ما الأهداف التي ستضربها واشنطن إذا اندلعت الحرب مع إيران مجددًا؟

تتزايد احتمالات عودة الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وسط مخاوف من استهداف المنشآت النووية والقدرات الصاروخية والبنية التحتية للطاقة، بما قد يحوّل أي هجوم محدود إلى مواجهة إقليمية واسعة.

ميدل ايست نيوز: تتزايد احتمالات اندلاع الحرب مجددًا مقارنة بالفترة الماضية، وسط مخاوف شعبية من استهداف البنية التحتية، لا سيما أن السيناريوهات المطروحة أمام واشنطن قد تتجاوز عملية عسكرية محدودة، لتفضي إلى مواجهة لن تقتصر تكلفتها على الميدان العسكري.

أعادت تهديدات دونالد ترامب الأخيرة، والتقارير بشأن استعداد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لخيارات عسكرية، وتصاعد المخاوف من مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، احتمالات عودة الحرب إلى صدارة القضايا الأكثر إلحاحًا في السياسة الخارجية. وفي ظل هذه الظروف، يبرز تساؤل أساسي يشغل الرأي العام: ما الأهداف التي ستضعها الولايات المتحدة على رأس أولوياتها، وهل ستقتصر العملية المحتملة على ضربات محدودة أم قد تتطور إلى حرب أوسع نطاقًا؟

طرح ترامب في تصريحاته الأخيرة احتمال شن هجوم عسكري والتوصل إلى اتفاق مع إيران في الوقت نفسه، مشيرًا إلى أن القرار النهائي سيتوقف على سلوك طهران. ويكشف تأكيده ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي أن الملف النووي لا يزال أحد المحاور الرئيسية التي تستند إليها واشنطن لتبرير الضغوط العسكرية، رغم أن الأهداف الأميركية المعلنة خلال الأشهر الماضية تجاوزت المسألة النووية لتشمل القدرات الصاروخية الإيرانية أيضًا.

وأفادت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، في تقرير لها، بتزايد مخاوف المسؤولين الأميركيين من خطط تُنسب إلى إيران لاستهداف مواطنين ومسؤولين أميركيين. وفي الوقت نفسه، ذكرت وكالة رويترز أن تحذيرات استخباراتية جديدة بشأن تهديد القوات الأميركية أدت إلى تقليص الوجود الدبلوماسي الأميركي في المنطقة، مع خفض عدد بعض الموظفين. كما أفادت مجلة ذا هيل، في تقرير نشرته أمس، بأن القيادة المركزية الأميركية تستعد لخيارات تتعلق بشن هجمات جديدة محتملة.

إذا هاجمت الولايات المتحدة، فما الأهداف التي ستستهدفها أولًا؟

في ظل شبه إجماع بين المحللين في وسائل الإعلام الأجنبية والمحلية على أن اندلاع الحرب مجددًا بات أمرًا شبه حتمي، تتركز النقاشات أساسًا على نطاق المواجهة المقبلة وأهدافها المحتملة. ولتوقع الأهداف الأولى لأي هجوم محتمل، ينبغي النظر إلى الأهداف التي أعلنت واشنطن استهدافها في عمليات عسكرية سابقة، وتلك التي وردت أسماؤها في التقارير المتعلقة بالخطط الجديدة.

وبناءً على ذلك، ستكون القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والبنية التحتية العسكرية ومراكز القيادة، والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، من أبرز الأهداف المحتملة. ومع ذلك، لا تتوافر معلومات علنية موثوقة تحدد الترتيب النهائي لهذه الأهداف أو القائمة النهائية للعملية المحتملة.

ويشير تقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس الأميركي، جرى تحديثه في 20 أكتوبر، إلى أن العمليات الأميركية والإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير 2026 استهدفت، إلى جانب البرنامج النووي، منشآت ومعدات مرتبطة بالصواريخ الباليستية الإيرانية. كما يتناول التقرير مساعي إيران لإعادة بناء البنية التحتية المتضررة والحفاظ على قدراتها الصاروخية وقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة. وبناءً على ذلك، إذا خلصت واشنطن إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال تتيح لطهران شن رد واسع النطاق، فقد يصبح إضعاف هذه القدرات أحد الأهداف الرئيسية لأي عملية عسكرية جديدة.

في مثل هذا السيناريو، لن يقتصر الهدف على تدمير عدد من الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل قد يشمل أيضًا مراكز التخزين والإنتاج والدعم، فضلًا عن البنية التحتية العملياتية المرتبطة بها. ومن المنظور العسكري، قد يتيح تقليص قدرة إيران على الرد على الضربة الأولى لواشنطن مواصلة عملياتها بتكلفة ومخاطر أقل. غير أن نجاح هذه الهجمات سيعتمد على مواقع انتشار المعدات، ومدى تشتتها، والقدرات المتاحة تحت الأرض، وإمكانات إيران لإعادة بناء ما يتضرر منها، وهي عوامل لا يمكن تقييمها بدقة استنادًا إلى المعلومات العلنية.

أما في المجال النووي، فلا يُستبعد أن يعود هذا الملف إلى صدارة العمليات العسكرية، رغم الادعاءات الأميركية السابقة بإلحاق أضرار جسيمة بالمنشآت الإيرانية. فإذا حددت إدارة ترامب هدفها بمنع إيران على المدى الطويل من امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي، بدلًا من الاكتفاء بوقف أنشطتها مؤقتًا، فقد تعيد إدراج المنشآت والمعدات وسلاسل الإمداد المرتبطة بالبرنامج النووي ضمن قائمة الأهداف. ويمكن تقييم تهديدات ترامب الأخيرة وإشاراته المتكررة إلى جبل كلنگ في هذا السياق.

من المنشآت العسكرية إلى البنية التحتية للطاقة.. أين تقف حدود الهجوم؟

يتمثل أحد أبرز التساؤلات في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستكتفي بضرب أهداف عسكرية أم ستوسع نطاق عملياتها ليشمل البنية التحتية الاقتصادية وقطاع الطاقة. وتشير التقارير المنشورة بشأن الخطط المحتملة لوزارة الدفاع الأميركية إلى أن منشآت الطاقة كانت أيضًا ضمن الخيارات المطروحة للدراسة. ونقلت مجلة ذا هيل عن هاريسون مان، الضابط السابق في وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، احتمال اتباع مسارين: العودة إلى استهداف أهداف عسكرية وسياسية داخل إيران، أو توسيع الهجمات لتشمل البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة، وهو المسار الذي قد يصبح أكثر ترجيحًا، بحسب قوله، إذا شاركت إسرائيل في الهجمات.

لكن إدراج هدف ضمن التخطيط العسكري لا يعني اتخاذ قرار نهائي بمهاجمته. فقد يؤدي استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران إلى خسائر اقتصادية واضطرابات في إمدادات الطاقة، لكنه سيزيد أيضًا من خطر اتساع الحرب إقليميًا. وكانت إيران قد حذرت سابقًا من أنها ستعتبر المصالح والأصول السياسية الأميركية والبنية التحتية للدول المشاركة في الحرب أهدافًا مشروعة للرد، إذا تعرضت لهجوم جديد وقُتل مسؤولون إيرانيون أو مدنيون.

لذلك، تحتل منشآت الطاقة موقعًا مزدوجًا في هذا السيناريو؛ فمن جهة، يمكن استخدامها أداة للضغط العسكري والاقتصادي على طهران، ومن جهة أخرى، قد يؤدي استهدافها إلى رد انتقامي وأزمة طاقة إقليمية. وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يشكل ممرًا لنقل النفط والغاز، فضلًا عن وجود القوات الأميركية في دول الخليج.

هل يُحتمل استهداف المسؤولين السياسيين ومراكز القيادة أيضًا؟

قال دونالد ترامب في أحدث تصريحاته إنه ينبغي وقف قتل المسؤولين الإيرانيين حتى يتسنى معرفة الطرف الذي يمكن التفاوض معه. لكن ترامب من الشخصيات التي يصعب الوثوق بتصريحاتها على نحو كامل، إذ جاءت أقواله في بعض الحالات مناقضة تمامًا لأفعاله.

لذلك، لا يزال استهداف مراكز القيادة والسيطرة العسكرية احتمالًا قائمًا ضمن أي عملية واسعة تهدف إلى تقليص قدرة إيران على الرد. وإلى جانب ذلك، يظل استهداف كبار القادة العسكريين أو الشخصيات السياسية مطروحًا ضمن حسابات أي عملية أكثر شدة. وقد عززت التحذيرات التي أطلقها مسؤول أمني في هذا الشأن خلال الأيام الأخيرة هذه التكهنات. ومع ذلك، لا تكفي الأدلة العلنية المتاحة للاستنتاج بأن الولايات المتحدة اتخذت قرارًا نهائيًا باغتيال مسؤولين محددين أو تصفيتهم جسديًا.

وأظهرت تجارب المواجهات السابقة أن استهداف القادة وكبار المسؤولين لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار هيكل صنع القرار أو وقف الرد العسكري، بل قد يأتي بنتائج عكسية ويفضي إلى تصعيد ردود الفعل. لذلك، إذا كان هدف واشنطن إجبار طهران على قبول اتفاق، فإن استهداف المنشآت العسكرية والقدرات الاستراتيجية بهدف الحد من قدرة إيران على الرد يختلف سياسيًا عن سيناريو يهدف إلى تغيير هيكل السلطة.

لماذا يمكن أن تؤثر الانتخابات الأميركية في توقيت الهجوم؟

تكتسب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، المقررة في 3 نوفمبر، أهمية خاصة في الحسابات الراهنة. وأوضح مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، في تحليل له، أن ترامب يواجه ثلاثة خيارات رئيسية: التصعيد العسكري، أو مواصلة المفاوضات، أو الإبقاء على الوضع القائم. وأكد التحليل أن استمرار الحرب قد يفرض تكاليف اقتصادية وسياسية كبيرة على الإدارة الأميركية، بل قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة دون تحقيق المكاسب التي تتوقعها واشنطن.

وعليه، قد يؤدي تجاوز موعد الانتخابات إلى تخفيف بعض القيود السياسية المفروضة على ترامب، لا سيما إذا أرادت إدارته استخدام التهديد العسكري لزيادة الضغط على إيران. لكن ذلك لا يعني أن شن هجوم بعد الانتخابات أمر محسوم. فتكاليف الحرب، والمخاوف من ارتفاع أسعار النفط والوقود، وتعرض القوات الأميركية في المنطقة للمخاطر، والشكوك بشأن إمكانية فرض اتفاق على طهران، كلها عوامل لا تزال تحول دون التصعيد.

في الواقع، لن يكون الخيار العسكري أكثر جاذبية لواشنطن إلا إذا اعتقدت الإدارة الأميركية أنها تستطيع تحقيق المكاسب السياسية التي تسعى إليها من خلال عملية محدودة وقوية، دون التورط في حرب طويلة الأمد. غير أن هذه الحسابات قد تستند إلى تقديرات خاطئة بشأن قدرات إيران على الرد أو مدى استعداد طهران للمضي في المواجهة.

السيناريو الأخطر.. هجوم محدود يتحول إلى حرب واسعة

لا يقتصر مصدر القلق الرئيسي في الوضع الراهن على اختيار الولايات المتحدة هدفًا معينًا، بل يتمثل في احتمال انطلاق سلسلة من ردود الفعل من عملية محدودة تنتهي بمواجهة أوسع نطاقًا. فعلى سبيل المثال، قد يقابل استهداف البنية التحتية العسكرية الإيرانية برد صاروخي يستهدف القوات الأميركية أو المواقع المرتبطة بها في المنطقة. وإذا تقرر لاحقًا استهداف منشآت الطاقة أو المراكز السياسية، فقد يتسع نطاق الرد الإيراني، بما يؤثر في أمن الملاحة البحرية وأسواق الطاقة العالمية.

وحذر مجلس العلاقات الخارجية الأميركي أيضًا من أن استئناف الحرب قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وزيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي، دون أن يضمن بالضرورة إجبار طهران على قبول المطالب الأميركية.

من ناحية أخرى، قد تزيد التقارير المتعلقة بالتهديدات الاستخباراتية واحتمال استهداف مسؤولين أميركيين من حساسية عملية اتخاذ القرار. فإذا اعتبر أحد الطرفين حادثًا ما عملًا متعمدًا ومنظمًا، وبادر إلى الرد العسكري قبل اتضاح ملابساته، فستتقلص مساحة التحرك الدبلوماسي.

أما بالنسبة إلى إيران، فلن تقتصر تكلفة هذا السيناريو على الجانب العسكري. إذ إن امتداد الحرب إلى منشآت الطاقة والبنية التحتية الاقتصادية قد يزيد الضغوط على الإنتاج والتجارة والإيرادات بالعملات الأجنبية والحياة اليومية للمواطنين. وفي مثل هذه الظروف، قد يتحمل المجتمع والاقتصاد الإيرانيان تكاليف باهظة، حتى إذا لم يحقق الهجوم العسكري الأهداف المعلنة له.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة + تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى