والدبلوماسية الذكية، على إفشال مؤامرات العدو.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى