الصحافة الإيرانية: هل تشير التطورات الجديدة إلى بداية جولة ثانية من الحرب الإيرانية الإسرائيلية؟
تتوقع أغلب التقديرات أن تكون الحرب المقبلة بين إيران وإسرائيل – إن وقعت – أكثر «استنزافاً» و«اتساعاً» من السابقة، مع احتمالات انخراط جبهات في لبنان واليمن والعراق، إلا إذا نجحت المساعي الدبلوماسية في كبح مسار التصعيد.
ميدل ايست نيوز: طوال الأسابيع الماضية، شهدت الساحة المرتبطة بإيران في ملفات السياسة الخارجية والأمن الإقليمي والبرنامج النووي سلسلة تطورات تعكس مرحلة حساسة من المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين استراتيجيات الضغط والتهديد التي تمارسها الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث وإسرائيل.
وفي تقرير له، قال موقع فرارو الإيراني، إن هذه التطورات تأتي إلى جانب الحرب المعلوماتية والاقتصادية التي يخوضها الغرب وإسرائيل ضد إيران، لتؤكد أكثر من أي وقت مضى ضرورة تعزيز الدبلوماسية النشطة وقدرات الردع الوطني، خصوصاً مع تزايد التهديدات الإقليمية والقضايا المرتبطة بالأمن القومي.
وفي هذا الإطار، شدد كبار المسؤولين الإيرانيين، دبلوماسيين وعسكريين، على أن الإجراءات غير القانونية والتصعيدية من جانب الغرب لن تمر من دون رد مناسب، مؤكدين حق البلاد في الدفاع المشروع وصون الاستقلال والأمن الوطني. وانتقد رضا نجفي، المندوب الدائم لإيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مساعي واشنطن والترويكا الأوروبية لتمرير مشروع قرار جديد في مجلس المحافظين، معتبراً ذلك استغلالاً واضحاً للآليات الدولية ومحاولة لفرض رؤى هيمنية على إيران. وأوضح أن الضغط على المدير العام للوكالة لإعداد تقارير استناداً إلى قرارات منتهية الصلاحية في مجلس الأمن عمل غير قانوني، ولا يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وتوجيه ضربة جديدة للدبلوماسية. وأكد أن مثل هذه التحركات لن تغيّر من موقف الجمهورية الإسلامية، داعياً الدول الأخرى إلى مواجهة النهج الأحادي المدمر للولايات المتحدة وحلفائها.
وفي مناخ التوتر نفسه، كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية عن ضغوط أمريكية جديدة على الوكالة الدولية بهدف طلب تفتيش مخزونات اليورانيوم الإيرانية، في خطوة وصفتها هذه المصادر بأنها جزء من عملية «تهيئة غطاء دولي» لعمل عسكري محتمل ضد المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، بالتنسيق مع إسرائيل.
وتشير هذه المصادر إلى أن واشنطن تعتمد استراتيجية مزدوجة: أولاً، تشديد الضغط الخارجي عبر تضخيم ملف الصواريخ الإيرانية؛ ثانياً، تعزيز الضغط الداخلي عبر الربط بين الأزمة الاقتصادية والسياسات العليا للدولة، بهدف تهيئة الرأي العام لأي مواجهة محتملة.
إيران في مواجهة هندسة الضغوط متعددة الطبقات الأمريكية
يرى محللون وخبراء غربيون أن هذه التطورات تعكس محاولة أمريكية لدفع إيران إلى ملعب تختاره واشنطن. فالغرب يسعى، عبر مراكمة العقوبات وتكثيف الضغط النفسي وتعميق الانقسامات الداخلية واستغلال الظروف الإقليمية، إلى دفع طهران نحو التراجع. في المقابل، تواجه إيران هذا النهج عبر تعزيز قوتها الصاروخية، وتفعيل شبكتها الإقليمية، وتكثيف تعاونها مع قوى كبرى مثل روسيا والصين. وتشير التحليلات إلى أن العقوبات، من منظور أمريكي، ليست الهدف النهائي، بل جزء من عملية تمهيدية لعمل أمني أو عسكري محتمل.
وفي الجانب الدفاعي، تظهر مواقف وتحركات الأجهزة العسكرية الإيرانية مستوى من الانسجام والعزم على تعزيز الردع. فقد أكد العميد أبو الفضل شكارجي، المتحدث باسم هيئة الأركان، خلال إحياء ذكرى حسن تهراني مقدم (أبو البرنامج الصاروخي الإيراني)، أن إيران لن تضعف وأن «حلم زوال إسرائيل» الذي آمن به تهراني مقدم سيُحقق. بالتوازي، افتتحت قوات الحرس الثوري معرضاً لإنجازاتها الصاروخية والدرون، وجرى عرض جزء منه للجمهور لتعزيز الثقة الشعبية بما يسميه المسؤولون «قدرة الردع الوطنية».
سيناريو مواجهة ثانية؛ التطوير التسليحي الإيراني وقلق إسرائيل الاستراتيجي
على المستوى الإقليمي، أفادت مصادر عسكرية بأن إيران دخلت في مرحلة جديدة من الاستعداد الدفاعي خلال الأسابيع الأخيرة؛ بدءاً من التفاوض مع روسيا والصين لشراء منظومات دفاعية متقدمة وطائرات مقاتلة حديثة، وصولاً إلى رفع دقة الصواريخ الباليستية وتطوير طرازات جديدة من المسيرات الهجومية. يأتي ذلك بالتزامن مع تفعيل شبكات استخبارية داخل إسرائيل، ورسم بنك أهداف حساس، وتعزيز الدفاعات الداخلية، في سياق توقعات باندلاع «جولة ثانية» من المواجهة بين إيران وإسرائيل.
وتشير تقديرات مراكز الدراسات والأمن في الغرب وإسرائيل إلى أن أي حرب مقبلة ستكون أطول وأعقد، وأن الطرفين يستعدان لسيناريوهات متعددة تشمل عمليات سيبرانية وهجمات صاروخية ومسيرات وتخريب بنى تحتية حيوية.
وترى إيران أن الحفاظ على قدرة ضرب العمق الإسرائيلي وحماية منشآتها الحساسة، إضافة إلى استمرار شراكاتها الإقليمية، يمثل أساس الردع. بينما تسعى إسرائيل، بدعم أمريكي، إلى استغلال الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي في إيران لفرض قيود إضافية أو إضعاف النظام. وتتوقع أغلب التقديرات أن تكون الحرب المقبلة – إن وقعت – أكثر «استنزافاً» و«اتساعاً» من السابقة، مع احتمالات انخراط جبهات في لبنان واليمن والعراق، إلا إذا نجحت المساعي الدبلوماسية في كبح مسار التصعيد.
تُظهر هذه التطورات أن إيران تواجه مزيجاً من الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية، لكنها في المقابل تعتمد على قدراتها الدفاعية والصاروخية واستقلالها السياسي ودبلوماسيتها النشطة وشبكتها الإقليمية لتعزيز الردع وصون مصالحها الوطنية. تمثل هذه المرحلة اختباراً حقيقياً يبرز أهمية التماسك الداخلي، وتعزيز موقع الدبلوماسية، والتمسك بالثوابت الاستراتيجية، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر في الشرق الأوسط وبروز سيناريوهات جديدة للصراع الإقليمي.



