الصحافة الإيرانية: القدرة الاستراتيجية لإيران وآفاق الترتيبات الإقليمية

يتمثل المسار الواقعي لضمان أمن المنطقة في الحد من المنافسات المستنزفة، وإدارة الخلافات، وتعزيز التقارب بين دول المنطقة.

ميدل ايست نيوز: باتت إعادة النظر في الترتيبات الأمنية لغرب آسيا تعتمد أكثر من أي وقت مضى على قدرة الأطراف الإقليمية على تحويل الحوار السياسي إلى آليات عملية.

يقول حميد خوش‌ آيند، الخبير في الشؤون الإقليمية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إن التطورات العسكرية والأمنية التي شهدتها منطقة غرب آسيا خلال عام 2026 كشفت عن مؤشرات على مراجعة تدريجية لنموذج تأمين الأمن التقليدي، وعن توجه الأطراف الإقليمية نحو الحد من كلفة انعدام الاستقرار. وقد أثار استمرار التوترات، وتعرّض البنى التحتية للطاقة للمخاطر، وارتفاع تكاليف الوجود العسكري الأمريكي، وتعقّد معادلات الردع، تساؤلات بشأن إمكانية أن يحل «نموذج الأمن المحلي والجماعي» تدريجياً محل الترتيبات التقليدية.

وفي هذا السياق، تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد الأطراف المحورية في أي معادلة أمنية في غرب آسيا، مستندة إلى موقعها الجيوسياسي، وقدراتها الردعية، ودورها المؤثر في أمن مضيق هرمز. وأظهرت تجربة التطورات خلال العقود الأخيرة أن إقامة بنية أمنية مستقرة ستواجه قيوداً جدية من دون أخذ مكانة إيران في الحسبان، وهي وجهة نظر أكدها أيضاً بعض كبار المسؤولين في البلاد. ومع ذلك، تفرض ديناميات المنطقة الجديدة إعادة النظر في سبل التعامل مع التحالفات والاتفاقيات الناشئة وإعادة تصميمها، بعيداً عن الاعتماد الحصري على النماذج العابرة للأقاليم.

مضيق هرمز: محور جيوسياسي وأرضية لتعزيز التقارب

يُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات حساسية في الاقتصاد العالمي، ونقطة التقاء المصالح الاقتصادية والأمنية لإيران ودول الخليج والقوى العابرة للأقاليم. وقد سلطت الحوادث الأمنية والهجمات التي أُفيد باستهدافها سفناً مخالفة خلال الأسابيع الأخيرة، في أكتوبر/تشرين الأول 2026، الضوء بصورة أكبر على هشاشة ممرات الطاقة ومحدودية النماذج الحصرية لتوفير الأمن.

وتُشكل قدرة إيران على التأثير في أمن هذا الممر المائي وإدارته ميزة استراتيجية تزداد أهميتها بالتوازي مع ضرورة خفض التوترات الإقليمية. كما يرتبط التطور والاستقرار الاقتصاديان لدول الخليج، واستمرار صادرات الطاقة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، بتوفير الأمن المستدام للممرات البحرية، وهو ما يبرز دور إيران في الحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية لهذه الدول.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تتيح المسارات الحالية إقامة توازن بين القدرات الجيوسياسية الإيرانية والتعاون الإقليمي لحماية خطوط الملاحة البحرية، وتأمين البنى التحتية، وإدارة التحديات القائمة. ويتطلب تحقيق نتائج ملموسة في هذا المسار حواراً مستمراً ودبلوماسية نشطة بين دول الخليج.

أهمية الاستفادة من مواطن ضعف الترتيبات الأمنية العابرة للأقاليم

جعل تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، وارتفاع تكاليف الحفاظ على القواعد العسكرية الأمريكية، استمرار الوجود الأمريكي المباشر يواجه تحديات متزايدة. ومع ذلك، لا تزال الروابط العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وواشنطن قائمة. فقد بنت السعودية والإمارات وقطر والبحرين خلال السنوات الماضية جزءاً كبيراً من ترتيباتها الأمنية على التعاون مع الولايات المتحدة، ولن يكون تغيير هذه الارتباطات أمراً ممكناً في وقت قصير.

وفي ظل هذه الظروف، يمكن للسياسة الإقليمية الإيرانية أن تركز، بدلاً من الانخراط في استقطابات سياسية ثنائية، على بناء التقارب الأمني التدريجي وتعزيزه. ومن شأن وضع آليات وتقديم مبادرات تشجع دول المنطقة على التعاون متعدد الأطراف لخفض التهديدات، وإدارة الخلافات، ومواجهة العوامل المسببة لعدم الاستقرار، أن يقلل من المقاومة السياسية للمبادرات المحلية، ويمهد الطريق أمام دور إيراني أكثر فاعلية.

اجتماع طهران واتفاقية مكة: ديناميات جديدة

يمثل انعقاد الاجتماع الرباعي بين إيران والسعودية وتركيا وباكستان في طهران مؤشراً على تحرك الدبلوماسية الإقليمية ورغبة بعض الأطراف الرئيسية في إدارة الخلافات بصورة مباشرة. وعلى الرغم من أن الاختلاف في الهياكل الدفاعية لهذه الدول، ومن بينها عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والعلاقات الأمنية التي تربط باكستان والسعودية بالغرب، يشكل عائقاً أمام إقامة تحالف دفاعي متماسك على المدى القصير، فإن أهمية الاجتماع تكمن في إنشاء قنوات اتصال مباشرة ومستقلة، وتعزيز الفهم المشترك لضرورة خفض التوترات.

ولا شك أن توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس/آب 2026 قد يعكس مساعي هذه الدول إلى تعزيز التنسيق الدفاعي والردع الجماعي. ومع ذلك، فمن الواضح أن أي ترتيبات أمنية شاملة لن تتمكن من تحقيق النتائج المنشودة والمستدامة من دون مراعاة مصالح إيران وقدراتها واعتباراتها الأمنية. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تستند استراتيجية طهران إلى متابعة التطورات، ومواصلة الدبلوماسية مع دول الجوار وتعزيزها، والتأكيد على ضرورة التعاون الجماعي والمشاركة الشاملة لدول المنطقة.

بنية الأمن الجماعي: من الحوار إلى بناء المؤسسات

يتطلب تشكل نظام أمني جديد في غرب آسيا عملية تدريجية ومنظمة تستند إلى عدة محاور رئيسية:

1. الدبلوماسية الأمنية الثنائية والإقليمية: مواصلة الحوارات المنتظمة بين إيران ودول الخليج بشأن التهديدات الناشئة، وأمن البنى التحتية الحيوية، وإدارة الخلافات.

2. إنشاء آليات لإدارة الأزمات: إقامة خطوط اتصال طارئة بين المراكز البحرية والعسكرية لمنع سوء التقدير واحتواء الحوادث غير المتوقعة.

3. التقارب الاقتصادي والترانزيت: ربط المصالح الاقتصادية ومشروعات الطاقة وأمن خطوط النقل بهدف الحيلولة دون المواجهة بسبب تكاليفها، وتعزيز الاستقرار السياسي.

4. إنشاء منتدى للحوار الأمني: تأسيس مؤسسة محلية بمشاركة دول المنطقة، استناداً إلى مبادئ احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل والأمن المتبادل.

إن الانتقال إلى نظام أمني جديد في غرب آسيا يتطلب اضطلاع إيران بدور فاعل ومشاركتها في الترتيبات الإقليمية. وقد لفتت تطورات حرب الأربعين يوماً التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، انتباه دول المنطقة أكثر من أي وقت مضى إلى تكاليف الاعتماد الحصري على الترتيبات الأمنية العابرة للأقاليم. كما تُظهر تجربة السنوات الأخيرة أن أي بنية أمنية مستقرة وفاعلة يجب أن تأخذ دور إيران واعتباراتها الأمنية في الحسبان.

في الختام، يتمثل المسار الواقعي لضمان أمن المنطقة في الحد من المنافسات المستنزفة، وإدارة الخلافات، وتعزيز التقارب بين دول المنطقة. ويتوقف تحقيق هذا الهدف على وجود إرادة مشتركة بين دول المنطقة، وإنشاء آليات اتصال وأمن مستدامة، وتحويل التفاهمات والإرادة السياسية إلى أوجه تعاون عملية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى