الصحافة الإيرانية: الخطر الحقيقي على الاقتصاد الإيراني

لا يقتصر الخطر الرئيسي على الاقتصاد الإيراني على اندلاع الحرب، بل يشمل أيضاً غياب نهاية واضحة لها واستمرار حالة عدم اليقين التي قد تُبقي الإنتاج والاستثمار ومعيشة المواطنين على الهامش لسنوات.

ميدل ايست نيوز: مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، تتزايد التكهنات بشأن استئناف الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وقد تعهد ترامب بعدم استئناف الهجمات قبل الانتخابات، لكن تقارير نُشرت بالتزامن مع ذلك تحدثت عن دراسة احتمال شن هجوم قبل التصويت.

يتسآل علي رضا سلطاني، وهو خبير في الشؤون الاقتصادية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، عن ما يهم اليوم بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني في ظل هذه الظروف. فهل يكمن الخطر الرئيسي حالياً في اندلاع حرب واسعة النطاق؟ ليس بالضرورة. فالحرب وأي مغامرة عسكرية من شأنهما الإخلال بالنظام الاقتصادي للدول المنخرطة فيهما، بل وحتى بالاقتصاد العالمي، وإيران ليست استثناءً من هذه القاعدة. ومع ذلك، ينبغي البحث عن الخطر الأساسي الذي يواجه الاقتصاد الإيراني في ظاهرة أعمق، تتمثل في اعتياد حالة عدم اليقين واستمرار وضع يبقى فيه الاقتصاد، قبل الحرب وأثناءها وبعد توقف المواجهات، مترقباً الصدمة التالية.

ينبغي تحليل جزء كبير من هذه التصريحات في إطار اللعبة الإعلامية والدعائية التي تسبق الانتخابات الأمريكية، التي تحظى نتائجها بأهمية كبيرة بالنسبة إلى ترامب. لكن هزيمته في هذه المنافسة لا تعني بالضرورة نهاية مغامراته، بل قد تتيح له فرصاً جديدة لاتخاذ خطوات هجومية داخل الولايات المتحدة وعلى الساحة الدولية. وعليه، قد تؤدي هزيمة التيار الذي يقوده ترامب في الانتخابات المقبلة إلى زيادة احتمال الإقدام على مغامرة كبرى ضد إيران.

ومع ذلك، تصاعدت التحركات الدبلوماسية قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وبعد الانتخابات الإسرائيلية التي أُجريت الأسبوع الماضي، والتي لم تكن نتائجها مرضية إلى حد كبير لنتنياهو، بهدف منع اندلاع الحرب والتوصل إلى اتفاق سياسي، ولو كان قصير الأمد.

يقف الاقتصاد الإيراني حالياً أمام وضع باتت فيه القرارات الاقتصادية أكثر تأثراً من أي وقت مضى بالتطورات السياسية واحتمالات المواجهة العسكرية. وفي مثل هذه الأجواء، لم تعد قرارات الشركات تُتخذ استناداً فقط إلى تقديرات الطلب وتكاليف الإنتاج وآفاق السوق، بل أصبح توقع القرارات الأمريكية والإيرانية واحتمال تصاعد التوتر العامل الأهم في حساباتها اليومية، إلى درجة يبدو معها أن الاقتصاد والأسواق باتا أكثر استعداداً لاندلاع الحرب من صانعي القرار أنفسهم.

وفي ظل هذه الظروف، تتكيف أسواق العملات والذهب، وتبعاً لها أسواق السيارات ورأس المال، مع البيئة المحفوفة بالمخاطر. وتسعى الأسر والشركات إلى حماية أصولها من انخفاض قيمة العملة والصدمات المحتملة. كما تتفاعل الأسعار بسرعة مع الأخبار السياسية والتطورات العسكرية والمؤشرات التي تدل على تعثر المفاوضات أو إحراز تقدم فيها. ونتيجة لذلك، لم تعد الأسواق مجرد انعكاس للظروف الاقتصادية الراهنة، بل تحولت إلى ساحة لتسعير احتمالات وقوع الصدمات المستقبلية.

وهنا، يمكن حتى للشائعات أو الأخبار السياسية، من دون اندلاع حرب جديدة، أن تثير موجة من الاضطراب وتغير مسار القرارات الاقتصادية. فإذا اندلعت جولة جديدة من الحرب، وهو احتمال قوي، فسيكون على الاقتصاد التكيف حتماً مع الظروف الجديدة. ومع ذلك، فإن التكاليف الجيوسياسية والاقتصادية للحرب على دول المنطقة والاقتصاد العالمي تشكل دوافع جدية لاحتواء المواجهة. فلا يمكن لأي من الأطراف الرئيسية تجاهل تداعيات التعطيل طويل الأمد للملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة.

وأظهرت تجربة المواجهات الأخيرة أيضاً أن وقف الهجمات لا يعني بالضرورة انتهاء الصدمات الاقتصادية. فعندما لا يتشكل اتفاق سياسي مستدام، تواصل الأسواق إدراج احتمال عودة المواجهات في حساباتها بدلاً من تسعير السلام. ونتيجة لذلك، قد يفسح أي هدوء مؤقت المجال أمام موجة جديدة من الاضطراب عند أول مؤشر على تعثر المفاوضات أو تصاعد التهديدات العسكرية.

وهنا تحديداً يتحول خطر الحرب إلى خطر دائم يواجه الاقتصاد: فلا الحرب تنتهي بصورة كاملة، ولا يستطيع الاقتصاد العودة إلى أفق موثوق من الاستقرار. وفي هذا السياق، تكتسب أدوار كبار الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات المالية أهمية أيضاً. كما أن قسماً من الناشطين في أسواق الأصول ابتعدوا عن الأنشطة الإنتاجية، وكذلك الشركات الحكومية والمؤسسات التابعة للدولة والمصارف من بين الجهات التي يمكن لسلوكها التأثير في تقلبات الأسواق. وفي بيئة أصبحت فيها أسعار الأصول حساسة للتطورات السياسية، قد تسهم أنشطة هذه الجهات في زيادة حدة التقلبات وعدم الاستقرار. وفي الوقت نفسه، تبدو قدرة الحكومة والأجهزة الرقابية على إدارة هذا الوضع محدودة.

وتُظهر تجربة التدخلات في سوق الصرف والسياسات المرحلية لضبط الأسعار أن إجراءات مثل ضخ العملات الأجنبية، أو تقييد نشر أسعار الصرف، أو ملاحقة الجهات التي تعلن الأسعار، لا تستطيع وحدها القضاء على أسباب عدم الاستقرار. فعندما تظل التوقعات السياسية مضطربة، لا يعني ضبط الأسعار مؤقتاً بالضرورة انخفاض المخاطر. وهناك فرق بين إخفاء مظاهر الاضطراب ومعالجة العوامل التي تتسبب فيه؛ فإذا استمرت حالة عدم اليقين، فقد تعود ضغوط السوق من جديد، ولكن عبر مسار مختلف.

غير أن التكلفة الرئيسية لهذا الوضع قد تتضح بصورة أكبر بعد انتهاء المواجهات. فالعودة إلى مسار الإنتاج والاستثمار لا تحدث تلقائياً. وقد يظل المنتج والمستثمر الحقيقي، الذي تعرض لأشهر أو سنوات لصدمات سعر الصرف واضطراب التجارة والتغيرات المفاجئة في الظروف السياسية، حذراً في اتخاذ القرارات طويلة الأمد حتى بعد تراجع التوتر. فشبكات التوريد والعلاقات التجارية وخطط التنمية والثقة الاقتصادية لا تعود إلى وضعها السابق بمجرد إعلان وقف إطلاق النار. وكلما طال أمد عدم اليقين، ارتفعت تكلفة إعادة بناء هذه القدرات. وستكون هذه التكلفة أكبر بكثير بطبيعة الحال إذا تعرضت البنية التحتية للطاقة والاتصالات لأضرار خلال الحرب المحتملة.

وبالنسبة إلى الناشطين الاقتصاديين، لا يمكن تقييم آفاق الأشهر المقبلة من خلال توقع احتمال شن هجوم أو توقف المواجهات فحسب. فاستمرار وقف إطلاق النار، ومسار المفاوضات، ووضع صادرات النفط والإيرادات من العملات الأجنبية، وإمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي يحول دون تكرار التوتر، كلها عوامل تؤثر في تحديد اتجاه الأسواق.

وقد يؤدي التراجع المؤقت للتوتر إلى هدوء قصير الأمد في أسواق العملات والذهب وغيرها، لكن هذا الهدوء لن يكون بالضرورة مستداماً في غياب أفق سياسي يمكن التعويل عليه.

لا ينبغي التقليل من شأن الحرب وتداعياتها المباشرة، لكن الخطر الأكبر على الاقتصاد الإيراني يتمثل في تحول حالة عدم اليقين إلى وضع طبيعي، سواء خلال انتظار الحرب أو في الفترة الفاصلة بين حرب وأخرى. فالاقتصاد الذي يخطط باستمرار لمواجهة الصدمة التالية، قبل الحرب وأثناءها وبعدها، لن يستعيد هدوءه بسرعة حتى مع توقف الهجمات.

ولا يقتصر الخطر الرئيسي على الاقتصاد الإيراني على اندلاع الحرب، بل يشمل أيضاً غياب نهاية واضحة لها واستمرار حالة عدم اليقين التي قد تُبقي الإنتاج والاستثمار ومعيشة المواطنين على الهامش لسنوات. وبالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، لا تقل أهمية رفع الحصار البحري والعقوبات عن أهمية إنهاء الحرب بصورة دائمة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى