الصحافة الإيرانية: بوتين.. وسيط سلام أم سمسار حرب؟

في وقت تكتسب فيه كل خطوة دبلوماسية تهدف إلى ترميم الهوة العميقة بين طهران وواشنطن أهمية بالغة، تتحرك روسيا بدورها، وفق ما تعلنه، لبذل كل ما في وسعها لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

ميدل ايست نيوز: يشكل خطر عودة الحرب تهديدا كبيرا للاقتصاد الإيراني ومعيشة الإيرانيين. وفي وقت تكتسب فيه كل خطوة دبلوماسية تهدف إلى ترميم الهوة العميقة بين طهران وواشنطن أهمية بالغة، تتحرك روسيا بدورها، وفق ما تعلنه، لبذل كل ما في وسعها لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وحسب تقرير لصحيفة “جهان صنعت” الإيرانية، قد أثار الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره الأمريكي دونالد ترامب أمس، بعد ساعات قليلة فقط من لقاء بوتين نظيره الإيراني، تساؤلات بشأن ما إذا كانت القيادة الروسية تسعى فعلا إلى أداء دور مؤثر في احتواء الأزمة، أم أنها تحاول مجددا توظيف الورقة الإيرانية لتحقيق أهدافها الخاصة.

ورقة هرمز تحت ضغط الاتفاق النفطي بين موسكو وواشنطن

بحسب يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، ناقش بوتين خلال اتصاله بترامب الوضع في إيران وضرورة مواصلة الحوار بين طهران وواشنطن. لكن المسألة لا تتعلق فقط بما يقوله بوتين، بل بما ستفعله موسكو عمليا، ومدى انسجام دورها مع المصالح الإيرانية. فالعلاقات بين طهران وموسكو، رغم ما شهدته من تعاون في بعض المجالات، غالبا ما ظل مرتبطا بملفات محددة، ولا تزال بعيدة عن تحقيق تطابق كامل في المصالح والتوجهات.

واللافت أن المحور الأساسي للمكالمة الهاتفية بين بوتين وترامب كان إمدادات الديزل الروسي للسوق الأمريكية، فيما طرح بوتين استعداد بلاده للمساعدة في حل الأزمة الإيرانية على هامش هذا النقاش.

وتكتسب قراءة ما دار في صلب الاتصال وما طُرح على هامشه أهمية خاصة، لأن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية خلال الأشهر الماضية، وما أعقبها من اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وضعا أسواق الطاقة تحت ضغط كبير، وفرضَا على الحكومة الأمريكية تكاليف اقتصادية وسياسية باهظة. وبالتالي، فإن أي تطور من شأنه تخفيف جزء من الضغوط الناجمة عن أزمة الوقود عن ترامب والولايات المتحدة قد يسهم في تقليص كلفة استمرار المواجهة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي. وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى ترامب في المرحلة الراهنة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

وتكتسب المسألة أهمية موازية بالنسبة إلى طهران؛ إذ إن نجاح واشنطن في تخفيف جزء من الضغوط الناجمة عن أزمة الطاقة يعني عمليا تراجع قوة ورقة الضغط الإيرانية المرتبطة بمضيق هرمز بالقدر نفسه.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المحور الرئيسي للمكالمة بين ترامب وبوتين كان بحث اتفاق نفطي واسع بين الولايات المتحدة وروسيا، لكن ما يهم إيران هو ملف المفاوضات بينها وبين واشنطن، ودور الوساطة الروسية في المساعدة على تسوية الخلافات بين الطرفين، وهو ما طُرح تحديدا على هامش النقاش الأساسي في الاتصال.

لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق هو أن المشكلة الإيرانية لا تقتصر على احتمال سعي بوتين إلى توظيف علاقاته الجيدة مع طهران لإبرام اتفاق اقتصادي مع الولايات المتحدة، مع إبقاء الحرب الإيرانية في هامش النقاش الأساسي المتعلق بتأمين النفط والمنتجات النفطية التي تحتاج إليها الأسواق الأمريكية والعالمية. بل تكمن المشكلة في أن روسيا قد تستخدم الورقة الإيرانية لخدمة أهدافها، في وقت يمكن فيه لهذا الاتفاق أن يلبي جزءا من احتياجات العالم النفطية ويقلص الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز.

ويزداد هذا الاحتمال إثارة للقلق في ظل الإعلان عن اتفاق نفطي بين موسكو وواشنطن، في حين لم نشهد عمليا أي تحرك روسي مؤثر لدفع الوساطة نحو اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة.

وساطة بوتين بعد عقود من تنصل روسيا عن التزاماتها

لا تنبع المخاوف بشأن الدور الروسي في التوتر بين إيران والولايات المتحدة من اتصال هاتفي أو اتفاق نفطي بعينه، بل تستند إلى سجل العلاقات بين طهران وموسكو خلال العقدين أو الثلاثة الماضية. فعلى الرغم من المصالح المشتركة بين البلدين في بعض المجالات، والدعم الروسي النسبي لإيران في عدد من المحافل الدولية، فإن حسابات الكرملين تغيرت مرارا بمجرد دخول طرف ثالث على خط الأزمة أو ظهور مصلحة روسية خاصة، وغالبا ما أعيدت صياغة المواقف بطريقة تتعارض بوضوح مع المصالح الإيرانية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك موقف روسيا عام 2010، حين أيدت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929 ضد إيران، وأسهمت عمليا في تمهيد الطريق لتشديد العقوبات الدولية على طهران. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ علقت موسكو، عقب صدور القرار مباشرة، تسليم إيران منظومة الدفاع الجوي «إس-300».

والأكثر إثارة للاستغراب أن روسيا استندت إلى إطار تطبيق عقوبات مجلس الأمن نفسه لتبرير قرارها، رغم أنها كانت قد أدت دورا مؤثرا في إقرار تلك العقوبات، ورغم أن تعليق التسليم جاء مخالفا لاتفاقها السابق مع إيران.

وفي تلك المرحلة أيضا، كانت موسكو تسعى إلى تحسين علاقاتها مع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، في إطار السياسة التي عُرفت باسم «إعادة ضبط العلاقات» بين روسيا والولايات المتحدة.

وفي نهاية المطاف، استؤنف تنفيذ عقد «إس-300» عام 2015، بعد سنوات من التعليق، وتسلمت إيران المنظومة عام 2016. لكن ذلك لم يمحُ آثار التأخير الطويل أو تداعيات القرار الروسي الصادر عام 2010. فقد أظهر هذا المسار أن موسكو تضع تعاونها العسكري مع طهران تحت تأثير اعتبارات دولية أوسع، وأن توقيع عقد أو اتفاق رسمي بين البلدين لا يضمن بالضرورة التزام روسيا بتعهداتها.

ويبرز مثال آخر في طريقة تعامل روسيا مع الملف النووي الإيراني، الذي يمثل بالنسبة إلى موسكو قضية تتصل بأمن المنطقة ومنع انتشار الأسلحة النووية، كما يشكل ساحة تستطيع من خلالها ترسيخ موقعها بوصفها طرفا مؤثرا في المفاوضات الدولية.

ولهذا، يشدد محللون للعلاقات الروسية الإيرانية باستمرار على أن التعاون بين طهران وموسكو، حتى في الملف النووي، لا يعني بالضرورة تطابق أهداف البلدين. فرغم أن روسيا ساعدت في مرحلة معينة على تسوية الملف النووي الإيراني والتوصل إلى اتفاق، فإن ذلك لم يعنِ أنها مستعدة لاتخاذ موقف يتماشى مع طهران في مواجهة واشنطن والعواصم الغربية الأخرى.

ومع ذلك، فإن المواقف الروسية من إيران، عندما تعلق الأمر بمواجهة الجمهورية الإسلامية مع الغرب، لم تكن دائما بعيدة عن توجهات طهران. فبمقارنة موقف موسكو في الملف النووي بمواقفها في قضايا أخرى، ومنها النظام القانوني لبحر قزوين، يتضح أن التعاون الروسي مع إيران في الملف النووي كان أكبر مما كان عليه في ملفات أخرى.

ففي مسألة النظام القانوني لبحر قزوين تحديدا، اتخذت روسيا منذ عام 2002 مواقف وتحركات تتوافق تماما مع أذربيجان، وتتعارض مع الموقف الإيراني.

تمسك طهران بمضيق هرمز وإصرار واشنطن على الملف النووي

تكمن المشكلة الأساسية التي تعرقل التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة وإنهاء هذه الحرب المدمرة وتداعياتها الأشد سوءا، بالضرورة، في الهوة العميقة بين الطرفين، وليس في طبيعة جهود الوساطة أو حجمها فحسب. فمع تمسك كل طرف بمواقفه، تصبح مهمة أي جهة تسعى إلى الوساطة شديدة الصعوبة.

وفي هذا السياق، أكد حسن قشقاوي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أمس مجددا تمسك طهران بشروطها السبعة في المفاوضات، مشيرا إلى أن رد الطرف المقابل على المقترح الإيراني القائم على مهلة سبعة أيام كان مطالبة إيران بفتح مضيق هرمز أولا.

ولا يقتصر الخلاف هنا على مضمون الاتفاق، بل امتد ليشمل ترتيب تنفيذ الالتزامات، الذي تحول بدوره إلى عقبة جدية. فطهران لا تريد فقط ضمان تنفيذ شروطها ضمن إطار واضح وموثوق، بل تؤكد أيضا أنها غير مستعدة، في هذه المرحلة، للتفاوض بشأن الملف النووي بأي حال من الأحوال.

في المقابل، كانت واشنطن تشدد سابقا على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز قبل اتخاذ أي خطوة أخرى، لكنها باتت ترسل أحيانا رسائل تفيد بأنها لم تعد بحاجة إلى فتح المضيق، مع إصرارها على الانتقال إلى المفاوضات النووية في المرحلة الحالية.

وقد أسهم هذا التباين في المواقف عمليا في خلق مأزق تفاوضي خطير، وإذا لم تتغير الظروف، فمن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى ضياع الفرصة الدبلوماسية المحدودة المتاحة.

ومن هنا، تنظر وسائل الإعلام والمراقبون إلى دخول موسكو على خط الوساطة، أو بالأحرى تعزيز انخراطها في هذا المسار، باعتباره تطورا مهما. فاستمرار الاتصالات وتبادل الرسائل بين الأطراف، رغم أن الطريق لا يزال طويلا أمام التوصل إلى اتفاق نهائي، يشير على الأقل إلى أن فرص التسوية لم تنعدم بالكامل.

تحذير من حرب ثالثة.. تراجع تكتيكي لحماية إيران

بلغت أهمية هذا الملف حدا دفع حسين مرعشي، الأمين العام لحزب كوادر البناء الإيراني، إلى التحذير أمس، في مقابلة مع موقع «خبر أونلاين»، من ضرورة تجنب المسؤولين الإيرانيين أي مخاطرة قد تؤدي إلى اندلاع حرب ثالثة. وشدد على وجوب اتخاذ أي تراجع تكتيكي تقتضيه حماية إيران وتخفيف الضغوط عن المواطنين.

ولا يركز هذا التحذير على المصالح السياسية أو الأهداف المحتملة للأجنحة المختلفة بقدر ما يركز على حماية البلاد ومنع تحميل المجتمع أعباء جديدة.

وفي ظل الآثار التي خلفتها الحرب والقيود الاقتصادية على حياة المواطنين ومعيشتهم، ينبغي ألا تتحول عملية صنع القرار إلى سباق لإثبات التشدد. فمن وجهة نظر مرعشي ومؤيديه، لا يكتسب التمسك بالمواقف معناه إلا إذا أسهم في حماية أمن البلاد وتعزيز قدراتها، في حين أن تجاهل حقائق الميدان قد يزيد بشدة خطر عودة الحرب.

وانطلاقا من ذلك، تحدث مرعشي عن «التراجع التكتيكي»، مؤكدا أن اعتماد هذه الاستراتيجية، إذا كان ضروريا لتجنب الحرب وحماية المصالح الأساسية للبلاد، لا يعني بالضرورة «الاستسلام» أو «التنازل عن حقوق إيران». كما أن التفاوض، بحسب قوله، لا يعني منح الولايات المتحدة ثقة غير مشروطة.

وتكمن المشكلة في أن تجدد الحرب، إذا ضاعت الفرصة الدبلوماسية المحدودة، قد يؤدي إلى تصاعد الضغوط الاقتصادية والأمنية، وزيادة اضطراب طرق التجارة وإمدادات الطاقة، فضلا عن وضع المجتمع، الذي يعاني أصلا من أعباء معيشية ثقيلة، أمام تحديات جديدة.

لذلك، ينبغي ألا يسمح للخلاف بشأن الشروط أو التنافس على إظهار القوة بأن يهمش ضرورة التوصل إلى اتفاق.

ضرورة التوصل إلى اتفاق سلام والحذر من حسابات الوسطاء

تدفع ظروف الحرب وتداعياتها، أو بالأحرى المعاناة الناجمة عنها وعن الضغوط والحصار الاقتصادي، إيران إلى الاستفادة إلى أقصى حد من الأدوات الدبلوماسية المتاحة. لكن تجاهل سجل العلاقات مع روسيا، التي تتقدم اليوم لعرض الوساطة في هذه الظروف الحرجة، قد يفضي إلى تداعيات سلبية أخرى.

ولا يعني ذلك بأي حال أن على إيران الامتناع عن الاستفادة من الإمكانات الروسية للمساعدة في إنهاء الحرب. بل على العكس، ينبغي الترحيب بهذه التحركات الدبلوماسية، مع إدراك أن قبول الوساطة الروسية لا يعني مطلقا تسليم زمام المبادرة إلى القيادة في الكرملين، ولا سيما في أعقاب الاتفاق النفطي الروسي الأمريكي، الذي قد يكشف عن صفقة غير معلنة بين موسكو وواشنطن بشأن إيران.

وعليه، فإن إهدار فرصة الوساطة الروسية ليس خيارا منطقيا، في وقت يزيد فيه كل يوم من التأخير في دفع المفاوضات قدما خطر عودة الحرب. لكن ينبغي في الوقت نفسه الحرص على ألا تحول التحركات الروسية دون قيام أطراف ووسطاء آخرين بدورهم أو مواصلة جهودهم الدبلوماسية.

تحتاج إيران، لتجنب الحرب، إلى التفاوض والمبادرة والاستعداد للتوصل إلى اتفاق متوازن، من شأنه خفض خطر المواجهة ومنع فرض مزيد من الأعباء على المواطنين. لكن السلام مع الولايات المتحدة لا يمر بالضرورة عبر الثقة غير المشروطة بموسكو.

وبناء على ذلك، فإن الاختبار الأهم للسياسة الخارجية الإيرانية في المرحلة الراهنة يتمثل في توظيف جميع الإمكانات المتاحة لمنع اندلاع حرب جديدة، من دون رهن مصير إيران والإيرانيين بحسابات الآخرين وصفقاتهم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى