وعود بالذهب وديون بلا نهاية.. كيف تطارد الأزمة الاقتصادية الأزواج في إيران؟

تتسلل الأزمة الاقتصادية في إيران إلى عقود الزواج، مع ارتفاع قيمة «المهر» بالعملات الذهبية، ما يثقل كاهل المدينين ويزيد صعوبة السداد ويهدد بعضهم بالسجن.

ميدل ايست نيوز: لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران تقاس فقط بتقلبات سعر الصرف أو ثمن الخبز والوقود. فمع انهيار قيمة الريال الإيراني وارتفاع أسعار الذهب، بدأت آثارها تمتد إلى التزامات مالية نشأت قبل سنوات، عندما كانت قيمة العملة المحلية مختلفة تماماً عما هي عليه اليوم.

من بين هذه الالتزامات «المهر»، وهو مبلغ أو أصل مالي يلتزم الزوج بتقديمه للزوجة بموجب عقد الزواج في إيران. وغالباً ما يُحدد المهر بعدد من العملات الذهبية المعروفة محلياً باسم «السكة»، لكنه قد يكون مبلغاً نقدياً أو عقاراً أو أصولاً أخرى، بل قد يأخذ في بعض الزيجات طابعاً رمزياً، مثل عدد من الزهور.

تكمن المفارقة في أن عدد العملات الذهبية المثبت في عقد الزواج لا يتغير بمرور السنوات، لكن قيمتها بالعملة المحلية يمكن أن تقفز بصورة هائلة. وهكذا، فإن التزاماً مالياً حُدد في وقت كان فيه سعر الذهب أقل بكثير، قد يتحول بعد سنوات إلى دين تفوق قيمته قدرة الزوج على السداد.

دين ثقيل

في إيران، لا يعني ارتفاع سعر العملة الذهبية أن عدد العملات المسجل في عقد الزواج يزداد. فإذا نص العقد على 100 سكة ذهبية، تظل المسؤولية 100 سكة، لكن القيمة النقدية لهذه العملات تتغير مع تغير سعر الذهب.

وهذه النقطة أصبحت أكثر أهمية في ظل الانهيار المتسارع للعملة الإيرانية.

ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بلغ سعر «سكة إمامي»، وهي العملة الذهبية الأكثر تداولاً في السوق الإيرانية، نحو 274 مليون تومان، وفق بيانات السوق الحرة. كما بلغ سعر غرام الذهب عيار 18 نحو 27.1 مليون تومان. وتشير بيانات الأسعار إلى أن سعر سكة إمامي ارتفع بنحو 15.9 في المئة خلال شهر واحد، وبأكثر من 140 في المئة خلال عام.

وبهذه الأسعار، تبلغ القيمة السوقية لـ100 سكة إمامي نحو 27.4 مليار تومان.

لكن الرقم لا يعني أن الرجل المحكوم عليه بالمهر مطالب بالضرورة بدفع هذا المبلغ دفعة واحدة. ففي حال عجزه عن السداد، يمكن أن تنظر المحكمة في وضعه المالي، وقد تقرر تقسيط الدين وفق قدرته على الدفع.

مع ذلك، فإن ارتفاع سعر الذهب يجعل حتى الأقساط التي كانت تبدو قابلة للتحمل قبل سنوات أكثر صعوبة، خصوصاً عندما يكون دخل الأسرة مقوماً بالريال الذي يفقد قيمته باستمرار.

نحو 4 آلاف مدين بالمهر والنفقة خلف القضبان

تكشف الأرقام الرسمية عن حجم المشكلة بصورة أوضح.

فبحسب أحدث البيانات التي أعلنها أسد الله جولايي، رئيس مجلس أمناء «ستاد ديه»، وهي مؤسسة خيرية إيرانية تساعد في الإفراج عن المدينين المحكوم عليهم في قضايا مالية غير عمدية، يوجد 16,428 سجيناً بسبب أحكام مالية في إيران، بينهم 4,043 شخصاً محكوماً في قضايا المهر والنفقة. وتشكل قضايا المهر والنفقة بذلك جزءاً كبيراً من السجناء على خلفية ديون مالية.

وفي النصف الأول من العام الإيراني الجاري، أُفرج عن أكثر من 5 آلاف سجين في قضايا غير عمدية، بينهم 1,186 مديناً بالمهر و268 مديناً بالنفقة.

وخلال الفترة نفسها، جرى خفض أكثر من 36 تريليون تومان من ديون السجناء، ليس فقط عبر دفع الأموال، وإنما أيضاً من خلال تنازل الدائنين عن جزء من مستحقاتهم، أو اعتراف الجهات القضائية بعدم قدرة المدين على السداد، إلى جانب مساعدات خيرية.

وتعكس هذه الأرقام حقيقة مهمة: الخروج من السجن في مثل هذه القضايا لا يعني بالضرورة أن الدين اختفى. ففي حالات كثيرة، تتم معالجة الأزمة عبر التقسيط، أو تخفيض الدين، أو تنازل الدائن عن جزء منه، أو تقديم مساعدات للإفراج عن المدين.

العجز عن الدفع لا يعني سقوط الدين

يحتاج فهم هذه القضايا إلى التمييز بين أمرين: الدين نفسه، والقدرة على تنفيذه أو سداده.

فإذا طالبت الزوجة في إيران بالمهر وصدر حكم لصالحها، لا يُلغى الدين لمجرد أن الزوج يقول إنه لا يستطيع دفعه. ويمكن للمدين أن يطلب من المحكمة الاعتراف بـ«الإعسار»، أي عدم امتلاكه القدرة المالية على دفع الدين بالطريقة المطلوبة.

عندها تنظر المحكمة في دخله وأصوله وممتلكاته ونفقاته الضرورية، قبل تحديد طريقة السداد. وقد تقرر دفع الدين على أقساط، كما يمكن تعديل قيمة الأقساط إذا تغير الوضع المالي للمدين.

لذلك، فإن ارتفاع سعر الذهب لا يعني تلقائياً أن جميع أحكام المهر ترتفع بالقيمة نفسها أو أن الأقساط تتضاعف آلياً. لكن المشكلة تكمن في اتساع الفجوة بين قيمة الالتزام المقومة بالذهب وبين الدخل الفعلي للمدين.

وهنا يظهر أثر التضخم بطريقة مختلفة: فالراتب قد يبقى ثابتاً نسبياً، بينما ترتفع قيمة السكة (العملة الذهبية) التي يجب شراؤها لتسديد القسط.

لماذا دخل البرلمان على الخط؟

مع تفاقم هذه المشكلة، حاول البرلمان الإيراني تعديل قواعد تنفيذ الأحكام المالية المتعلقة بالمهر.

وفي سبتمبر/أيلول من العام الجاري، أقر مجلس الشورى الإسلامي مشروعاً يخفض من 110 عملات ذهبية إلى 14 عملة الحد المرتبط بضمانات التنفيذ التي يمكن أن تؤدي إلى حبس المدين. لكن الرقم لا يعني أن البرلمان قرر جعل المهر في إيران 14 سكة فقط، ولا يعني إلغاء أي مهر يتجاوز هذا العدد.

المسألة تتعلق بطريقة تنفيذ الحكم، وليس بقيمة المهر الذي يمكن للزوجين الاتفاق عليه عند الزواج.

غير أن التعديل لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن. فقد اعترض مجلس صيانة الدستور، وهو الهيئة التي تراجع القوانين التي يقرها البرلمان في إيران، على أجزاء من المشروع، ومن بينها تحديد 14 سكة معياراً ثابتاً لضمان التنفيذ. ورأى المجلس أن القدرة الفعلية للمدين على السداد ينبغي أن تكون عاملاً أساسياً، لا مجرد عدد العملات الذهبية الواردة في العقد. وأعيد المشروع إلى البرلمان لمراجعة الاعتراضات.

وفي أحدث النقاشات المنشورة خلال الفترة الأخيرة، استمر الجدل حول المشروع، بما في ذلك مقترح استبدال السجن بالرقابة الإلكترونية في بعض الحالات. ويؤكد الوضع القانوني الحالي أن الحديث عن «قانون المهر الجديد» أو القول إن المهر أصبح محدداً بـ14 سكة سيكون مضللاً، لأن التعديل لم يتحول إلى قانون نافذ بعد.

بين حق الزوجة وعجز الزوج

يحمل الجدل حول المهر في إيران طرفين من الأزمة في الوقت نفسه.

بالنسبة إلى الزوجة، يمثل المهر حقاً مالياً يمكن أن يصبح مهماً بصورة خاصة عند الطلاق، ولا سيما بالنسبة إلى النساء اللواتي لا يملكن دخلاً مستقلاً أو أصولاً مالية كافية.

في المقابل، قد يجد الزوج نفسه أمام التزام مالي تضاعفت قيمته مرات عدة بسبب ارتفاع سعر الذهب وانهيار العملة، من دون أن يكون دخله قد ارتفع بالسرعة نفسها.

وهنا لا تبدو المشكلة مجرد خلاف بين رجل وامرأة، بل انعكاساً لأزمة اقتصادية تدخل إلى أكثر المناطق خصوصية في حياة الناس: الزواج والأسرة والطلاق.

فالزوج الذي اتفق قبل سنوات على مهر من العملات الذهبية لم يكن بالضرورة يتوقع أن ترتفع قيمة تلك العملات إلى مستويات تجعل سداد عدد محدود منها عبئاً شهرياً ثقيلاً. والزوجة التي تتمسك بحقها المالي قد تجد نفسها بدورها أمام عملية تحصيل طويلة، إذا كان الطرف الآخر غير قادر فعلياً على الدفع.

وفي بعض الحالات، ينتهي الأمر بتنازل جزئي عن المهر أو بسنوات من التقسيط، بينما يبقى أصل النزاع قائماً.

الأزمة الاقتصادية تدخل غرفة الزواج

تكشف قضية المهر جانباً أقل ظهوراً من الأزمة الاقتصادية الإيرانية.

فعادة ما يُقاس التضخم بتكلفة الطعام أو السكن أو النقل، ويُقاس انهيار العملة بسعر الدولار. لكن ارتفاع سعر الذهب يكشف شيئاً آخر: كيف يمكن لأزمة العملة أن تعيد تحديد قيمة التزامات نشأت في الماضي.

في 23 أكتوبر الجاري، كان سعر سكة إمامي قريباً من 274 مليون تومان، بعدما بلغ متوسط سعرها نحو 110.5 مليون تومان قبل عام، وفق بيانات السوق، ما يعني أن قيمتها ارتفعت بأكثر من الضعف خلال عام واحد.

هذا التحول يجعل المهر، الذي يُنظر إليه عادة باعتباره جزءاً من عقد الزواج، مرتبطاً مباشرة بسوق الذهب وسعر الصرف والتضخم والعقوبات والقدرة الشرائية.

لذلك، فإن قصة آلاف المدينين بالمهر في السجون لا تتعلق فقط بنصوص قانونية أو بخلافات أسرية. إنها أيضاً قصة عملة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، وذهب أصبح أكثر كلفة، ودخول لم تعد تلحق بالأسعار.

وفي بلد يتغير فيه سعر الأصول المالية بسرعة أكبر من قدرة كثير من الأسر على تغيير دخولها، يمكن لالتزام وُلد في يوم من أيام الزواج أن يكبر مع مرور السنوات، حتى يصبح عبئاً لا يشبه إطلاقاً ما كان عليه عندما كُتب في عقد الزواج.

وهكذا، لم تعد الأزمة الاقتصادية الإيرانية تقف عند أبواب الأسواق والبنوك. لقد دخلت إلى عقود الزواج نفسها، وحولت بعض العملات الذهبية المكتوبة على الورق إلى ديون قد تحدد، في نهاية المطاف، ليس فقط قدرة الرجل على دفع مهره، بل أيضاً قدرته على البقاء خارج السجن.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى