“الأخ محسن”… من هو محسن رضائي ولماذا عاد اسمه إلى الواجهة في خضم مفاوضات السلام؟

يمكن اعتبار رسالة فانس تطوراً أعاد وضع رضائي في موقع مختلف عن الصورة التي عرفه بها الرأي العام خلال السنوات الماضية.

ميدل ايست نيوز: يتنقل محسن رضائي منذ سنوات بين الميدان العسكري والساحة السياسية، فهو شخصية تعود إلى الواجهة في كل مرة بدور جديد، ويُطرح اسمه اليوم أيضاً في الحسابات الدبلوماسية للبلاد.

مؤخراً ازدادت الإشارات إلى محسن رضائي عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً منذ أن وجّه جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني دعا فيها إلى مفاوضات سلام، فيما يترقب الجميع الآن لمعرفة رد طهران. وقد كتب أحد المستخدمين بسخرية على منصة «إكس» أن تعليقاً إيجابياً واحداً فقط كان يظهر سابقاً بين 800 تعليق على المنشورات المتعلقة به، لكن عدد مؤيديه ازداد اليوم.

وبعيداً عن مضمون الرسالة التي وجّهها نائب دونالد ترامب إلى محسن رضائي، وعن الرد الإيراني المحتمل، فإن مخاطبة مسؤول أميركي رفيع له تحمل رسالة مهمة، تكشف جانباً آخر من مسؤوليات محسن رضائي بصفته أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو اضطلاعه بدور دبلوماسي رغم شهرته بخلفيته العسكرية، وهي الخلفية التي جعلت الأوساط غير الرسمية تطلق عليه لقب «الأخ محسن».

وروى ديفيد إغناتيوس، كبير محللي الشؤون الدولية وكاتب العمود في صحيفة واشنطن بوست، سبب إرسال فانس الرسالة بأوامر من ترامب، قائلاً: «خلصت إدارة ترامب إلى أن محسن رضائي هو أهم جهة اتصال للتوصل إلى اتفاق في طهران، وربما الشخصية الوحيدة القادرة على بناء توافق بين مختلف تيارات السلطة لوقف البرنامج النووي وإنهاء الحرب».

وبحسب ما ادعاه إغناتيوس، فإن «تقديرات الأجهزة الاستخباراتية الأميركية تشير إلى أن محسن رضائي على تواصل مستمر مع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وأنهما أجريا محادثات خلال الأيام الأخيرة عقب تلقي رسالة فانس. كما يُقال إن محسن رضائي عزز نفوذه داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، بعد إعادة هيكلة المجلس وتعيين شخصيات مقربة منه. ويُعد تواصله مع المسؤولين عن الملف الاقتصادي الإيراني من العوامل الأخرى التي لفتت انتباه واشنطن».

لكن، بعيداً عن هذه الادعاءات، تولى محسن رضائي خلال السنوات الماضية مسؤوليات متنوعة. فقد كان أحد كبار قادة الحرس الثوري، وتولى قيادته خلال الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات. وبعد انتهاء الحرب، واصل قيادة هذه المؤسسة حتى عام 1997، أي بعد تسع سنوات من انتهائها، قبل أن ينتقل إلى واحدة من أهم مؤسسات صنع السياسات في البلاد.

وتشمل محطات مسيرته المهنية أيضاً توليه أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام لفترة طويلة، وترشحه أربع مرات للانتخابات الرئاسية، فضلاً عن توليه منصب مساعد الرئيس للشؤون الاقتصادية في حكومة إبراهيم رئيسي. واليوم، ومع وجوده في أمانة أهم مؤسسة أمنية في البلاد، بات اسمه مرتبطاً بأبرز الملفات الإيرانية، من بينها التفاوض مع الولايات المتحدة والحرب العسكرية مع واشنطن وإسرائيل وغيرها.

قيادة الحرس الثوري في سن السابعة والعشرين

اسمه الكامل محسن سبزوار رضائي ميرقائد، ويُعرف اختصاراً باسم محسن رضائي. وُلد في سبتمبر/أيلول 1954 بمدينة مسجد سليمان. وبعد إنهائه المرحلة الابتدائية وجزءاً من المرحلة المتوسطة، اجتاز امتحان القبول في المدرسة الصناعية التابعة لشركة النفط الوطنية، وانتقل إلى مدينة الأهواز.

وخلال تلك الفترة، بدأ نشاطه المعارض لحكم الشاه، وفي أثناء استعداده للمشاركة في امتحان القبول الجامعي، اعتقله جهاز السافاك، قبل أن يُفرج عنه بعد خمسة أشهر من السجن. وفي عام 1974، قُبل في قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة علم وصنعت، وانتقل إلى طهران، حيث انخرط خلال سنواته الأولى في العاصمة في النشاطات المسلحة ضد حكم الشاه.

تزوج رضائي في العام نفسه، 1974، من معصومة خدنك، التي عرّفه بها إمام الجماعة آنذاك في مسجد أحمدية نارمك. وأسفر الزواج عن خمسة أبناء هم أحمد وسارة وعلي وزهراء ومهدية.

وكان رضائي قد ترك دراسته الجامعية عام 1974، لكنه عاد إليها بعد إحلال السلام، وغيّر تخصصه من الهندسة الميكانيكية إلى الاقتصاد، وأكمل مرحلة البكالوريوس في جامعة طهران.

كان أحد أعضاء اللجنة المؤلفة من 12 شخصاً التي وضعت النظام الأساسي للحرس الثوري في شتاء عام 1978. وتولى رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري بين عامي 1979 و1981، قبل أن يُعيّن عام 1981، حين كان يبلغ 27 عاماً فقط، قائداً للحرس الثوري الإسلامي بقرار من الإمام الخميني، وظل في هذا المنصب حتى عام 1997، أي لمدة 16 عاماً.

في الواقع، لم تكن قيادة رضائي للحرس الثوري مجرد مسؤولية عسكرية خلال سنوات الحرب، بل تولى على مدى فترة طويلة قيادة مؤسسة عسكرية كانت تطوّر بنيتها وقدراتها بالتزامن مع تطورات الحرب. وقد ارتبط اسمه بالعمليات العسكرية الكبرى والقرارات العسكرية التي اتُخذت في تلك المرحلة. ومن هذا المنطلق، تُعد تجربته في الحرب وقيادته للحرس الثوري من أبرز مكونات هويته السياسية والإدارية.

لكن فترة قيادته لم تخلُ من النقاش والخلافات. فبعض القرارات العسكرية وطريقة إدارة العمليات الحربية، من بين الملفات التي ظلت موضع نقاش بعد سنوات طويلة، في روايات مختلفة عن الحرب. ومع ذلك، فإن ما يكتسب أهمية عند استعراض مسيرة رضائي هو طول الفترة التي أمضاها على رأس قيادة الحرس الثوري، والخبرة التي اكتسبها من توليه قيادة هذه المؤسسة العسكرية.

وبعد تنحي رضائي عن قيادة الحرس الثوري عام 1997، وتعيينه عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام بقرار من المرشد الأعلى الراحل، تغير مساره السياسي. فقد انتقل من مسؤولية عسكرية مباشرة إلى مؤسسة تُناقش فيها القضايا السياسية والاقتصادية الكبرى وسياسات البلاد.

محاولات الوصول إلى قصر الرئاسة

إن تولي محسن رضائي أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام لمدة 24 عاماً جعله يتحول من قائد عسكري إلى شخصية سياسية حاضرة في بنية صنع القرار ورسم السياسات في البلاد. وقد حاول مراراً دخول المنافسة السياسية والانتخابات الرئاسية للوصول إلى رأس السلطة التنفيذية، لكنه لم يتمكن، رغم ترشحه أربع مرات، من دخول مقر الرئاسة في شارع باستور.

ويمكن النظر إلى مشاركات محسن رضائي الانتخابية باعتبارها محاولات لترسيخ مكانته بوصفه شخصية سياسية وتنفيذية. ورغم أن هذه المنافسات لم توصله إلى منصب الرئاسة، فإن مشاركاته جعلت اسمه حاضراً ضمن الشخصيات السياسية في البلاد خلال عدة دورات انتخابية.

تعود أول مشاركة لرضائي في الانتخابات الرئاسية إلى عام 2005، حين دخل السباق تحت شعار «حكومة الحب»، لكنه انسحب من المنافسة قبل يومين من موعد الانتخابات.

كما خاض الانتخابات الرئاسية عامي 2009 و2013، لكنه حل ثالثاً ورابعاً على التوالي، بعدما حصل على 681 ألف صوت، بنسبة 1.73%، و3 ملايين و884 ألف صوت، بنسبة 10.59%.

أما آخر تجربة انتخابية له فتعود إلى عام 2021، حين دخل الانتخابات الرئاسية، وهو في سن السادسة والستين، بوصفه أكبر المرشحين سناً في تلك الانتخابات التي شهدت إقبالاً ضعيفاً، لكنه لم يتمكن مجدداً من تحقيق فرصة للفوز.

وعقب وفاة إبراهيم رئيسي عام 2024 والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، أصدر رضائي بياناً أعلن فيه أنه «لا يعتزم الترشح للانتخابات الرئاسية في هذه المرحلة الحساسة، وسيكرّس جهوده لبناء التوافق ومساعدة الحكومة المقبلة».

شكوى رضائي من تراجع قيمة الريال وصولاً إلى حكومة إبراهيم رئيسي

درس رضائي الاقتصاد، وذكر خلال المنافسة الانتخابية عام 2021 أن أطروحته الجامعية كانت تتعلق بالنقود والائتمان، وأنه اجتاز دراسته بمعدل يزيد قليلاً على 19. ويشير ذلك إلى أن محسن رضائي حاول، إلى جانب خلفيته السياسية والعسكرية، تقديم رؤيته وبرامجه بالاستناد إلى القضايا الاقتصادية. ومع ذلك، ظلت شكواه من تراجع قيمة العملة الوطنية، حين عرض ورقة نقدية من فئة ألف تومان أمام كاميرات هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، حاضرة في ذاكرة المواطنين لسنوات.

وقد رد رضائي ذات مرة عبر تغريدة على سخرية المواطنين، قائلاً: «يسخر الناس ويقولون: بما أننا لم نحقق أحلامنا، فلنفعل شيئاً حتى يحقق فلان حلمه على الأقل! يا شعب إيران المحبوب، حلمي ألا يكون هناك فقير في البلاد، وأن تصل ثروات البلاد إلى أيديكم أنتم. حلمي أن تنعموا جميعاً بالراحة والسعادة والرفاه. حلمي هو حلمكم».

لكن، رغم ذلك، ظلت الرؤى الاقتصادية لمحسن رضائي موضع انتقاد. ولا سيما أن وثيقة الرؤية الاستراتيجية لعشرين عاماً كُتبت في مطلع العقد الأول من الألفية، بالتعاون معه ومشاركته في مجمع تشخيص مصلحة النظام، بهدف «تحويل إيران خلال 20 عاماً إلى القوة الأولى في جنوب غرب آسيا»، وهو ما لم يتحقق.

من جهة أخرى، أتاح دخوله حكومة إبراهيم رئيسي بصفته مساعداً للرئيس للشؤون الاقتصادية فرصة لمتابعة خبرته من موقع مسؤول تنفيذي في المجال الاقتصادي. لكنه استقال في نهاية المطاف، بسبب تعثر حكومة رئيسي وغياب التنسيق في الملف الاقتصادي، والارتفاع المتواصل للأسعار، فضلاً عن اختلاف رؤاه وحلوله مع محمد مخبر، النائب الأول للرئيس آنذاك.

رسالة فانس وتولي رضائي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي: الحرب أم التفاوض؟

بعد استشهاد علي لاريجاني واستقالة محمد باقر ذو القدر من منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، جاء الدور على محسن رضائي، الذي عُيّن بقرار من الرئيس أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، بالتزامن مع تكليفه، بقرار من المرشد الأعلى، بتمثيله في المجلس. وجاء ذلك في وقت لا يزال فيه شبح الحرب يخيم على البلاد، فيما انتهى تفاهم إسلام آباد قبل موعده القانوني.

ويُعد المجلس الأعلى للأمن القومي أهم وأعلى مؤسسة أمنية في البلاد، إذ يناقش أعضاؤه القرارات الكبرى للنظام ويصادقون عليها، ثم تُحال إلى المؤسسات المعنية لتنفيذها بعد توقيع المرشد الأعلى عليها. لذلك، لا تقتصر مسؤوليات أمين المجلس على القضايا العسكرية، بل تشمل أيضاً الملفات الاجتماعية والسياسة الداخلية والسياسة الخارجية والعلاقات الأمنية مع الدول الأخرى.

وفي ظل هذه الظروف، تكتسب مخاطبة نائب الرئيس الأميركي لمحسن رضائي أهمية أكبر، بصرف النظر عن موقعه القانوني. فالقرارات المتعلقة بالتفاوض مع الولايات المتحدة ينبغي أن تُناقش وتُعتمد في مؤسسة مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، وبعد توقيع المرشد الأعلى على القرار، يُكلّف وزير الخارجية بمتابعة تنفيذ المواقف الإيرانية وإدارة دبلوماسية البلاد.

وعليه، يمكن اعتبار رسالة فانس تطوراً أعاد وضع رضائي في موقع مختلف عن الصورة التي عرفه بها الرأي العام خلال السنوات الماضية. فبعد أن أمضى سنوات على رأس الحرس الثوري، ثم تحول إلى شخصية سياسية تسعى إلى خوض الانتخابات الرئاسية، بات اسمه اليوم مرتبطاً بملفات الدبلوماسية والمفاوضات مع الولايات المتحدة. ومن هنا، يبقى السؤال عما إذا كان رضائي، بالاستناد إلى خبراته في المجالات المختلفة، قادراً على أداء دور مؤثر في المسار الدبلوماسي أم لا.

اقرأ ايضا

الصحافة الإيرانية: لماذا رحب معارضو المفاوضات بتغيير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى