الصحافة الإيرانية: الاقتصاد الإيراني بين وعود العدالة وواقع تآكل القدرة الشرائية
انخفض معامل جيني في إيران بشكل طفيف عام 2025، لكن الفجوة بين الشرائح الأعلى والأدنى لا تزال واسعة، فيما ارتفع عدم المساواة في بعض المحافظات.

ميدل ايست نيوز: تُعد العدالة الاجتماعية في إيران من بين الوعود التي أكدت عليها الحكومات باستمرار، لكن الفجوة بين الادعاءات وواقع حياة الناس لا تزال قائمة. فقد أُعلنت سياسات الدعم مرارًا، إلا أن التضخم المزمن وحالة عدم اليقين الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية استنزفت القدرة الشرائية للأسر، ودفعت شريحة كبيرة من المجتمع إلى إعادة النظر باستمرار في احتياجاتها الأولية. وفي ظل هذه الظروف، فإن الحديث عن العدالة من دون الالتفات إلى ما طرأ على القدرة الشرائية وحصة مختلف الفئات من الموارد، يبدو أقرب إلى تكرار الشعارات.
تقول صحيفة جهان صنعت، إن التناقض الرئيسي في الاقتصاد الإيراني يتمثل في أن الحكومات قدمت نفسها بوصفها مدافعة عن الفئات منخفضة الدخل، لكن العديد من القرارات أدت إلى توزيع غير متوازن للمزايا وتحميل الأسر التي تفتقر إلى الأصول تكلفة عدم الاستقرار. إذ يتمتع أصحاب الأصول بقدرة أكبر على الحفاظ على قيمة ثرواتهم، في حين يتحمل أصحاب الرواتب والأسر التي لا تملك أصولًا تكلفة التضخم من استهلاكها ومدخراتها المحدودة. وأدت هذه الحالة إلى تراجع الأمل في الحراك الاجتماعي وتآكل الثقة بالوعود المتكررة.
وأفاد تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني بانخفاض معامل جيني في البلاد عام 2025، بمقدار 0.0021 نقطة فقط. وقد حدث هذا التحسن الظاهري في وقت لا تزال فيه الحصة الأكبر من النفقات متركزة لدى الشرائح العليا، بينما ارتفع عدم المساواة في بعض المحافظات. وانخفض معامل جيني على مستوى البلاد من 0.3870 عام 2024 إلى 0.3849 عام 2025، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2018، لكنه لا يزال أعلى من مستواه عام 2011. ولم يتجاوز الانخفاض مقارنة بالعام السابق نحو 0.54 في المئة، بينما كان أقل في المناطق الحضرية، إذ لم يتجاوز 0.0003 نقطة. في المقابل، ارتفع معامل جيني في المناطق الريفية من 0.3532 إلى 0.3543.
وتقدم دراسة حصة الشرائح العشر صورة أكثر وضوحًا. فقد انخفضت حصة الشريحة العاشرة من إجمالي النفقات من 30.03 إلى 29.55 في المئة، بينما ارتفعت حصة الشريحة التاسعة من 15.14 إلى 15.63 في المئة. ونتيجة لذلك، ارتفعت الحصة الإجمالية لأعلى شريحتين من 45.17 إلى 45.18 في المئة، ما يعني أن نحو نصف النفقات لا يزال في يد الخُمس الأعلى من المجتمع. في المقابل، ارتفعت حصة الشريحة الأولى من 2.69 إلى 2.70 في المئة فقط، بينما تراجعت حصة الشريحة الثانية. وبلغت نسبة نفقات الشريحة العاشرة إلى الأولى على مستوى البلاد نحو 12.82 ضعفًا، واقتربت في المناطق الحضرية من 10.93 ضعفًا. كما أظهر مؤشر بالما أن حصة الشريحة العاشرة تعادل نحو 1.8 ضعف مجموع حصص الشرائح الأربع الأدنى.
وعلى مستوى المحافظات، جاءت التطورات أكثر تفاوتًا. فقد سجلت طهران أعلى مستوى من عدم المساواة في المناطق الحضرية، مع ارتفاع معامل جيني من 0.3866 إلى 0.4021. تلتها سيستان وبلوشستان وكلستان، رغم أن كلتا المحافظتين سجلتا انخفاضًا ملحوظًا. في المقابل، سجلت كرمان وقزوين أدنى معاملات جيني في المناطق الحضرية، كما حققت أصفهان انخفاضًا كبيرًا. أما في المناطق الريفية، فقد شهدت همدان ولرستان وكرمانشاه ارتفاعًا في عدم المساواة. ويظهر هذا التباين أن الانخفاض الطفيف في المؤشر الوطني لا يمكن تعميمه على جميع المناطق.
وبوجه عام، أصبح الاقتصاد الإيراني في عام 2025 أكثر مساواة بدرجة طفيفة من حيث المؤشر الوطني لتوزيع النفقات، لكن الفجوة بين الفئات العليا والدنيا لا تزال كبيرة، كما أن هذا التحسن المحدود لم يتكرر في جميع المناطق. ولا يمكن اختزال العدالة الاقتصادية في انخفاض معامل واحد ببضعة أجزاء من الألف، خصوصًا عندما يقع جزء كبير من واقع معيشة الناس خارج هذا الرقم. وتوفر مؤشرات عدم المساواة أدوات مفيدة لفهم هيكل توزيع الموارد، لكنها لا ينبغي أن تحل محل قياس الوضع المعيشي الفعلي.



