تصدير الأزمة التركية إلى العراق.. هل تدفع بغداد ثمن «السلام المشبوه» بين أنقرة والعمال الكردستاني؟

أعلن حزب العمال الكردستاني انسحابه الكامل من الأراضي التركية نحو إقليم كردستان العراق

ميدل ايست نيوز: في خطوة مفصلية تعيد تشكيل المشهد الأمني الإقليمي، وبعد أكثر من أربعة عقود من الصراع المسلح مع أنقرة، أعلن حزب العمال الكردستاني انسحابه الكامل من الأراضي التركية نحو إقليم كردستان العراق. وبينما يراها مراقبون سياسيون مناورة لتمرير الكرة إلى ملعب أنقرة واختبار جدية السلام، يحذر خبراء أمنيون من خطورة تصدير الأزمة لداخل العراق، داعياً بغداد وأربيل إلى تحرك عاجل ونزع سلاح الحزب وتفعيل مفاوضات ثلاثية حاسمة لحماية السيادة الوطنية من التصفية الإقليمية.

تصدير الأزمة التركية

ويقول الخبير الأمني سيف رعد طالب، إن “انسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من الأراضي التركية باتجاه إقليم كردستان العراق يمثل سابقة خطيرة، لأنها تعني تصدير الأزمة التركية إلى الداخل العراقي، الأمر الذي يستدعي تحركاً واسعاً من بغداد وأربيل، وتبني رؤية أمنية موحدة وقرارات حاسمة لفرض السيادة ونزع سلاح الحزب، ومنع تحول الأراضي العراقية، ولا سيما إقليم كردستان، إلى بؤرة دائمة للصراعات والعمليات العسكرية التركية وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية”.

ويضيف، أن ”تجمع أعداد كبيرة من مقاتلي الحزب داخل الإقليم سيؤدي إلى زيادة قدراته العسكرية، ما يرفع احتمالات الاحتكاك المباشر أو غير المباشر مع قوات البيشمركة، فضلاً عن احتمال سيطرة الحزب على مناطق وقرى معينة، الأمر الذي قد يتسبب بنزوح داخلي لسكانها الأكراد نتيجة العمليات العسكرية والتوترات الأمنية”.

ويلفت طالب إلى ”انسحابات سابقة لمقاتلي الحزب وقياداته عبر إقليم كردستان، إلى جانب خروج عناصر مرتبطة به من الساحة السورية، ثم انسحاب مقاتليه من الأراضي التركية، تثير مخاوف من تركز هذه القوات داخل الساحة العراقية، ولا سيما في إقليم كردستان، بما قد يجعله مركزاً جديداً لتجمعاتها العسكرية”.

ويرى، أن ”تزايد تجمعات مقاتلي الحزب داخل إقليم كردستان سيمنح تركيا مبرراً لمواصلة عملياتها العسكرية، بما فيها عمليات المخلب والقصف الجوي، تحت ذريعة الدفاع عن النفس، لذلك نستبعد توقف العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي العراقية، سواء كانت جوية أم برية، لأن الاستراتيجية الأمنية التي تعتمدها أنقرة تقوم على تجفيف منابع ما تصفه بالإرهاب في مواقع وجوده”.

ويجدد الخبير الأمني تأكيده بالقول: إن ”انسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من تركيا إلى إقليم كردستان لا يمثل مجرد إعادة انتشار عسكري، بل تصديراً لأزمة أمنية وسياسية إلى العراق”، محذراً من أن “عدم تحرك الحكومتين الاتحادية والإقليمية بصورة عاجلة قد يحول الإقليم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، بما ينعكس سلباً على الاستقرار الأمني والاقتصادي والاستثماري، ويهدد مشاريع الطاقة وخطوط إمدادها والمصالح الاستراتيجية للعراق”.

وأعلن حزب العمال الكردستاني المنحل سحب جميع مقاتليه من الأراضي التركية قبل بضعة أيام (8 تشرين الأول أكتوبر 2026)، في إعلان نقل عملية الانسحاب من مراحلها التدريجية إلى الانسحاب الكامل.

ونقلت وكالة فرات (إيه إن إف) عن الحزب الكردي قوله إنه سحب بالكامل قواته الموجودة في تركيا، مشيراً إلى أنها لم تكن تشكل خطراً لاندلاع نزاع، وأن الخطوة تهدف إلى منع حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم من البحث عن ذرائع أو تبريرات لما وصفه الحزب بمقاربتها القاصرة لعملية السلام.

وفي الوقت نفسه، انتقد الحزب بطء الخطوات التي تتخذها أنقرة في مسار السلام الذي انطلق عام 2024، في إشارة إلى استمرار التباين بين الطرفين بشأن الإجراءات المطلوبة لاستكمال التسوية، رغم إعلان حل الحزب والتخلي عن العمل المسلح والانسحاب من الأراضي التركية.

إيران والعمال الكردستاني

ويصف طالب حزب العمال الكردستاني بأنه ورقة سياسية وأمنية معقدة في المشهد العراقي، معتبراً أن بعض أجنحته، ولا سيما الموجودة في سنجار ومحيط السليمانية، تعمل بتنسيق وثيق مع الحرس الثوري الإيراني وفصائل عراقية مسلحة مرتبطة بإيران.

ويلفت إلى أن ”طهران تستخدم هذه الأجنحة أداة لموازنة النفوذ التركي في شمال العراق، خصوصاً بعد تراجع ثقلها في الساحة السورية، ما يمنحها دافعاً لدعم تلك التشكيلات بهدف إيجاد توازن إقليمي”، محذراً من أن ”انتقال مزيد من مقاتلي الحزب إلى إقليم كردستان قد يعزز نفوذ القوى المدعومة من إيران في مناطق حيوية، ويهدد السيادة العراقية، وربما يدفع الإقليم نحو مواجهة عسكرية أوسع”.

ويتحدث طالب عن وجود تداخلات استخباراتية دولية في ملف الحزب، مدعياً أن بعض أجنحته تتعامل مع جهات استخباراتية، من بينها جهاز الموساد الإسرائيلي، سواء لجمع معلومات عن أهداف إيرانية وتركية أو لتنفيذ أنشطة تؤثر في استقرار المنطقة.

ويعتبر، أن هذه الارتباطات المحتملة قد تحول إقليم كردستان إلى ساحة للتجسس والاختراقات الأمنية عالية المخاطر، وتمنح إيران وتركيا مبررات لشن عمليات عسكرية وضربات صاروخية، مستشهداً بالاتهامات الإيرانية السابقة بشأن وجود مقرات للموساد داخل الإقليم، ومحذراً من أن اتساع هذا الصراع قد يتجاوز قدرة حكومتي بغداد وأربيل على احتوائه.

وبدأت ملامح التحول في ملف الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني في تشرين الأول أكتوبر 2024، عندما أطلقت مبادرة سياسية لإنهاء المواجهة المسلحة المستمرة منذ أكثر من أربعة عقود، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 50 ألف شخص، في خطوة فتحت الباب أمام مسار جديد للسلام بعد سنوات من العمليات العسكرية والتوترات الأمنية.

وجاءت المبادرة من زعيم حزب الحركة القومية التركي، دولت بهتشلي، حليف الرئيس رجب طيب أردوغان، لتشكل نقطة انطلاق لعملية سلام تستهدف إنهاء الصراع بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، وسط ترقب بشأن إمكانية انتقال الطرفين من المواجهة المسلحة إلى تسوية سياسية.

وأعلن حزب العمال الكردستاني، في أيار مايو 2025، حل نفسه استجابة لدعوة مؤسسه وزعيمه التاريخي عبد الله أوجلان إلى التخلي عن السلاح وإنهاء العمل المسلح، في خطوة مثلت تحولاً في مسار الحزب بعد عقود من الصراع مع الدولة التركية.

السلام التركي الكردي

وفي ما يتعلق بمسار السلام بين حزب العمال الكردستاني وتركيا، يفيد طالب بأنه لا يرى تقدماً حقيقياً على الأرض، رغم الصور التي أظهرت عمليات تسليم أسلحة من جانب مقاتلي الحزب، لأن بعض قياداته لا تزال تشعر بعدم الثقة، في ظل غياب تطورات ملموسة تتعلق بتعديل البنود الدستورية، أو معالجة ملف حقوق الأكراد، أو إطلاق سراح القياديين.

ويبين، أن ”استمرار وجود أجنحة داخل الحزب لا تؤمن بالتخلي الكامل عن السلاح، في ظل عدم تحقق المطالب السياسية والاستراتيجية التي تتبناها، يجعل الانسحاب أقرب إلى خطوة تكتيكية تهدف إلى حماية المقاتلين من الضغوط العسكرية”، مرجحاً بقاء ”الأجنحة المتشددة واستمرار تخطيطها لتنفيذ عمليات عابرة للحدود، بما يوفر لأنقرة ذرائع إضافية لمواصلة عملياتها داخل العراق”.

أما بشأن الوجود العسكري التركي في شمال العراق، يعتقد طالب أن “أنقرة لن تسحب قواتها أو قواعدها العسكرية في المدى المنظور”، مشيراً إلى ”امتلاكها عشرات القواعد ومراكز المراقبة العسكرية داخل الأراضي العراقية، بعمق يتجاوز 40 كيلومتراً”.

ويؤكد الخبير الأمني، أن “نجاح عملية السلام داخل تركيا، حتى في حال تحققه، لا يعني بالضرورة انسحاب القوات التركية من العراق، إذ قد تستمر أنقرة في تبرير وجودها بالحاجة إلى مواجهة التهديدات الناجمة عن الفراغات الأمنية، ومراقبة نشاط حزب العمال الكردستاني وعلاقاته المحتملة بالحرس الثوري الإيراني والموساد، فضلاً عن حماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، ولا سيما مشاريع طريق التنمية وخطوط الطاقة والتجارة الكبرى”.

ولم تتوقف التطورات عند إعلان حل الحزب، إذ بدأ في تشرين الأول أكتوبر 2025 سحب قواته من الأراضي التركية باتجاه إقليم كردستان العراق، على مراحل، ما نقل جانباً من تداعيات الملف الأمني إلى الأراضي العراقية، بالتزامن مع استمرار المساعي السياسية لمعالجة مستقبل المقاتلين وآليات عودتهم إلى الحياة المدنية.

وبعد نحو عشرة أشهر، أقر البرلمان التركي، في آب أغسطس 2026، مشروع قانون يهدف إلى إعادة مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى الحياة المدنية، بعد أكثر من أربعة عقود من الصراع المسلح، في خطوة تشريعية جاءت ضمن المسار الرامي إلى استكمال إجراءات السلام وإعادة دمج المقاتلين.

تجفيف مصادر التمويل

وفي ما يتعلق بالإجراءات المطلوبة عراقياً، يدعو طالب إلى “الانتقال من موقف المراقبة إلى اتخاذ خطوات ميدانية تعزز سيادة الدولة، وفي مقدمتها تفعيل القوات الأمنية واللواءين المشتركين بين الجيش العراقي والبيشمركة، لسد الفراغات الأمنية في المناطق الفاصلة والمتنازع عليها وفق المادة 140 من الدستور”.

ويشدد على ”ضرورة نشر قوات حرس الحدود الاتحادية بالتنسيق مع الجهات المختصة في إقليم كردستان، لمنع حزب العمال الكردستاني من إنشاء معسكرات أو فرض مناطق نفوذ مستقلة داخل الأراضي العراقية”.

ويشير إلى أن ”الحزب سبق أن صُنف منظمة محظورة خلال حكومة حيدر العبادي، ويتوجب المضي نحو تصنيفه منظمة إرهابية، بهدف منع استخدام الأراضي العراقية ساحة للصراعات وتصفية الحسابات”.

مفاوضات ثلاثية رفيعة

ويستطرد الخبير الأمني، أن ”العراق مطالب بالتحرك لتجفيف مصادر تمويل الحزب، ووضعه أمام خيارين، يتمثل الأول في التجريد الكامل من السلاح عبر مفاوضات سياسية، فيما يقوم الثاني على تطبيق القوانين العراقية ومواجهته عسكرياً إذا اقتضى الأمر”.

ويقترح ”تحرك وزارة الخارجية العراقية وجهاز المخابرات باتجاه إطلاق مفاوضات ثلاثية رفيعة المستوى تضم العراق وتركيا وإيران، لبحث ملف حزب العمال الكردستاني ووجوده داخل الأراضي العراقية، ومنع استغلاله من جانب أي طرف إقليمي لمواجهة طرف آخر”.

ويدعو طالب بغداد إلى ”تفعيل الاتفاق الأمني مع أنقرة، على أن يتضمن ترتيبات واضحة لضبط الحدود، وجدولاً زمنياً محدداً لانسحاب القوات التركية، بالتزامن مع بسط القوات الاتحادية العراقية سيطرتها الكاملة بالتعاون مع حكومة إقليم كردستان”.

الكرة في الملعب التركي

من جهته، يقول المحلل السياسي علي الحبيب، إن ”إعلان حزب العمال الكردستاني سحب جميع مقاتليه من الأراضي التركية في هذا التوقيت يمكن قراءته بوصفه خطوة تهدف إلى نقل الكرة إلى الملعب التركي”، موضحا أن ”الحزب يسعى، بعد دعوة عبد الله أوجلان إلى التخلي عن السلاح وإقرار البرلمان التركي إطاراً قانونياً لإعادة دمج المقاتلين، إلى إظهار أن العقبة لم تعد تتمثل في وجود مقاتليه داخل تركيا، وإنما في مدى استعداد أنقرة لتقديم ضمانات قانونية وسياسية واضحة”.

ويضيف، أن ”عملية السلام لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، إذ لا تزال هناك مساحة للتفاوض بشأن آليات تسليم السلاح ومصير القيادات والمقاتلين ووضع عبد الله أوجلان وإجراءات العفو وإعادة الدمج، وهذه الملفات قد تؤدي إلى إبطاء مسار التسوية”.

ويردف، أن ”الحكومة التركية تواجه بدورها تحدياً في تحقيق التوازن بين متطلبات العملية السياسية والحساسيات المرتبطة بملف الحزب ومواقف المعارضة، الأمر الذي يجعل استكمال التفاهمات مرهوناً بقدرة الطرفين على معالجة القضايا العالقة”.

تحديد أماكن الانتشار

ويرى الحبيب، أن ”انتقال مقاتلي الحزب إلى إقليم كردستان ينقل جزءاً من الملف إلى العلاقة بين بغداد وأربيل، وهذه التطورات تتيح فرصة لإعادة بحث الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، ولا سيما في ظل احتمال تراجع المبررات المرتبطة بملاحقة مقاتلي الحزب”.

ويؤكد على ضرورة ”وضع ترتيبات واضحة تحدد أماكن انتشار المقاتلين داخل الإقليم، وتضمن عدم تحول وجودهم المسلح إلى عامل لتأجيج الصراعات أو نقل التوترات إلى الأراضي العراقية”.

ويخلص المحلل السياسي إلى أن ”التطورات الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لمسار السلام، وليس مجرد إعلان انسحاب، والتحول الفعلي سيتوقف على ما ستفضي إليه المفاوضات والتفاهمات المتبادلة، ومدى التزام الطرفين بتنفيذ الاتفاقات على أرض الواقع”.

وبذلك، انتقل الملف خلال عامين من مبادرة سياسية أطلقت في تشرين الأول أكتوبر 2024، إلى إعلان حل الحزب في أيار مايو 2025، ثم بدء الانسحاب التدريجي نحو إقليم كردستان في تشرين الأول من العام نفسه، وصولاً إلى إقرار مشروع قانون لإعادة دمج المقاتلين في آب أغسطس 2026، وإعلان الانسحاب الكامل في 8 تشرين الأول أكتوبر 2026.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى