تحليل لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية بشأن الانتخابات التشريعية في سوريا

الانتخابات السورية رغم كونها أول تجربة سياسية رمزية بعد سقوط نظام بشار الأسد إلا أنها من الناحية البنيوية مجرد وسيلة لإعادة إنتاج السلطة ضمن إطار محدود.

ميدل ايست نيوز: قال خبير في شؤون غرب آسيا إنّ أول انتخابات برلمانية في سوريا منذ تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع جرت في ظل غياب إحصاء وطني وهيمنة التعيينات وتدخل اللاعبين الأجانب، ما جعل من الصعب وصفها بأنها انتخابات حرة أو شرعية بالفعل.

وفي حديث لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية، أوضح إبراهيم فراهاني أنّ الانتخابات البرلمانية السورية التي أُجريت يوم الأحد 5 أكتوبر، جاءت في وقتٍ لا تزال فيه البنية السياسية والأمنية للبلاد غير مستقرة. وأضاف أن الحكومة المؤقتة بقيادة الشرع كانت قد وعدت بأن تكون هذه الانتخابات بداية لمسارٍ جديد نحو صياغة دستورٍ دائم وإعادة بناء مؤسسات الدولة، غير أنّ العديد من المحللين يرون أنّ ما حدث لا يمثل عودة للديمقراطية، بل خطوة تمهيدية لتثبيت سلطة الحكومة المؤقتة.

وقال فراهاني إنّ «سوريا في عهد بشار الأسد لم تكن يومًا دولة متماسكة وقوية بالمعنى الكلاسيكي، ومنذ اندلاع الأزمة الداخلية عام 2011 وتآكل سيادة الدولة، تحوّلت سوريا إلى دولة هشّة، لا تسيطر فعليًا إلا على أجزاء محدودة من أراضيها».

وتابع قائلاً إنّ «سقوط حكومة الأسد لم يُحسّن هذا الوضع، بل جعله أكثر سوءًا، إذ إنّ الحكومة المؤقتة الحالية تفتقر إلى الشرعية السياسية والقدرة العسكرية اللازمة لإدارة البلاد وضمان أمنها».

ويرى الخبير في شؤون غرب آسيا أنّ بنية الانتخابات السورية الجديدة لا تعكس رغبة في إشراك الشعب في الحياة السياسية بقدر ما تهدف إلى إضفاء الشرعية على الحكومة المؤقتة. وأوضح أنّه «في غياب أي تعداد وطني دقيق، فإن النظام الانتخابي القائم على ما يُعرف بالكلّيات الانتخابية، يُقصي عمليًا المشاركة الشعبية. فاللجان المكلّفة باختيار ثلثي النواب تمّ تعيينها من قِبل أحمد الشرع نفسه، بينما يُعيَّن الثلث الباقي مباشرة من قِبله».

وأضاف أنّ «مثل هذا الإجراء لا يمكن اعتباره انتخابات، بل هو عملية تعيين منظّمة لتشكيل برلمان تكون مهمته الأساسية صياغة دستور يتناسب مع مصالح الحكومة المؤقتة. البرلمان المقبل لن يكون تجسيدًا للديمقراطية، بل أداة سياسية لترسيخ سلطة أحمد الشرع وحلفائه، وتهيئة الإطار القانوني لاستمرار حكمهم».

وأكد فراهاني أنّ «الظروف الميدانية في سوريا لا تسمح أصلًا بإجراء انتخابات حرة؛ فلا توجد بيانات سكانية دقيقة، ولا إمكانية لنقل صناديق الاقتراع إلى مناطق النزاع، ولا حتى وسيلة واضحة لتحديد من يحق لهم التصويت. وفي مثل هذه الظروف، لا تبدو الانتخابات عملية ديمقراطية، بل أقرب إلى عرض سياسي».

توازن هش بين اللاعبين الأجانب؛ تهديد دائم لدمشق

وأشار فراهاني إلى الدور البارز الذي تلعبه القوى الخارجية في رسم مستقبل سوريا، قائلاً إنّ البلاد تحولت اليوم إلى ساحة تنافس بين تركيا وإسرائيل. ففي الشمال، يزداد نفوذ الأكراد بدعم تركي، على حد قوله، بينما تسيطر الجماعات الدرزية في الجنوب بدعم من إسرائيل، وهو ما يجعل الحكومة المؤقتة لا تبسط سلطتها سوى على المناطق الوسطى من البلاد.

وحذّر من أنّ «إسرائيل تستغل فراغ السلطة في دمشق لتكثيف هجماتها على البنى التحتية العسكرية السورية»، موضحًا أنّه «خلال الأشهر الأخيرة تعرّضت المطارات والمستودعات العسكرية وحتى وحدات السلاح الجوي السورية لهجمات متكررة. وهذه الهجمات لا تهدف فقط إلى إضعاف القدرات العسكرية لدمشق، بل تحمل أيضًا رسالة واضحة من تل أبيب مفادها أنّ على الحكومة الجديدة ألا تتجاوز الخطوط الحمراء الأمنية لإسرائيل».

وأضاف الخبير أنّ «روسيا، رغم انسحابها الرسمي من سوريا، ما تزال تحتفظ بنفوذٍ سياسي وأمني هناك، وتمتلك أدوات ضغط على دمشق يمكنها استخدامها متى شاءت. ورغم أنّ عودة بشار الأسد إلى الحكم تبدو مستبعدة، فإنّ موسكو قادرة على التلويح بهذا الاحتمال لإبقاء حكومة الشرع في موقعٍ ضعيف وتابع».

وشدد فراهاني على أنّ «الانتخابات السورية، رغم كونها أول تجربة سياسية رمزية بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلا أنّها من الناحية البنيوية مجرد وسيلة لإعادة إنتاج السلطة ضمن إطار محدود».

وقال إنّ «الانتخابات لن تستعيد معناها الحقيقي ما دامت سوريا لم تتجاوز مرحلة الدولة الفاشلة، فهذه العملية لا تعدو كونها خطوة أولى نحو نظام سياسي جديد لا تبدو فيه أي ملامح ديمقراطية».

واختتم بالقول إنّ «مستقبل سوريا مرهون بتوازن القوى بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية، والتوصل إلى تفاهم داخلي بين القوى الوطنية». وأضاف أنّ «الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع، إذا عجزت عن تحقيق التماسك الوطني، فإنها ستواجه خطر الانهيار، وما يجري في دمشق اليوم لا يمثل نهاية الأزمة السورية، بل بداية فصلٍ جديد منها».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى