إيران والدعوات إلى مراجعة العقيدة النووية.. مناورة سياسية أم قرار استراتيجي؟
النقاش لم يعد مقتصرا على طرح احتمال عام، بل إن بعض الشخصيات السياسية بدأت تثير أيضا الخيارات القانونية والفقهية والاستراتيجية المرتبطة به.

ميدل ايست نيوز: أكد حسن قشقاوي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن «مسألة مراجعة العقيدة النووية تكتسب زخما متزايدا يوما بعد يوم، سواء بين المواطنين وأصحاب الرأي أو لدى المسؤولين».
وحسب تقرير لموقع «رويداد24» الإيراني، تتضح أهمية تصريحات قشقاوي الجديدة عند وضعها في سياق مواقفه السابقة. فقد تحدث في مقابلة سابقة مع منصة «عبدي ميديا» ليس فقط عن احتمال تغيير العقيدة النووية، بل أيضا عن إمكانية اختلاف الرأي الفقهي للمرشد الجديد عن رأي المرشد السابق بشأن السلاح النووي، وعن وجود أرضية داخل البرلمان لبحث الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وشدد قشقاوي في المقابلة نفسها على أنه لم تكن قد اتُّخذت آنذاك استراتيجية محددة لإجراء هذا التغيير.
وتشير هذه المواقف إلى أن النقاش لم يعد مقتصرا على طرح احتمال عام، بل إن بعض الشخصيات السياسية بدأت تثير أيضا الخيارات القانونية والفقهية والاستراتيجية المرتبطة به، وإن كان طرح هذه الخيارات لا يعني إقرارها أو الشروع في تنفيذها.
وخلال الأشهر الماضية، صدرت مواقف مماثلة مرارا عن شخصيات سياسية وأطراف معنية بصنع القرار. فقد سبق أن أكد كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أن إيران ستضطر إلى تغيير عقيدتها الدفاعية والنووية إذا تعرضت لـ«تهديد وجودي» أو لهجوم على منشآتها النووية. كما أظهرت رسائل وجهتها مجموعة من أعضاء البرلمان للمطالبة بتغيير العقيدة الدفاعية أن تيارا داخل الهيكل السياسي الإيراني يدعو، على الأقل نظريا، إلى تجاوز الأطر التقليدية للردع.
الردع الخطابي أم التوجه الفعلي نحو التغيير؟
يمكن تقييم تجدد طرح هذه القضية على مستويين: استخدامه أداة للردع خلال فترات التوتر، ومدى ارتباطه بتغيير الحسابات الاستراتيجية على المستوى الأوسع.
على المستوى الأول، تدرك المنظومة السياسية الإيرانية أن الغموض الاستراتيجي وإظهار المرونة بشأن «حدود العقيدة» يشكلان أداة تفاوضية قوية في مواجهة الضغوط الدولية والتهديدات الإقليمية. فالحديث عن احتمال «المراجعة» يبعث برسالة إلى الأطراف الغربية والإقليمية مفادها أن ممارسة أقصى الضغوط أو شن هجوم محتمل على المنشآت الحيوية قد يؤديان إلى ردود تتجاوز الأطر السابقة.
أما على المستوى الثاني، فيبرز التساؤل بشأن مدى توافر القدرات التقنية والتوافق السياسي اللازمين لإحداث تغيير فعلي في العقيدة. فمن الناحية الفقهية والرسمية، شكّلت فتوى المرشد الإيراني بتحريم إنتاج أسلحة الدمار الشامل واستخدامها الركيزة الأساسية والخط الأحمر للعقيدة النووية الإيرانية. ورغم أن بعض المحللين الإيرانيين يرون أن الفتاوى قابلة لإعادة التفسير وفقا للزمان والظروف، أي مع تغير موضوع الحكم، فإن اتخاذ قرار من هذا النوع ليس بالسهولة التي توحي بها تصريحات أعضاء البرلمان في وسائل الإعلام.
وفي مقابل هذه المواقف، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع وكالة رويترز، إن موقف طهران الرافض لصنع سلاح نووي من غير المرجح أن يتغير بصورة جوهرية.
ويكشف وضع هذا الموقف إلى جانب تصريحات قشقاوي عن تباين في الرسائل التي يوجهها المسؤولون الإيرانيون، وهو تباين لا يثبت بحد ذاته وجود خلاف نهائي داخل مراكز صنع القرار، لكنه يبرز ضرورة التمييز بين التصريحات السياسية والموقف الرسمي للحكومة والقرار النهائي بشأن العقيدة النووية.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن تغيير العقيدة النووية لا يعني فقط تحمل تكاليف سياسية واقتصادية باهظة واحتمال تشديد العقوبات، بل قد يؤدي أيضا إلى إعادة حشد توافق دولي ضد إيران.
ضرورة التمييز بين المناورة السياسية والقرار الاستراتيجي
في الواقع، يبدو أن طرح هذه النقاشات في المحافل العامة أو بين الأوساط السياسية الموجهة للرأي العام يحمل في معظمه أهدافا داخلية ووظيفة في توجيه الرسائل الإقليمية. ففي خضم الخلافات الدبلوماسية والتوترات العسكرية، يلجأ السياسيون في كثير من الأحيان إلى التلويح بورقة «احتمال تغيير قواعد اللعبة» لرفع الكلفة الحسابية لأي تحرك من جانب الخصم.
ومن النقاط المهمة أيضا ضرورة عدم الخلط بين مراجعة العقيدة النووية والانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتخاذ قرار بصنع سلاح نووي. فقد تعيد دولة النظر في خطابها الردعي أو سياستها المعلنة من دون أن تقرر بالضرورة الانسحاب من المعاهدة أو إنتاج سلاح نووي. وفي المقابل، فإن طرح الانسحاب من المعاهدة لا يثبت بحد ذاته اتخاذ قرار بصنع قنبلة نووية.
لذلك، فإن تحديد مدى تجاوز النقاش الجاري في إيران حدود المواقف السياسية يتطلب متابعة مؤشرات أكثر وضوحا، من بينها القرارات الرسمية والتغييرات القانونية والخطوات العملية التي تتخذها المؤسسات المعنية.
ومع ذلك، لا ينبغي إغفال أن التكرار المفرط لهذه المواقف قد يدفع البلاد إلى مسار يصعب التراجع عنه. فالسياسة الخارجية القائمة على الحسابات العقلانية تقتضي رسم حدود واضحة بين «تحقيق ردع فعال» و«الوقوع في فخ التكاليف الدولية المتصاعدة».
وما لم تصدر عن أعلى مستويات صنع القرار في إيران إشارة رسمية إلى التخلي عن المبادئ المعلنة، فمن الأجدى تحليل تصريحات من قبيل تصريحات المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في إطار «المناورة بورقة الردع الخطابي». فهذه التصريحات لا تقدم بالضرورة مؤشرا على وقوع تغيير حتمي في المستقبل القريب، بقدر ما تعكس تصاعد مستوى الحساسية والتوتر في المنطقة.



