روسيا تفاوض على قواعدها وتفتح أجواءها.. ماذا بقي لإيران في سوريا الجديدة؟
لا يتمثل السؤال في ما إذا كانت موسكو وطهران ستبقيان حاضرتين في المشهد السوري فحسب، بل في طبيعة هذا الحضور وحدوده.
ميدل إيست نيوز: لم يُنهِ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 النفوذ الروسي والإيراني في سوريا بقدر ما أعاد رسم حدوده. فبعد سنوات من التحالف مع دمشق، وجدت موسكو وطهران نفسيهما أمام سلطة جديدة لا تدين لهما ببقائها، ولا تتعامل مع إرثهما في البلاد بالطريقة نفسها. وبينما تفاوض روسيا على مستقبل قواعدها العسكرية، تواجه إيران تحدياً أكثر تعقيداً: كيف يمكن استعادة موطئ قدم في بلد لا تزال ذاكرته مثقلة بحضورها خلال الحرب؟
ومع اتساع المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ووصول تداعياتها إلى مضيق هرمز وأسواق الطاقة، لم تعد سوريا مجرد ساحة خلفية للصراع بين طهران وخصومها. إنها أيضاً اختبار لقدرة الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع على حماية استقلال قرارها، وتجنب تحويل البلاد مرة أخرى إلى ممر لتصفية الحسابات الإقليمية.
موسكو: خسارة الحليف لا تعني خسارة كل الأوراق
كان سقوط الأسد ضربة استراتيجية لروسيا، التي تدخلت عسكرياً في سوريا عام 2015 لإنقاذ النظام السابق، وجعلت من وجودها في البلاد منصة لتوسيع حضورها في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، فضلاً عن دعم عملياتها واتصالاتها العسكرية في أفريقيا.
لكن موسكو لم تتعامل مع التغيير في دمشق باعتباره قطيعة لا رجعة فيها. فقد أبقت قنوات الاتصال مفتوحة مع السلطة الجديدة، وزار الشرع روسيا مرتين منذ سقوط الأسد، في مسعى لبناء علاقة مختلفة عن التحالف الذي ربط الكرملين بالنظام السابق. وبالنسبة إلى دمشق، لا يتعلق الأمر بمستقبل القواعد العسكرية فحسب، بل أيضاً بإدارة إرث طويل من الاتفاقات والمصالح، وبالحفاظ على هامش من الحركة بين القوى الدولية.
وفي أغسطس/آب 2026، أعلنت دمشق وموسكو التوصل إلى مذكرة تفاهم لإعادة تنظيم الوجود الروسي في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، بعد نحو 18 شهراً من المفاوضات. وبموجب المذكرة، تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت المخصصة للاستخدام المدني، وبينها مطار حميميم، على أن يجري دمجها تدريجياً في الإدارة المدنية السورية، فيما تُعاد صياغة دور المنشآت العسكرية الروسية وتحويلها إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة وفق ترتيبات جديدة. وحددت المذكرة مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية الانتقال.
ويكتسب ملف حميميم أهمية خاصة؛ فالمطار المدني المرتبط بالقاعدة الروسية يقع قرب اللاذقية، وكان الموقع جزءاً أساسياً من البنية التي بنت عليها موسكو حضورها العسكري في سوريا منذ تدخلها عام 2015. ولذلك فإن انتقال إدارته المدنية إلى دمشق لا يعني خروج روسيا من حميميم، بل يمثل إعادة فصل بين الوظيفة المدنية للمطار والوجود العسكري الروسي، ضمن صيغة جديدة تفاوضت عليها الحكومتان.
ولم يقتصر التحول على المنشآت العسكرية. ففي أغسطس/آب أيضاً، أعادت سوريا تنظيم إدارتها للمرافق المدنية في الساحل، فيما واصلت موسكو الاحتفاظ بحضور عسكري في المواقع التي كانت تستخدمها خلال عهد الأسد. وفي سبتمبر/أيلول، وصلت قافلة بحرية روسية إلى طرطوس وحميميم في أول عملية إمداد كبيرة تُرصد بعد الاتفاق الجديد، في مؤشر إلى أن إعادة تنظيم الوجود الروسي لم تكن مقدمة لخروج فوري من سوريا.
وفي موازاة إعادة ترتيب القواعد، ظهرت إشارة أخرى إلى طبيعة العلاقة الجديدة بين دمشق وموسكو في قطاع الطيران المدني. ففي 16 أغسطس/آب، هبطت أول رحلة تابعة لشركة «الخطوط الجوية السورية» في موسكو منذ سقوط الأسد، لتستأنف بذلك الرحلات المباشرة بين دمشق والعاصمة الروسية بعد انقطاع دام نحو عام ونصف. وأعلنت السلطات السورية أن استئناف الخط يمثل جزءاً من خطة أوسع لإعادة بناء شبكة الناقل الوطني وربط سوريا بالوجهات الإقليمية والدولية.
ولم تتوقف عودة الاتصال الجوي عند دمشق. فقد أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا في 15 أكتوبر/تشرين الأول إطلاق رحلات منتظمة مباشرة بين حلب وموسكو اعتباراً من 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في خطوة توسع شبكة الطيران المباشر بين البلدين إلى ثاني أكبر المدن السورية. ويُفترض أن تشغّل «الخطوط الجوية السورية» الرحلات، بما يفتح ممراً جوياً مباشراً جديداً بين شمال سوريا وروسيا.
لا يمكن اختزال هذه الخطوات في بعدها السياحي أو التجاري فقط. فبعد سنوات كان فيها الوجود الروسي في سوريا مرتبطاً بصورة أساسية بالقواعد العسكرية ودعم النظام السابق، تحمل عودة الرحلات الجوية المباشرة، إلى جانب انتقال إدارة المرافق المدنية في حميميم، دلالة على أن العلاقات السورية الروسية تحاول بناء قنوات تتجاوز البنية العسكرية التي طبعت المرحلة السابقة. وفي المقابل، فإن استمرار الوجود الروسي في المنشآت العسكرية يعني أن الفصل بين الماضي والحاضر لم يكتمل بعد.
وتمنح هذه القواعد روسيا قيمة تتجاوز الحدود السورية. فطرطوس توفر لها منفذاً بحرياً مهماً في المتوسط، فيما تتيح حميميم دعماً لوجستياً وعملياتياً لحضورها الإقليمي. لذلك، فإن إعادة تنظيم الوجود الروسي لا تعني بالضرورة التخلي عنه، بل محاولة تحويله من امتيازات ارتبطت بالنظام السابق إلى علاقة تفاوضية مع الدولة الجديدة.
ولا يقتصر الحضور الروسي في سوريا الجديدة على القواعد والاتفاقات العسكرية، بل تظهر موسكو أيضاً عبر شبكة دبلوماسية نشطة في دمشق. ففي أغسطس/آب 2026، عيّن الكرملين ديمتري دوغادكين سفيراً جديداً لدى سوريا، وهو دبلوماسي سبق أن عمل في السفارة الروسية بدمشق بين عامي 2009 و2013، في خطوة أعادت تثبيت التمثيل الدبلوماسي الروسي في مرحلة شديدة الحساسية من إعادة ترتيب العلاقات.
ومنذ سقوط الأسد، لم تنقطع الزيارات الروسية رفيعة المستوى إلى دمشق؛ فقد وصل مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف في يناير/كانون الثاني 2025، ثم زار نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك دمشق في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، قبل أن يصل وفد روسي ضم مسؤولين سياسيين وعسكريين إلى العاصمة السورية في فبراير/شباط 2026 لبحث الوجود العسكري والتعاون بين البلدين. ومع استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين موسكو ودمشق في أغسطس/آب، تبدو موسكو حريصة على إبقاء قنواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية مفتوحة مع السلطة الجديدة، حتى وهي تعيد صياغة شروط وجودها في البلاد.
ومع ذلك، تبقى قدرة موسكو على حماية مصالحها مرهونة بما تقبله دمشق، وبمدى انسجام وجودها العسكري مع أولويات السلطة الجديدة وعلاقاتها المتنامية مع الغرب والدول العربية.
طهران: نفوذ يصعب استعادته بمجرد فتح القنوات
أما إيران، فتواجه معضلة مختلفة. لم تكن سوريا في حسابات طهران مجرد حليف سياسي؛ فقد شكّلت، خلال حكم الأسد، حلقة مهمة في شبكة علاقاتها الإقليمية، وممراً لدعم حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان. كما ارتبطت سوريا بعقيدة «الدفاع المتقدم» الإيرانية، التي تقوم على التعامل مع التهديدات خارج الحدود الإيرانية بدلاً من انتظار وصولها إلى الداخل.
لهذا مثّل سقوط الأسد خسارة تتجاوز نفوذ طهران داخل المؤسسات السورية. فقد تراجعت قدرتها على استخدام الأراضي السورية ممراً لوجستياً، وخسرت حليفاً وفّر لها لسنوات مساحة للتحرك بالقرب من إسرائيل وشرق المتوسط.
لكن إعادة بناء العلاقة مع دمشق لا تبدو مسألة دبلوماسية بسيطة. ففي سبتمبر/أيلول 2026، قال مستشار في وزارة الخارجية السورية إن سياسة الانفتاح على الدول لا تعني تجاهل دور إيران في دعم النظام السابق، وإن بناء علاقة جديدة يتطلب احترام سيادة سوريا وإعادة بناء الثقة. كما سبق لمسؤولين سوريين أن ربطوا تحسين العلاقات باعتراف طهران بما ارتبط بتدخلها من أضرار ومعاناة للسوريين.
وهنا يظهر الفارق الأساسي بين موسكو وطهران: تستطيع روسيا أن تعرض على دمشق ترتيبات عسكرية وتعاوناً في التدريب، وأن تستخدم موقعها الدولي، بما في ذلك عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، في التعامل مع الملفات السورية. أما إيران، فعليها أن تتجاوز إرثاً سياسياً واجتماعياً أكثر حساسية، وأن تقنع السلطة الجديدة بأن أي علاقة مستقبلية لن تعني استعادة أدوات النفوذ القديمة.
وتزداد صعوبة هذه المهمة في ظل الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في فبراير/شباط 2026، وما رافقها من هجمات متبادلة وأزمة في مضيق هرمز. فقد سعت دمشق إلى تجنب الانخراط المباشر في المواجهة، وقال الشرع في مارس/آذار إن حكومته لا تريد فتح جبهة جديدة أو جر سوريا إلى ساحة حرب أخرى.
وفي هذا السياق، لا تبدو عودة إيران إلى سوريا عبر شبكة النفوذ السابقة أمراً مضموناً. فالحكومة الجديدة لا تحتاج إلى تجنب الحرب فحسب، بل تسعى أيضاً إلى منع تحول أراضيها إلى ممر عسكري أو منصة ضغط في أي مواجهة إقليمية مقبلة.
إسرائيل: العامل الذي قد يعيد خلط الأوراق
إذا كانت العلاقة مع روسيا محكومة بمفاوضات حول القواعد والمصالح، والعلاقة مع إيران مثقلة بإرث الحرب، فإن إسرائيل تمثل أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى دمشق.
منذ سقوط الأسد، وسّعت إسرائيل تحركاتها العسكرية في الجنوب السوري، ونفذت غارات وتوغلات، كما أبقت قواتها في مناطق تقول إنها ضرورية لأمنها. وتطالب دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية واحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الذي نظم الفصل بين القوات في الجولان ومحيطه.
وفي أغسطس/آب 2026، عُقدت محادثات سورية إسرائيلية بوساطة أميركية لبحث وقف الضربات والتوغلات وإحياء التفاوض على ترتيبات أمنية. لكن المسار ظل هشاً، مع استمرار الخلافات وانعدام الثقة بين الطرفين.
وفي سبتمبر/أيلول، شدد الشرع في تصريحات علنية على أن دمشق اختارت المسار الدبلوماسي، مع تمسكها بسيادة سوريا ورفضها استمرار الوجود الإسرائيلي في أراضيها.
ويضع ذلك الحكومة السورية أمام معادلة صعبة: فهي تريد تجنب مواجهة عسكرية جديدة، لكنها لا تستطيع تجاهل الضغوط الداخلية الناجمة عن التوغلات والضربات، ولا التخلي عن المطالبة بالسيادة. وكلما تعثر المسار الدبلوماسي، ازدادت احتمالات أن تصبح العلاقة مع إسرائيل مصدراً لضغوط جديدة على السلطة.
وقد يطرح هذا الوضع سؤالاً افتراضياً عن إمكان لجوء دمشق إلى طهران إذا تحولت المواجهة مع إسرائيل إلى صراع مباشر. لكن مثل هذا السيناريو لا ينبغي التعامل معه باعتباره نتيجة متوقعة. فالحكومة السورية لا تربطها حالياً بإيران علاقة رسمية مستقرة، كما أن تاريخ التدخل الإيراني في سوريا يجعل طلب المساعدة منها خياراً سياسياً بالغ الكلفة. وقد تلجأ دمشق، بدلاً من ذلك، إلى وساطات عربية أو دولية، أو إلى تعزيز قدراتها الذاتية، أو إلى البحث عن ترتيبات أمنية تحد من التصعيد.
كذلك، فإن أي تقارب محتمل بين دمشق وطهران لن يكون بالضرورة عودة إلى التحالف القديم؛ فقد تحاول سوريا الاستفادة من قنوات الاتصال مع إيران من دون السماح لها باستعادة نفوذ عسكري أو أمني مستقل داخل البلاد.
مضيق هرمز يغيّر الحسابات السورية
أظهرت الحرب المرتبطة بإيران أن آثار الصراع لا تقتصر على الجبهات العسكرية. فتعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره حصة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية، أعاد ملف الطاقة إلى صدارة الحسابات الإقليمية. وأصبحت الدول التي تملك منافذ بديلة أو طرقاً برية إلى المتوسط أكثر أهمية في النقاش حول أمن الإمدادات.
وبالنسبة إلى سوريا، قد يتيح موقعها الجغرافي فرصاً اقتصادية ولوجستية إذا استطاعت تأهيل بنيتها التحتية واستعادة دورها في النقل والتجارة. لكن تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب مستدامة يتطلب استقراراً داخلياً، واستثمارات، وتفاهمات إقليمية، لا مجرد موقع على الخريطة.
ومن هنا، فإن مصلحة الحكومة السورية قد تكون في الابتعاد عن سياسة المحاور بقدر الإمكان، وتجنب السماح لأي طرف باستخدام أراضيها في مواجهة خصومه. غير أن تحقيق ذلك لن يكون سهلاً، في ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية، ووجود القوات الأجنبية، والتحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه الدولة.
لا موسكو عادت كما كانت، ولا طهران تملك طريقاً سهلاً
من المبكر اعتبار سقوط الأسد نهاية نهائية للنفوذ الروسي والإيراني في سوريا. فالتفاهم الروسي الجديد يوضح أن موسكو قادرة على التكيف مع تغير السلطة، فيما لا تزال طهران تملك مصالح إقليمية وقنوات اتصال قد تسعى إلى توظيفها مستقبلاً. لكن امتلاك المصالح لا يعني القدرة على تحويلها إلى نفوذ فعلي.
وتكشف عودة الطيران المباشر بين موسكو ودمشق، والإعلان عن خط موسكو ـ حلب، إلى جانب انتقال إدارة مطار حميميم المدنية إلى الدولة السورية، عن طبقة جديدة في العلاقة بين دمشق وموسكو: علاقات اقتصادية ومدنية تتوسع بالتوازي مع إعادة تعريف الوجود العسكري الروسي. وهذا يعني أن العلاقة لا تُبنى من الصفر، لكنها أيضاً لا تعود ببساطة إلى النموذج الذي كان قائماً في عهد الأسد.
ستكون روسيا مطالبة بالتفاوض على وجودها ضمن شروط سورية جديدة، بينما تحتاج إيران إلى معالجة إرث سياسي ثقيل وإثبات أن أي علاقة مقبلة يمكن أن تقوم على احترام سيادة دمشق، لا إعادة إنتاج شبكة النفوذ السابقة.
أما الحكومة السورية، فستحاول الموازنة بين حاجتها إلى الدعم الدولي وإعادة الإعمار، ومطلبها السيادة، ومخاطر الانجرار إلى مواجهة مع إسرائيل أو إلى صراع إقليمي أوسع. وقد تكون قدرتها على إدارة هذه التناقضات، أكثر من أي إعلان سياسي، هي ما سيحدد موقعها في الشرق الأوسط الجديد.
في المحصلة، لا يتمثل السؤال في ما إذا كانت موسكو وطهران ستبقيان حاضرتين في المشهد السوري فحسب، بل في طبيعة هذا الحضور وحدوده. فروسيا تتفاوض على ما يمكن الاحتفاظ به من قواعد ومصالح، وتفتح في الوقت نفسه مسارات مدنية وتجارية وجوية مع دمشق وحلب، بينما تبحث إيران عن مدخل إلى علاقة فقدت أساسها القديم. وفي المقابل، تحاول دمشق بناء دولة لا تكون مرة أخرى رهينة تحالف خارجي واحد. وبين هذه المسارات، سيبقى الموقف من إسرائيل، إلى جانب الحرب الإقليمية ومستقبل مضيق هرمز، من العوامل التي قد تعيد رسم خريطة النفوذ في سوريا.



