الصحافة الإيرانية: ماذا تريد روسيا من وساطتها بين إيران وترامب؟
يمكن تقييم زيارة لافروف في إطار التحركات الدبلوماسية الروسية الرامية إلى التأثير في مسار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران.

ميدل ايست نيوز: جاءت زيارة سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، إلى طهران في وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة تواجه خلافات بشأن الملف النووي وترتيب تنفيذ الالتزامات. كما زادت زيارة فلاديمير بوتين الأخيرة لمسعود بزشكيان ونقل المواقف الإيرانية إلى دونالد ترامب من التكهنات بشأن احتمال اضطلاع موسكو بدور أكثر نشاطًا في مسار الوساطة.
تتعاون روسيا مع طهران سياسيًا واستراتيجيًا من جهة، فيما تستطيع، من خلال اتصالاتها المباشرة بواشنطن، نقل رسائل الطرفين من جهة أخرى. لكن السؤال الرئيسي هو: هل تؤدي موسكو دور وسيط لنقل الاتصالات فحسب، أم أن لديها مبادرة محددة للخروج من المأزق الحالي؟ وإذا كانت مثل هذه المبادرة مطروحة، فما المقابل الذي ستقدمه للأطراف؟
تقول صحيفة دنياي اقتصاد، إنه يمكن تقييم زيارة لافروف في إطار التحركات الدبلوماسية الروسية الرامية إلى التأثير في مسار الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران. وجاءت الزيارة بعد لقاء بوتين ببزشكيان في تركمانستان واتصال الرئيس الروسي هاتفيًا بترامب، وهي اتصالات طُرح خلالها أيضًا البحث عن حل لإنهاء المواجهات.
وأعلن لافروف، مساء الاثنين، خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في قاعة المرايا بوزارة الخارجية، استعداد روسيا للمساعدة في إيجاد حل للنزاع بين إيران والولايات المتحدة. وشدد عراقجي على استمرار المشاورات السياسية بين البلدين، معتبرًا أن حل القضايا الإقليمية عبر الدبلوماسية أمر ضروري.
وكانت وكالة «تاس» قد أفادت قبل زيارة لافروف بأنه سيشرح تحركات موسكو الرامية إلى خفض التوترات الإقليمية، ومن المرجح أن يطلع المسؤولين الإيرانيين على نتائج مشاوراته مع دول مجلس التعاون الخليجي.
من نقل الرسائل إلى الوساطة؟
كان نقل وجهات النظر الإيرانية إلى واشنطن عبر اتصال بوتين وترامب أحد أبرز مؤشرات التحرك الروسي. ووفقًا لما أعلنه الكرملين، نقل بوتين خلال الاتصال مواقف طهران بشأن حل محتمل لإنهاء المواجهات، رغم عدم نشر تفاصيل هذه الرسالة أو رد الجانب الأمريكي.
وأظهر ذلك أن موسكو يمكن أن تتجاوز مجرد تقديم الدعم السياسي لطهران، لتتحول إلى قناة اتصال بينها وبين واشنطن. كما أن الاتصال المباشر بين بوتين وترامب، إلى جانب سجل روسيا في المشاركة بالمفاوضات النووية، يمنح موسكو إمكانات يمكن أن تكون مؤثرة في مسار الوساطة.
لكن امتلاك قناة اتصال مع الطرفين لا يعني بالضرورة امتلاك مبادرة شاملة أو القدرة على ضمان التوصل إلى اتفاق. والسؤال الرئيسي هو ما إذا كانت روسيا قادرة على تقريب مواقف طهران وواشنطن وتقديم حل عملي للخلافات الأساسية، أم أن تحركاتها ستبقى في حدود نقل الرسائل وتسهيل الاتصالات.
المبادرة الإقليمية لموسكو
لا تقتصر التحركات الروسية على العلاقات بين طهران وواشنطن. فقد طرح لافروف، خلال اجتماع وزراء خارجية روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي في البحرين يوم الأحد، نسخة محدثة من خطة موسكو للأمن الجماعي في المنطقة، وشدد على ضرورة الحوار بين الدول المطلة على الخليج وجيرانها.
وبذلك، أجرت روسيا خلال فترة قصيرة مشاورات مع طهران، ونقلت مواقف إيران إلى واشنطن، وفي الوقت نفسه بحثت مع الدول العربية ترتيبات الأمن الإقليمي.
وقد تسهم هذه التحركات في تعزيز موقع موسكو في تشكيل الترتيبات التي ستلي الحرب، لكن لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى تتوافق خطة الأمن الجماعي الروسية مع أولويات إيران والدول العربية.
ومن وجهة نظر طهران، ترتبط القضايا الإقليمية، ومنها النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، بترتيبات الأمن في الخليج. كما يمكن أن يشكل موضوع مضيق هرمز وحرية الملاحة أحد محاور الخلاف بشأن مفهوم الأمن الإقليمي.
لذلك، فإن طرح موسكو مبادرة لا يعني اتفاق الأطراف على تفاصيلها. والسؤال هو ما إذا كانت روسيا تعتزم ربط مبادرتها للأمن الجماعي بإطار لحل الأزمة الحالية، أم أنها ستواصل طرحها بصورة مستقلة عن المفاوضات المحتملة بين إيران والولايات المتحدة.
العقدة الرئيسية: الملف النووي
على الرغم من أهمية القضايا العسكرية وأمن الملاحة البحرية، لا يزال الملف النووي أحد أبرز محاور الخلاف بين طهران وواشنطن. ولا يقتصر الخلاف على مستوى تخصيب اليورانيوم ومصير مخزوناته، بل يشمل أيضًا ترتيب معالجة القضايا وتنفيذ الالتزامات.
وفي ظل هذه الظروف، تستطيع روسيا، بفضل خبرتها في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي وبما تمتلكه من قدرات فنية، أن تؤدي دورًا في حل جزء من الخلافات. وكانت موسكو قد أعلنت في وقت سابق استعدادها للمساعدة في معالجة مسألة مخزونات اليورانيوم الإيرانية.
لكن أي اتفاق بشأن هذه المخزونات، ولا سيما المواد عالية التخصيب، يتطلب ترتيبات فنية ورقابية وأمنية محددة. والأهم أن الحل الفني لن يحقق نتيجة من دون تفاهم سياسي بين طهران وواشنطن.
وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين استعداد روسيا للمشاركة في حل المسألة النووية وبين تقديمها مبادرة شاملة. والسؤال هو ما إذا كانت المقترحات المحتملة لموسكو ستتمكن أيضًا من معالجة الخلاف بشأن حدود البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات، وترتيب تنفيذ الالتزامات.
ما المقابل للوساطة الروسية؟
لا يقتصر تقييم دور موسكو على قدرتها على نقل الرسائل، بل يجب أن يتضح أيضًا ما الالتزامات التي ستفرضها مقترحاتها المحتملة على الطرفين.
فإذا ركزت المبادرة الروسية على حل الخلاف النووي، فستبرز قضايا مثل إدارة مخزونات اليورانيوم، والترتيبات الرقابية، وتنفيذ الخطوات المتبادلة. وفي هذه الحالة، سيكون السؤال الأساسي بالنسبة إلى طهران هو: في مقابل أي إجراء محدد من جانب واشنطن، ولا سيما في مجال رفع العقوبات وضمان تنفيذ الاتفاق، ستقدم إيران التزامات نووية؟
وإذا أرادت موسكو ربط الوساطة بترتيبات أمنية أوسع في الخليج، فستكتسب قضايا الأمن البحري وعلاقات إيران مع الدول العربية أهمية إضافية.
وبالطبع، لا يمكن افتراض أن روسيا تطالب إيران مسبقًا بمقابل محدد نظير أداء دور الوسيط، لكن أي مبادرة دبلوماسية يجب تقييمها من زاوية مصالح الأطراف، والالتزامات المتبادلة، وآليات ضمان التنفيذ.
وقد اضطلعت باكستان وقطر وعُمان خلال الأشهر الماضية بدور مهم في نقل الرسائل وتسهيل التواصل بين إيران والولايات المتحدة. وتتمثل ميزة روسيا في أنها، إلى جانب قدراتها على التواصل، تستطيع المشاركة في الحلول الفنية المتعلقة بالملف النووي.
لكن موسكو نفسها طرف يمتلك مصالح مستقلة، كما أن توافق طهران وموسكو في بعض القضايا لا يعني بالضرورة تطابق أولوياتهما بالكامل.
وفي النهاية، تتوقف أهمية زيارة لافروف إلى طهران على ما إذا كانت التحركات الدبلوماسية الروسية ستفضي إلى حل عملي لإنهاء الحرب وتسوية الخلافات النووية أم لا.
تمتلك موسكو القدرة على الوساطة بين الطرفين، لكن الاختبار الحقيقي يتمثل في تقديم مبادرة محددة، وتقريب مواقف طهران وواشنطن، وتوضيح الالتزامات المتبادلة. وما لم تتضح تفاصيل مثل هذه المبادرة والمقابل المحتمل لها، لا يمكن الحديث عن تشكل مسار مؤكد للوساطة الروسية.



