حين لا يكفي الدولار للإنقاذ.. قصة تراجع الريال الإيراني

يبدو أن معركة الدولار في إيران لم تعد معركة أرقام فقط. إنها معركة بين مخزون يتناقص، وطلب يبحث عن ملاذ، واقتصاد يحتاج إلى تدفق مستمر للعملة الأجنبية.

ميدل ايست نيوز: من 27 ألف تومان للدولار إلى نحو 273 ألفاً خلال ست سنوات، تبدو قصة العملة الإيرانية وكأنها مسار طويل من محاولات شراء الوقت. فكلما اتسعت الفجوة بين الريال والدولار، تدخلت السلطات بضخ العملة الأجنبية في السوق، ورفعت حجم المعروض، وأعلنت إجراءات جديدة للحد من المضاربة، لكن أثر هذه التدخلات ظل قصير الأجل.

ورصد «ميدل إيست نيوز» سعر الدولار في السوق الحرة الإيرانية، الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عند نحو 270 إلى 273 ألف تومان، بعدما سجل خلال الأيام الماضية مستويات قياسية جديدة. وأظهرت متابعة حركة السوق أن الدولار أغلق في 22 أكتوبر قرب 272.3 ألف تومان، بعد أن وصل خلال الجلسة إلى نحو 273.5 ألفاً، في استمرار لموجة صعود بدأت بقوة منذ نهاية سبتمبر.

وبذلك، لم تعد المسألة مجرد ارتفاع عابر في سعر الصرف، بل تحولت إلى اختبار أوسع لقدرة السياسة النقدية الإيرانية على توفير العملة الصعبة في اقتصاد يواجه تراجعاً حاداً في الإيرادات النفطية، وصعوبات في التجارة والتحويلات، وتضخماً مرتفعاً، فضلاً عن استمرار المخاطر السياسية والعسكرية.

الدولار يتجاوز 270 ألف تومان مجدداً

في 4 أكتوبر الجاري، كان الدولار في السوق الحرة لإيران يقترب من 270 ألف تومان، قبل أن يسجل في 5 أكتوبر مستويات قاربت 272 ألفاً. وبعد تحركات متقلبة خلال النصف الأول من الشهر، عاد إلى الصعود بقوة في 20 و21 و22 أكتوبر، ليتجاوز 273 ألف تومان في بعض تعاملات السوق. وتظهر بيانات تاريخية للسوق أن الدولار ارتفع من نحو 228 ألف تومان في أواخر سبتمبر إلى أكثر من 272 ألفاً في أواخر أكتوبر، بزيادة تقارب 20 في المئة خلال شهر واحد.

يأتي ذلك رغم إعلان البنك المركزي الإيراني في مطلع أكتوبر خطة لبيع ما يصل إلى ملياري دولار عبر البنوك الحكومية، في محاولة لزيادة المعروض من العملة الأجنبية ودعم الريال. وكانت الخطوة تهدف إلى تهدئة السوق ومنع استمرار موجة الهبوط التي دفعت العملة الإيرانية إلى مستويات قياسية.

لكن السوق لم يتعامل مع ضخ الدولار باعتباره تغييراً في قواعد اللعبة، بل كإجراء مؤقت. وهذه نقطة جوهرية في فهم الأزمة: ضخ العملة يستطيع التأثير في السعر عندما يكون وراءه تدفق مستمر من الموارد، لكنه يصبح أقل فعالية عندما يتحول إلى استنزاف لمخزون محدود.

لماذا لم تنجح سياسة «ضخ الدولار»؟

استخدمت الحكومات الإيرانية المتعاقبة تدخلات مباشرة في سوق الصرف لمواجهة ارتفاع الدولار. وخلال فترة رئاسة عبدالناصر همتي للبنك المركزي في حكومة حسن روحاني، جرى اللجوء أيضاً إلى زيادة المعروض من العملة، إلى جانب الاستفادة من عائدات صادرات قطاعات مثل البتروكيماويات والصلب والتعدين.

كان الفرق آنذاك أن الاقتصاد الإيراني، رغم العقوبات والمشكلات الهيكلية، كان يمتلك قنوات أوسع نسبياً لتوليد العملات الأجنبية. أما اليوم، فإن قدرة البنك المركزي على تعويض الدولارات التي يبيعها أصبحت أكثر تعقيداً.

فعندما يبيع البنك المركزي الدولار بسعر مرتفع، يحصل في المقابل على الريال، لكنه لا يحصل على مصدر جديد للدولار. وإذا أراد لاحقاً شراء الكمية نفسها من السوق، فإنه يحتاج إلى أن تكون هناك جهات مستعدة لبيع العملات الأجنبية. وفي اقتصاد يعاني من تقلص تدفقات النقد الأجنبي، تصبح هذه العملية أقرب إلى تدوير مخزون محدود منها إلى خلق موارد جديدة.

لهذا، فإن ضخ ملياري دولار قد يؤثر في السوق لفترة، لكنه لا يستطيع بمفرده تغيير الاتجاه العام إذا ظلت أسباب الطلب على الدولار قائمة، وظلت مصادر عرضه تحت الضغط.

النفط.. الحلقة الأكثر حساسية

أحد أكبر المتغيرات التي طرأت منذ 5 أكتوبر تحديداً هو استمرار التراجع الحاد في صادرات النفط الإيرانية.

فوفق بيانات نقلتها رويترز عن منصة «فورتكسا» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط، هبطت صادرات الخام الإيراني المنقولة بحراً إلى الصفر تقريباً خلال أكتوبر، بعد تراجع حاد بدأ في سبتمبر.

وكانت رويترز قد أفادت في وقت سابق من الشهر بأن الصادرات البحرية من النفط الخام الإيراني وصلت إلى الصفر في سبتمبر للمرة الأولى منذ سنوات، في ظل تشديد الولايات المتحدة إجراءات الحصار البحري والعقوبات على تجارة الطاقة الإيرانية.

ولا يعني ذلك أن إيران فقدت كل مصادر الدخل الخارجي. فقد أظهرت تقارير لاحقة استمرار خروج كميات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات عبر مسارات معقدة، في محاولة للالتفاف على القيود. لكن هذه التدفقات لا تعادل في حجمها واستمراريتها الإيرادات التي يوفرها تصدير النفط الخام على نطاق واسع.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى سوق الصرف: الدولار الذي يبيعه البنك المركزي اليوم يحتاج إلى مصدر يعوضه غداً.

من أزمة سعر إلى أزمة ثقة

ارتفاع الدولار لا يعكس فقط حجم العملات الأجنبية المتاحة في السوق، بل يعكس أيضاً مستوى الثقة في المستقبل.

فعندما يخشى الأفراد والشركات من استمرار انخفاض قيمة الريال، يصبح الاحتفاظ بالدولار أو الذهب وسيلة لحماية المدخرات. ومع ارتفاع التضخم، يتحول شراء العملة الأجنبية من نشاط استثماري لدى البعض إلى نوع من التحوط بالنسبة إلى آخرين.

وقد أشارت رويترز إلى أن التضخم السنوي في إيران وصل إلى 73.6 في المئة في سبتمبر، بالتزامن مع انخفاض قيمة الريال بنحو 35 في المئة مقابل الدولار منذ يوليو، وفق بيانات السوق التي أوردتها الوكالة.

وهنا، لا يحتاج السوق إلى أزمة جديدة كل يوم كي يرتفع الدولار. يكفي أن تبقى المخاوف قائمة.

حين يصبح نشر السعر مشكلة

مع تصاعد سعر الدولار، اتجهت السلطات الإيرانية أيضاً إلى الضغط على وسائل الإعلام والمواقع التي تنشر أسعار السوق الحرة.

وفي مطلع أكتوبر، هدد رئيس شرطة الأمن الاقتصادي، حسين رحيمي، باتخاذ إجراءات قانونية وشرطية ضد وسائل إعلام ومواقع تنشر أسعاراً وصفها بأنها «غير واقعية»، وربط ارتفاع سعر الصرف بما سماه «فضاءً إعلامياً» تديره مصادر خارج البلاد.

لكن تجربة السنوات السابقة تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث للسوق إذا توقفت المواقع عن نشر الأسعار؟

الجواب أن السوق لا يتوقف بالضرورة.

فالتاجر والمستورد والمستهلك لا يحتاجون إلى موقع إخباري لمعرفة السعر الذي يمكن عنده شراء الدولار أو بيعه. يمكن أن تختفي الأرقام من الشاشات، لكن السعر سيظل موجوداً في الصفقات الفعلية، وفي أسعار السلع، وفي تكلفة الاستيراد، وفي قيمة المدخرات.

هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها السلطات الإيرانية لغة مشابهة. ففي سبتمبر 2020، عندما كان الدولار يدور حول 27 ألف تومان، اتخذ البنك المركزي إجراءات ضد نشر أسعار وصفها بأنها غير معتادة وتسبب اضطراباً في السوق.

بعد ست سنوات، عادت اللغة نفسها تقريباً، لكن الرقم تغير بصورة جذرية: من 27 ألف تومان إلى أكثر من 270 ألفاً، أي أكثر من عشرة أضعاف.

الذهب

تقدم سوق الذهب مثالاً آخر على حدود الإجراءات العقابية في مواجهة ظاهرة اقتصادية واسعة.

ففي 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أُعدم وحيد مظلومين، المعروف إعلامياً باسم «سلطان السكة»، بعد إدانته بقضايا اقتصادية. في ذلك الوقت كان سعر قطعة الذهب المعروفة باسم «سكة بهار آزادي» في حدود أربعة ملايين تومان تقريباً.

اليوم تجاوزت أسعار العملات الذهبية عشرات الملايين من التومانات، بل وصلت بعض العملات إلى أكثر من 270 مليون تومان وفق بيانات السوق الحديثة. والمقارنة هنا ليست بين شخصين أو حقبتين، بل بين سياستين: العقاب من جهة، ومحاولة معالجة الظروف الاقتصادية التي تدفع الأسعار إلى الصعود من جهة أخرى.

فالأسعار لا ترتفع لأن المواقع تكتب عنها، وإنما المواقع تكتب عنها لأنها ارتفعت.

كلفة الأزمة تتسرب إلى الحياة اليومية

في بلد مثل إيران، لا يبقى سعر الدولار رقماً على شاشة الصرافة. ارتفاعه ينتقل تدريجياً إلى تكلفة المواد الخام، وقطع الغيار، والأدوية والمعدات المستوردة، والنقل، والسلع الاستهلاكية، وحتى إلى توقعات المنتجين والتجار بشأن الأسعار المقبلة.

ومع استمرار الضغوط على صادرات النفط والتجارة الخارجية، تواجه السلطات معادلة أكثر صعوبة: هل تستخدم العملات الأجنبية المحدودة لتمويل الواردات الأساسية والإنتاج، أم للتدخل في سوق الصرف، أم للحفاظ على احتياطات يمكن أن تكون أكثر أهمية في المستقبل؟

وفي 14 أكتوبر الجاري، أكد محافظ البنك المركزي الإيراني أن بلاده تواجه ضغوطاً متزايدة، لكنه رفض توصيف الوضع بأنه انهيار اقتصادي، وقال إن البنك يركز على مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار النظام المالي وتوفير العملة للسلع الأساسية.

وبينما تستمر المفاوضات غير المحسومة مع الولايات المتحدة، تبقى المخاطر السياسية والأمنية عاملاً إضافياً في حسابات السوق. ووفق رويترز، ما زالت طهران وواشنطن في حالة جمود تفاوضي، في ظل استمرار المخاوف من تجدد التصعيد العسكري وتأثير الحصار الاقتصادي في الاقتصاد الإيراني.

وهكذا، يبدو أن معركة الدولار في إيران لم تعد معركة أرقام فقط. إنها معركة بين مخزون يتناقص، وطلب يبحث عن ملاذ، واقتصاد يحتاج إلى تدفق مستمر للعملة الأجنبية.

يمكن للبنك المركزي أن يبيع الدولار، ويمكن للسلطات أن تحاول ضبط الأسعار أو الحد من نشرها، لكن السوق في النهاية يختبر شيئاً أعمق من السعر المعلن: قدرة الاقتصاد على إنتاج العملة الأجنبية، وقدرة الريال على الاحتفاظ بقيمته، وقدرة الناس على الثقة بأن ما يملكونه اليوم سيحتفظ بجزء معتبر من قيمته غداً.

إذن، قد يكون الرقم 273 ألف تومان أكثر من مجرد سعر للدولار. إنه مرآة تعكس اتساع الفجوة بين ما تستطيع السلطات ضخه في السوق، وما يحتاجه الاقتصاد فعلياً كي يستعيد توازنه.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 + سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى