حق إيران المائي في قبضة طالبان.. نصف قرن من الاتفاقات بلا ضمانات

لا يتعلق نهر هلمند بمجرد خلاف على كمية من المياه بين دولتين؛ إنه اختبار لقدرة الدبلوماسية على حماية مورد طبيعي عابر للحدود، ولقدرة الحكومات على إدراك أن الأمن لا يُقاس بالسلاح وحده.

ميدل ايست نيوز: حين تجف الأنهار، لا تتوقف الأزمة عند حدود البيئة، بل تمتد إلى الأمن والاستقرار ومستقبل المجتمعات. وفي إيران، حيث تتراكم الضغوط الاقتصادية وتتراجع الموارد المائية، لم يعد الخلاف مع أفغانستان على مياه نهر هلمند مجرد نزاع حدودي قديم، بل قضية تمس حياة سكان شرق البلاد ومستقبلهم، وتضع الدبلوماسية الإيرانية أمام اختبار يتجاوز الوعود إلى ضمان وصول المياه فعلياً.

لم يكن ملف حصة إيران المائية من أفغانستان جديداً حين عاد إلى الواجهة الدبلوماسية مطلع العام الجاري، لكنه وجد نفسه مرة أخرى أمام اختبار التنفيذ. فبعد عقود من الخلافات بشأن مياه نهر هلمند، لا تزال طهران تطالب سلطات طالبان بالوفاء بالتزاماتها، فيما تتحدث كابول عن الجفاف وتراجع الأمطار ونقص المياه المتاحة. وبين الروايتين، تواجه محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية أزمة تتجاوز الحسابات الدبلوماسية إلى حياة السكان وسبل عيشهم.

لطالما تراجعت هذه القضية في التغطية الإعلامية كلما تصدرت المواجهات العسكرية والعقوبات والتوترات الإقليمية المشهد. لكن المياه لا تنتظر انتهاء الحروب كي تتحول إلى أزمة؛ بل إن استمرار شحها قد يضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على إيران، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من البلاد اختلالاً متزايداً بين الموارد المائية والطلب عليها.

معاهدة عمرها أكثر من نصف قرن

يبدأ الخلاف من نهر هلمند، الذي ينبع من جبال أفغانستان ويمتد نحو الأراضي الإيرانية، حيث يغذي أجزاء من منطقة سيستان والأراضي الرطبة في حوض هامون. ويعتمد السكان في هذه المنطقة الحدودية على المياه في الشرب والزراعة وتربية المواشي، فيما يرتبط بقاء النظام البيئي المحلي باستمرار تدفقها.

وفي مارس/آذار 1973، وقّعت إيران وأفغانستان معاهدة لتنظيم تقاسم مياه النهر. وتنص المعاهدة على متوسط تدفق يبلغ 22 متراً مكعباً في الثانية لإيران خلال السنة المائية الطبيعية، مع أربعة أمتار مكعبة إضافية في الثانية تعبيراً عن حسن الجوار، أي ما مجموعه 26 متراً مكعباً في الثانية في الظروف المحددة بالاتفاق. وتُقدّر الحصة السنوية المتداولة وفق هذه المعادلة بنحو 820 مليون متر مكعب، مع مراعاة أحكام المعاهدة المتعلقة بالجفاف والظروف المناخية الاستثنائية.

غير أن وجود الاتفاق لم ينهِ الخلاف. فمنذ عقود، تتبادل الحكومات الإيرانية والأفغانية الاتهامات بشأن تنفيذ الالتزامات، وآليات قياس تدفق المياه، ومدى تأثير الجفاف والمشروعات المائية المقامة في أفغانستان. ومع عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس/آب 2021، بقي الملف مفتوحاً، وأصبحت إدارة المياه أحد مصادر التوتر في علاقة الجارتين.

ولا يقتصر النزاع على تفسير الأرقام الواردة في المعاهدة؛ فالمشكلة أيضاً أن إيران تحتاج إلى تدفق منتظم يمكن التخطيط على أساسه، بينما تتمسك السلطات الأفغانية بأن كمية المياه التي تستطيع توفيرها ترتبط بالأمطار والظروف الهيدرولوجية. وهكذا، تتحول الحصة القانونية إلى موضوع تفاوض متكرر، من دون ضمانات واضحة تكفل وصول المياه بانتظام إلى المناطق المتضررة.

وعود دبلوماسية بلا ضمانات كافية

في يناير/كانون الثاني 2025، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كابول، في أول زيارة لوزير خارجية إيراني إلى العاصمة الأفغانية منذ سنوات، وعقد لقاءات مع كبار مسؤولي طالبان تناولت المياه والحدود والتجارة وملف المهاجرين الأفغان في إيران.

وعقب الزيارة، قال عراقجي إن المسؤولين الأفغان أكدوا التزامهم بالمعاهدة، وقدموا إيصال المياه إلى المناطق الإيرانية بوصفه واجباً دينياً وإنسانياً. لكن التصريحات الإيجابية لم تحسم الخلاف. ففي فبراير/شباط من العام نفسه، رفض المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي اعتبار النزاع منتهياً، مؤكداً أن الملف لا يزال مطروحاً في الاتصالات مع الجانب الأفغاني.

وفي أغسطس/آب 2025، أعلن نائب وزير الطاقة الإيراني لشؤون المياه أن نحو 100 مليون متر مكعب فقط وصلت إلى خزانات تشاه نيمه الإيرانية خلال الفترة التي كان يتحدث عنها، مقابل استحقاق سنوي يقدره الجانب الإيراني بنحو 820 مليون متر مكعب. وأرجع مسؤولون إيرانيون النقص إلى عدم الوفاء بالالتزامات، فيما ردت طالبان بأن الجفاف وقلة الأمطار يحدان من تدفق المياه.

ثم جاء يناير/كانون الثاني 2026 ليكشف أن المشكلة لم تُحلّ. إذ قال وزير الطاقة الإيراني عباس علي آبادي إن بلاده لم تحصل على حصتها المائية كاملة خلال العام السابق، وإن الرئيس مسعود بزشكيان وجّه المسؤولين إلى تكثيف الجهود لاسترداد الحقوق المائية من أفغانستان. وفي فبراير/شباط، قالت نائبة الرئيس الإيراني ورئيسة منظمة حماية البيئة شينا أنصاري إن المفاوضات مستمرة، وإن التفاهمات القائمة لا تزال شفهية، مشددة على ضرورة ضمان وصول الحصة الإيرانية بصورة منتظمة ويمكن الاعتماد عليها.

وفي أغسطس/آب 2026، وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ملف المياه بأنه قضية «حيوية واستراتيجية» تتصدر أولويات بلاده، وتحدث عن تقدم ملموس في الحصول على الحصة المائية خلال السنة المائية الأخيرة. لكنه لم يقدم أرقاماً أو تفاصيل تسمح بتحديد حجم هذا التقدم، فيما أكد استمرار المشاورات الفنية والسياسية لضمان تنفيذ الالتزامات.

وبذلك، لا يمكن اعتبار التصريحات الأخيرة دليلاً على تسوية نهائية. فالتقدم الذي لا تصاحبه بيانات منشورة عن كميات المياه الواصلة، وآلية مشتركة للتحقق منها، وجدول واضح للتسليم، يظل خطوة دبلوماسية يصعب قياس أثرها الفعلي على الأرض.

سد كمال خان وهامون.. ما وراء الحصة القانونية

تتصل أزمة هلمند أيضاً بالبنية التحتية المائية في أفغانستان، ولا سيما سد كمال خان الذي دخل مرحلة التشغيل عام 2021. وتقول طهران إن منشآت التحكم في النهر أثّرت في تدفق المياه باتجاه أراضيها، فيما ترى كابول أن لها الحق في إدارة مواردها المائية لتلبية احتياجات السكان والزراعة داخل أفغانستان.

ولا تتوقف أهمية السد عند المياه التي تصل إلى إيران أو لا تصل إليها؛ إذ يرتبط الجدل بمسار المياه بعد احتجازها، وبمصير الأراضي الرطبة في هامون. ففي المناطق الجافة، لا تعني خسارة المياه انخفاض حصة الشرب والري فحسب، بل قد تعني أيضاً تراجع الأراضي الصالحة للزراعة، وتضرر المراعي، واتساع التصحر، وتقلص مصادر الدخل المحلية.

وتعزز دراسة علمية نُشرت في مايو/أيار 2026 أهمية هذا البعد. فقد استخدم باحثون صور الأقمار الصناعية وطرائق تحليل متقدمة لدراسة التغيرات في حوض هلمند بين عامي 2012 و2024، وخلصوا إلى أن تشغيل سد كمال خان ارتبط بتحويل تدفقات مائية نحو منخفض غودزاره داخل أفغانستان، بدلاً من استمرارها في مساراتها الطبيعية باتجاه إيران. كما رصدت الدراسة تراجعاً في المياه أسفل السد، مع الإشارة إلى أن التغيرات المناخية وإدارة المياه عاملان متداخلان في تفسير النتائج.

ولا تثبت هذه النتائج وحدها أن كل تحويل للمياه يهدف إلى حرمان إيران عمداً من حصتها، لكنها تُظهر أن المنشآت المائية غيّرت بالفعل طريقة توزيع المياه في الحوض، وأن المسألة لا يمكن اختزالها في نقص الأمطار وحده.

وهنا تظهر فجوة أساسية في معاهدة 1973: فهي تنظم حصة مائية محددة، لكنها لا توفر بمفردها حلاً كافياً للاحتياجات البيئية الأوسع لهامون. وتشير أبحاث قانونية وبيئية إلى أن متطلبات استعادة الأراضي الرطبة تتجاوز الحصة المخصصة في الاتفاق، ما يجعل التفاوض على تدفق المياه البيئية، إلى جانب تنفيذ الحصة القانونية، جزءاً مهماً من أي تسوية مستدامة.

أزمة تتجاوز الدبلوماسية

تأتي هذه المواجهة المائية فيما تعاني إيران من ضغوط متراكمة على مواردها، بفعل تراجع الأمطار في بعض الفترات، وارتفاع الطلب، وتوسع الأنشطة الزراعية، ومشكلات إدارة المياه. وفي سيستان وبلوشستان، تتضاعف آثار الشح بسبب الطبيعة الجافة للمنطقة واعتماد السكان على مصادر مائية محدودة. لذلك، فإن نقص التدفق من أفغانستان ليس العامل الوحيد في الأزمة، لكنه عامل مهم في منطقة لا تملك هامشاً واسعاً لامتصاص الصدمات.

وتكمن المخاطر في أن تتحول أزمة المياه من مشكلة بيئية إلى أزمة معيشية طويلة الأمد. فعندما تتراجع الزراعة وتضعف سبل العيش وتتضرر الأراضي الرطبة، تصبح الهجرة الداخلية والبطالة والفقر ضغوطاً إضافية على السكان والسلطات المحلية. وإذا لم تقترن السياسة الخارجية بإدارة داخلية أكثر كفاءة للموارد، فقد تجد الحكومة نفسها أمام أزمة متعددة الأسباب لا تستطيع معالجتها عبر المفاوضات وحدها.

ومن هنا، لا تبدو المقارنة بين التهديد المائي والتهديد العسكري مسألة أرقام أو مفاضلة بسيطة. فالتوتر العسكري قد يتصاعد في لحظة، لكن تدهور الموارد التي تعتمد عليها حياة السكان قد يتراكم بصمت، إلى أن تصبح كلفته السياسية والاجتماعية شديدة. ويكمن الخطر بالنسبة إلى إيران في أن تتزامن الضغوط المائية مع تراجع القدرة الشرائية والاستياء الشعبي، فتتضاعف آثار كل أزمة بفعل الأخرى.

وفي هذا السياق، لا ينبغي اختزال المشكلة في وجود المهاجرين الأفغان داخل إيران، كما فعل بعض الخطاب المحلي. فالاستهلاك البشري للمياه جزء من الطلب العام، لكن لا يمكن الاستناد إلى أرقام متداولة عن استهلاك المهاجرين وحدهم لتفسير أزمة وطنية تتداخل فيها عوامل المناخ والزراعة والبنية التحتية وسياسات التوزيع. كما أن ملف اللاجئين لا يحل محل مسؤولية الحكومتين عن إدارة الموارد المشتركة والالتزام بالقواعد القانونية.

هل تستطيع طالبان تحويل الوعود إلى مياه؟

تملك إيران أدوات دبلوماسية واقتصادية للتفاوض مع جارتها، لكن استمرار المفاوضات من دون بيانات مشتركة وآليات تحقق يجعل التقدم عرضة للتأويل. فالتعهد السياسي لا يروي أرضاً عطشى، والتأكيد على حسن الجوار لا يكفي إذا لم يتحول إلى تدفق يمكن قياسه ومراقبته.

ويحتاج أي تقدم مستدام إلى نشر بيانات دورية عن كميات المياه الواصلة، وتفعيل التعاون الفني ومحطات القياس، ووضع آلية واضحة للتعامل مع سنوات الجفاف، إلى جانب بحث التدفقات البيئية الضرورية لاستمرار هامون. كما أن تحسين إدارة المياه داخل إيران، ولا سيما في الزراعة والاستهلاك، يظل ضرورة لا تقل أهمية عن المطالبة بالحصة الخارجية.

لا يمكن الجزم بأن طالبان سترفض دائماً الوفاء بالتزاماتها، مثلما لا تكفي التصريحات الأخيرة لإثبات أن الأزمة اقتربت من نهايتها. لكن ما يظهر حتى الآن هو أن الملف انتقل بين وعود متكررة ومفاوضات مستمرة، بينما لا تزال المناطق الإيرانية المعنية بحاجة إلى ضمانات عملية.

في النهاية، لا يتعلق نهر هلمند بمجرد خلاف على كمية من المياه بين دولتين؛ إنه اختبار لقدرة الدبلوماسية على حماية مورد طبيعي عابر للحدود، ولقدرة الحكومات على إدراك أن الأمن لا يُقاس بالسلاح وحده. فحين ينحسر الماء عن الأرض، تتسع مساحة الخطر في حياة الناس، وتصبح كل قطرة مؤجلة سؤالاً عن المستقبل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى