الصحافة الإيرانية: الدوامة الدبلوماسية للمقاومة والحرب

يحذر أستاذ بجامعة طهران من أن المناورات الحالية قد تمهد لحرب أميركية إسرائيلية جديدة ضد إيران، في ظل تعثر المسار الدبلوماسي واستمرار التوتر.

ميدل ايست نيوز: ما يُلاحظ في التفاعل بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يعكس مؤشرات على تصاعد الأزمة. ومع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في 3 نوفمبر، وبالنظر إلى أن ترامب ونتنياهو لم يحققا نتائج تكتيكية واستراتيجية ملموسة في الحروب السابقة مع إيران، فمن الطبيعي أن يجري، بالتزامن مع المناورات العسكرية الحالية، تهيئة الظروف لشن عملية عسكرية جديدة ضد إيران.

يكتب إبراهيم متقي، الأستاذ في العلوم السياسية في جامعة طهران، في مقال لصحيفة اعتماد: يُظهر تقييم المسارات السابقة أن أي نزاع كان مرتبطًا بتحرك دبلوماسي. فقد كانت إيران منخرطة في مفاوضات دبلوماسية خلال حروب يونيو 2025 وفبراير 2026 ويونيو 2026، لكن في الوقت نفسه جرى تمهيد الظروف لتنفيذ عمليات عسكرية ضد أهداف ومنشآت وممتلكات إيرانية. وفي مراحل تاريخية سابقة أيضًا، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تواصلان التخطيط للحرب بالتزامن مع استمرار المفاوضات، قبل تنفيذ عمليات عسكرية اعتُبرت حتمية.

يرى منظرو الشؤون العسكرية أن أي حرب مستقبلية ستكون قصيرة الأمد، لكنها شديدة وواسعة النطاق، وأن الخطط التكتيكية ستشبه إلى حد كبير ما جرى في ساحات المواجهة السابقة. وفي مثل هذه الظروف، سيحدد منطق توازن القوى والقدرات الردعية المحور الرئيسي للتحرك العملياتي الإيراني.

مؤشرات على عملية عسكرية أميركية إسرائيلية ضد إيران

لكل مستوى من مستويات النزاع آثاره ومؤشراته الخاصة. ويمكن رؤية المؤشر الأول في المؤشرات الاقتصادية؛ إذ يُعد ارتفاع سعر خام برنت إلى أكثر من 116 دولارًا أحد مؤشرات التوتر واحتمال حدوث مواجهة عسكرية.

أما المؤشر الثاني، فيتمثل في إلغاء نتنياهو برامجه المعتادة في 22 أكتوبر 2026. ووفقًا لتقارير عبرية، أُلغيت مشاركته في اجتماعات كان من المقرر عقدها في يروحام، ومتسبيه رامون، وعراد، وقاعدة بهاد التدريبية، وديمونا، وأصبحت برامجه مخصصة للقضايا المرتبطة بالحرب مع إيران.

والمؤشر الثالث يتمثل في مواقف محللين مثل ولي نصر وتريتا بارسي، اللذين يقيّمان الحرب باعتبارها واقعًا لا مفر منه في إطار سياسة القوة الأميركية والإسرائيلية. فالتحالف بين ترامب ونتنياهو لم يؤدِ حتى الآن إلى إضعاف قوة المقاومة والإرادة السياسية الإيرانية، فيما يركز نهجهما على استخدام القوة للتأثير في معادلة العمل السياسي والمنافسات الجيوسياسية.

أما المؤشر الرابع، فهو «الحلم الأميركي»، ولا سيما حلم ترامب بتحقيق تفوق بنيوي على إيران. وعلى الرغم من تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية نتيجة إطلاق نحو خمسة آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة أميركية وإسرائيلية، فإن الإرادة السياسية للمقاومة لا تزال قائمة، ويمكن أن تؤثر في التشكيلات التكتيكية.

والمؤشر الخامس هو فشل الولايات المتحدة في المسار الدبلوماسي وجهود الوساطة. فقد سعى ترامب إلى تحقيق «انتصار من دون حرب»، وهو ما لم يتحقق. وخلال مسار الحروب، لم ينهر النظام السياسي والاجتماعي للجمهورية الإسلامية، بل رافق ذلك ظهور مؤشرات على التماسك الاجتماعي وإعادة إنتاج ما يُعرف بـ«الاتحاد المقدس»، وهو ما أدى دورًا مؤثرًا في إعادة إنتاج المقاومة الاجتماعية.

دلالات التهديد من دون تحرك عسكري

تُعد القدرة الأداتية على المقاومة أول مؤشر يحول دون تنفيذ الخصم عملية هجومية. أما المؤشر الثاني، فهو امتلاك قدرات ذات طبيعة ردعية. وعلى الرغم من أن إيران حافظت حتى الآن على قدرتها على القيام بعمل متبادل، فإن تحقيق الردع يعتمد على تحسين القدرات التكتيكية.

وقد أتاح استمرار الحروب المجال أمام تغيير العقيدة الدفاعية الإيرانية. كما تمثل قدرات إيران في مجال اليورانيوم المخصب مؤشرًا على امتلاكها قدرة كامنة للوصول إلى الردع النووي؛ إذ إن دخول أي دولة في حالة ردع يؤدي إلى خفض احتمال قيام منافسيها بعمل عسكري ضدها.

أما المؤشر الثالث، فيتمثل في آثار ونتائج التحرك التكتيكي الإيراني ضد حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد سعت الولايات المتحدة دائمًا إلى الحفاظ على موقعها بما يسمح لها بالسيطرة على الموارد والفاعلين والأحداث، إلا أن التحرك الإيراني المضاد حال دون تحقيق هذه الأهداف بالشكل المطلوب، ورفع مخاطر أي تحرك متبادل. ويمكن أن يفرض ذلك تكاليف كبيرة على اقتصادات دول المنطقة، وعلى السياسة والأمن، وعلى أسواق الطاقة والنظام العالمي.

الخلاصة

نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل تحركات عسكرية وأمنية بهدف تهيئة الظروف لإجبار إيران على الاستسلام. لكن البنية الاجتماعية والسياسية والدفاعية لإيران، بعد الحروب، تبنت استراتيجية المقاومة وآليات للتحرك المتبادل غير المتكافئ، ولم يتحقق أي من الأهداف الاستراتيجية الأميركية.

ويدّعي نتنياهو، في خطابه الدعائي، تحقيق 90 في المئة من الأهداف، إلا أن هذا التصريح يُظهر أن إيران، رغم اختلال ميزان القوى والتفوق التكتيكي ضدها، تمكنت من تثبيت موقعها.

وتكتسب فكرة الحرب أولوية أكبر من هذا المنظور، لأن الأهداف التكتيكية النهائية لهذه الأطراف لم تتحقق بعد، ولأن احتمال ظهور تهديدات إيرانية إضافية في إطار التحرك المتبادل لا يزال قائمًا.

وإذا تمكنت القدرات التكتيكية الإيرانية من إلحاق خسائر بشرية أو مادية أكبر بالمنشآت والوحدات التكتيكية الأميركية، فإن مصداقية ترامب داخل النظام السياسي الأميركي ستتراجع بصورة أكبر، وقد يواجه أيامًا صعبة في الفترة المقبلة من رئاسته.

إذن، قد ينظر ترامب إلى إضعاف القدرات التكتيكية الإيرانية باعتباره ورقة رابحة وانتصارًا له، وهو ما سينعكس بطبيعة الحال على مستقبل السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى