الصحافة الإيرانية: كيف يحدّ الممر الوسيط من نفوذ روسيا على نفط كازاخستان؟

ترى واشنطن وتل أبيب أن ضم كازاخستان وأذربيجان إلى محور الطاقة الغربي لا يضمن فقط أمن الإمدادات، بل يحد من النفوذ الجيوسياسي لروسيا وإيران في بحر قزوين.

ميدل ايست نيوز: لا يمثل انضمام كازاخستان إلى اتفاق التطبيع مجرد خطوة دبلوماسية، بل يشير إلى بداية تحول هيكلي في نظام الطاقة في آسيا الوسطى. هذا القرار، المرتبط بمشروع الممر الوسيط وبدعم من الغرب، يمكن أن يحد من نفوذ روسيا على صادرات النفط الكازاخستاني ويفتح مسارًا جديدًا لربط بحر قزوين بالأسواق الأوروبية.

وقال فرشید فرحناکیان، دكتوراه في قانون النفط والغاز، في مقال نشرته صحيفة دنياي اقتصاد، إنه على الفور بعد طرح الموضوع، وخلال زيارة الرئيس الكازاخستاني إلى موسكو في 11 نوفمبر 2025، حاول قاسم جومارت توكاييف إظهار العلاقات بـ«استراتيجية وبدون مشاكل»، لكن فلاديمير بوتين أبدى بشكل غير رسمي في لقاءات مغلقة مخاوفه بشأن تراجع نفوذ روسيا في كازاخستان. وبجانب هذه الزيارة، تحدث الطرفان عن إمكانات التعاون الاقتصادي بقيمة 31 مليار دولار، لكن الواقع يشير إلى تراجع فعلي في مستوى التفاعل.

تشير البيانات الجديدة إلى أن عدد الشركات الروسية العاملة في كازاخستان انخفض من 19,400 شركة في ذروة 2024 إلى 17,500 شركة في الأشهر التسعة الأولى من 2025، بانخفاض قدره 7.2 بالمئة نتيجة «تغيرات لوجستية وضغوط العقوبات». ومع التأكيد على التعاون الاقتصادي، تتضح الفجوة الهيكلية في العلاقات بين البلدين يومًا بعد يوم.

تتمتع كازاخستان باحتياطيات نفطية تبلغ أكثر من 30 مليار برميل، ما يجعلها ثاني أكبر منتج للنفط بعد روسيا في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي. أكثر من 80 بالمئة من صادراتها النفطية تمر عبر خط أنابيب اتحاد بحر قزوين (Caspian Pipeline Consortium) الذي ينقل نفط حقول تنغيز وكاشاغان إلى ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود. يمتد هذا الخط لمسافة 1500 كيلومتر ويصل طاقته إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، ما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد الكازاخستاني، لكن اعتماد البلاد الكبير على البنية التحتية الروسية يجعلها عرضة للتقلبات الجيوسياسية.

استخدمت روسيا خلال السنوات الأخيرة موقعها في خط أنابيب CPC للضغط عدة مرات. ففي 2022، توقفت صادرات كازاخستان لعدة أسابيع بحجة تسرب نفط على سواحل نوفوروسيسك. من منظور جيواقتصادي، يمنح التحكم في البنية التحتية للطاقة روسيا القدرة على استخدام أدوات فنية ولوجستية للضغط دون فرض عقوبات رسمية.

يمهد انضمام كازاخستان إلى اتفاقيات أبراهام، إلى جانب تعزيز التعاون السياسي مع إسرائيل والولايات المتحدة، الطريق للدبلوماسية متعددة الأطراف في مجال الطاقة. هذا الاتفاق يمكن أن يشكل إطارًا لجذب الاستثمارات الغربية في مشاريع النقل والتعدين في كازاخستان، وتحظى هذه الخطوة بدعم واشنطن تحديدًا باعتبارها جزءًا من استراتيجيتها للحد من نفوذ روسيا وإيران في بحر قزوين وآسيا الوسطى.

يمتد الممر الوسيط (Trans-Caspian International Transport Route – TITR) من كازاخستان عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا إلى أوروبا، مرورًا ببحر قزوين، متجاوزًا عمليًا روسيا وإيران، ومن المتوقع أن يوفر بديلًا جزئيًا لمسار CPC. ومع الدعم المالي للاتحاد الأوروبي عبر مبادرة Global Gateway واستثمارات محتملة من إسرائيل في البنية التحتية، يصبح هذا الممر عنصرًا محوريًا في نقل الطاقة خارج السيطرة الروسية.

من الناحية الفنية، يتطلب تطوير الممر الوسيط بالكامل زيادة قدرة موانئ أكتاو وكوريك، وبناء محطات نفطية جديدة في باكو، وتحديث خط باكو–تفليس–جيهان. تُقدّر تكلفة المشروع بين 5 و7 مليارات دولار، لكن مشاركة شركات مثل شيفرون وإكسون موبيل العاملة في مشاريع النفط الكازاخستانية يمكن أن تغطي جزءًا من التكاليف. على المدى القصير، يظل خط CPC لا غنى عنه، لكن على المدى المتوسط، يمكن لتنويع الصادرات أن يقلل من المخاطر الجيوسياسية على أستانا.

يستند اقتصاد كازاخستان، الذي يعتمد على النفط بنسبة تقارب 50 بالمئة من صادراته، في السنوات الأخيرة إلى تقليل اعتماده على روسيا. وتسعى حكومة توكاييف من خلال «برنامج التنمية الصناعية 2030» إلى جذب الاستثمارات الأجنبية في الطاقة النظيفة والتعدين والنقل. وقد يسهم الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام في تسهيل دخول المستثمرين الغربيين في مجالات اليورانيوم والعناصر النادرة والطاقة الشمسية.

ترى واشنطن وتل أبيب أن ضم كازاخستان وأذربيجان إلى محور الطاقة الغربي لا يضمن فقط أمن الإمدادات، بل يحد من النفوذ الجيوسياسي لروسيا وإيران في بحر قزوين. أما إيران، فقد استبعدت من مسار جنوب بحر قزوين للترانزيت، بينما يواجهها تطوير الممر الوسيط شمالًا، ما يضعف موقعها الجيو اقتصادي. وفي المقابل، تتبنى الصين موقفًا حذرًا من تنويع مسارات آسيا الوسطى لتقليل اعتمادها على روسيا في واردات الطاقة.

يمكن اعتبار انضمام كازاخستان إلى اتفاقيات أبراهام الخطوة الأولى نحو فصل بحر قزوين عن البنية التحتية الروسية في مجال الطاقة. ضمن هذا الإطار، تتحول مسارات الطاقة إلى أدوات لتشكيل النظام الجيوسياسي، وإذا تم تمويل الممر الوسيط بدعم غربي، قد تتحول أستانا من دولة مصدرة تعتمد على روسيا إلى لاعب مستقل ووسيط للطاقة بين الشرق والغرب، وهو تحول سيعيد تشكيل موازين القوى في بحر قزوين لعقود قادمة.

اقرأ المزيد

الصحافة الإيرانية: ملامح جيوسياسية لإعادة رسم توازن القوى في آسيا الوسطى

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى