نتائج الانتخابات العراقية تظهر فشل الرهان على مقاطعة الانتخابات

نتائج الانتخابات أظهرت إمكانية حقيقية للمدنيين والقوى الجديدة الناشئة لمنافسة القوى المسيطرة على الساحة.

ميدل ايست نيوز: كشفت نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية التي أُعلنت اليوم الإثنين، عن مفاجآت غير متوقعة لقوى سياسية عدة خسرت موقع الأكثرية، وذلك بعدما شهدت عملية الإعلان عن النتائج تخبطاً واضحاً لمفوضية الانتخابات العراقية التي غيّرت أكثر من مرة موعد الإعلان عن النتائج.

وما أثار المخاوف من محاولات للتأثير على النتائج، الإشاعات المضللة عن وصول زعيم “فيلق القدس”، إسماعيل قآاني، إلى بغداد في زيارة غير معلنة اليوم، وهو ما يبدو الدافع وراء تحذيرات زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، من تدخلات في هذه العملية.

وكتب الصدر على “تويتر” عصر اليوم: “ما يميز هذه الانتخابات أنها جرت تحت إشراف أممي ودولي وقد تم إقرارها منهم. وعليه لا ينبغي التدخل في قرارات المفوضية أو تزايد الضغوط عليها، لا من الداخل ولا من بعض الدول الإقليمية والدولية، فالانتخابات شأن داخلي”. وتابع: “ليكن واضحاً للجميع أننا نتابع بدقة كل التدخلات الداخلية غير القانونية وكذا الخارجية التي تخدش هيبة العراق واستقلاليته”.

وأظهرت النتائج تحقيق “التيار الصدري” المركز الأول، تبعه تحالف “تقدم” التابع لرئيس البرلمان محمد الحلبوسي، فيما خسرت قوى سياسية عدة موقع الأكثرية الذي كانت تتمتع به في البرلمان السابق، على غرار تحالف “الفتح” بزعامة هادي العامري، الذي يمثل الجناح السياسي لـ”الحشد الشعبي”، وتحالف “دولة القانون” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

في المقابل، حققت القوى المدنية والشخصيات المستقلة نتائج مهمة وغير مسبوقة في النجف وكربلاء وذي قار وواسط، في مقابل خسارة شخصيات سياسية بارزة لهذه الانتخابات وفشلها في الحصول على مقعد انتخابي وبفارق كبير عن الفائزين.

وجاءت هذه النتائج مفاجئة، بسبب مقاطعة الكثير من الأطياف المدنية والقوى المنبثقة عن تظاهرات أكتوبر/تشرين الأول 2019، للاستحقاق الذي جرى أمس الأحد، والذي شهد عزوفاً كبيراً، باقتصار المشاركة على نحو 41 في المائة فقط من العراقيين الذين يحق لهم الاقتراع، وهو ما عزز التوقعات بأن يصب في صالح الوجوه الموجودة في الساحة السياسية والمليشيات ويسمح لها بالهيمنة على البرلمان.

غير أن النتائج أظهرت أن خريطة البرلمان لن تسمح لأي كتلة بالانفراد في قرار تشكيل الحكومة أو تحديد رئيسها من دون تشكيل تحالف برلماني، وهو ما يرفع التوقعات بأن المعادلة الجديدة التي أفرزها استحقاق الأحد ستؤدي إلى جولات مفاوضات وتفاهمات واسعة للتوصل إلى صيغة لتشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما لا يتوقع أن يكون سهلاً. كذلك فإن النتائج أظهرت إمكانية حقيقية للمدنيين والقوى الجديدة الناشئة لمنافسة القوى المسيطرة على الساحة، كما طرحت تساؤلات عن صحة خيار العديد من المدنيين مقاطعة هذا الاستحقاق.

وعلى الرغم من حاجة التسليم بنتائج الانتخابات الحالية إلى ثلاثة أيام كما ينص عليه القانون، وهي مهلة المعترضين على النتائج لتقديم طعونهم قبل أن تصادق عليها المحكمة الاتحادية العليا في البلاد، وهو إجراء معمول به منذ عام 2006، لكن لم يسبق أن تسبّبت تلك المهلة بأي تغييرات في النتائج التي تعلنها المفوضية. إلا أن سياسيين ومراقبين عراقيين أكدوا أن المعادلة الجديدة التي أفرزتها الانتخابات ستحتاج إلى جولات مفاوضات طويلة لتشكيل الحكومة واختيار رئيس للجمهورية ورئيس للبرلمان، وهو ما لا يتوقع أن يكون سهلاً وقد يستمر بين شهرين إلى ثلاثة من الآن.

وصعدت قوى جديدة إلى البرلمان، أبرزها حركة “امتداد” المدنية بزعامة علاء الركابي، والتي رفضت الدخول في اتفاق المقاطعة السابق الذي أقرته القوى المدنية والعلمانية لهذه الانتخابات ومضت بالمشاركة. واعتبر مراقبون أن تقدّم “امتداد” أظهر خطأ خيار المقاطعة للقوى المدنية، وأن الفرصة كانت متاحة لخطف مقاعد برلمانية مهمة في البرلمان لو شاركت كل القوى المدنية في هذه الانتخابات، خصوصاً تلك التي تأسست بعد تظاهرات أكتوبر/تشرين الأول 2019.

وقال عضو الحركة في بغداد الناشط أحمد العبودي، في تصريح لـ”العربي الجديد“، إن “الانتخابات كانت فرصة لكن خيار مقاطعة أكثرية المدنيين لم يكن موفقاً، وسألناهم كيف تريدون أن نغير الواقع ولو بشيء بسيط ونقدم أنفسنا للشارع بأننا يمكننا قيادة الدولة أفضل، فلم يجب أحد منهم سوى عبر تمسّكهم بخيار المعارضة”.

وأضاف أن النتائج الحالية تفرض واقعاً سياسياً جديداً، من سماته وجود إمكانية حقيقية في المستقبل للمدنيين والقوى الجديدة الناشئة لمنافسة القوى الرئيسية التي تراجع عدد مقاعدها البرلمانية في معاقلها التقليدية، معتبراً أن “أولى فوائد الحراك المدني كانت تحقيق قوى سياسية مراجعات لنفسها واختيارها خطاً وسطياً آخر في محاولة لكسب الشارع مثل تحالف قوى الدولة، الذي بات يطلق عليه الآن القوى الوسطية أو الإصلاحية، ويتصدر حيدر العبادي والسيد عمار الحكيم هذا الخط”.

من جهته، قال الصحافي العراقي تقي حميد لـ”النهار العربي” إنه “منذ انطلاق احتجاجات تشرين في 2019، طالب المتظاهرون بانتخابات مبكرة بعد سيل من الدم والقتل والانسداد السياسي. كان إيماننا أن التغيير يجب أن ينطلق من صناديق الاقتراع وبإشراف أممي وإقليمي وحضور حكومي فاعل، وبمفوضية انتخابات مستقلة. كل ما سلف حصل فعلاً، وحضرت إلى العراق أكبر بعثة أممية لمراقبة الانتخابات، وكان هناك إصرار كبير من قبل حكومة مصطفى الكاظمي على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد وبمشاركة الجميع، إذ إنها سخرت كل إمكاناتها لتشجيع المواطنين على المشاركة، لأنها تؤمن في أن الصندوق هو الحل مع ظروف انتخابية آمنة. نحن كذلك كشباب مستقلين، كان إيماننا بصناديق الاقتراع للتغيير، ودخول قوة سياسية بديلة تمثل الشارع إلى البرلمان من أجل تحقيق التوازن السياسي وتلبية مطالب الشعب”.
وتابع: “جميعنا يعرف أن التغيير سيحصل وعملنا كل ما بوسعنا لحض المواطنين على المشاركة، والآن حصل تغيير جزئي وهو ما يعد الخطوة الأولى نحو مشروع أكبر، بصعود نواب من حركات احتجاج ومستقلين”.

وحول دعوات المقاطعة للعملية الانتخابية التي أجريت، أوضح حميد أن “بعض المقاطعين من الحركات الاحتجاجية ليس لهم أثر كبير في المقاطعة بل كان الأثر الأكبر هو عزوف المواطنين العزّل بسبب الإحباط واليأس من العملية، ولكن انتخابات 2021 أعادت الثقة للمواطن وبعضهم بدأ يلوم نفسه على المقاطعة”.

لكنّ ناشطين عملوا طوال الشهور الماضية على الحشد للمقاطعة يعدّون تدنّي نسبة المشاركة انتصاراً لدعوتهم، من دون أن يخفوا تقديرهم للفائزين من الحركات المنبثقة عن “انتفاضة تشرين”.

وقال المعلّق السياسي العراقي صديق عبود لـ”النهار العربي” إن “صعود قوى جديدة من حركات الاحتجاج والحركات الناشئة والمستقلين (كـ”امتداد وإشراقة كانون وغيرهما والمستقلين”) جاء بسبب الفشل المتراكم لأحزاب السلطة في إدارة البلد وفي توفير الخدمات للمواطنين، فضلاً عن تكرارهم للكثير من الوجوه السياسية المجربة وغير القادرة على خدمة الجمهور، وبالتالي أصبح مرشحو الأحزاب التقليدية لا يحظون بمقبولية لدى المواطنين رغم امتلاكهم السلطة والمال”.
وأوضح أن “القانون الجديد الذي اعتمد نظام الدوائر المتعددة وفّر على الناخب إمكان الوصول الى المرشح والتعرف إليه في شكل جيد، وبالتالي أغلب الفائزين من المستقلين والحركات الناشئة وحركات الاحتجاج معروفون بالسمعة الطيبة في مناطقهم ومن الكفاءات وخصوصاً أن بعضهم أساتذة في الجامعات”.

ولفت الى أن “النتائج مقارنة بنسبة المشاركة واقعية وطبيعية جداً، باعتبار أن قانون الانتخابات اعتمد نظام الفائز بأعلى الأصوات، وبالتالي فإن المقاطعين منحوا لمرشحي الأحزاب فرصة للفوز بأصوات جمهورهم الذي شارك بكثافة في العملية الانتخابية، كما نسبة التطابق بين عملية العد والفرز الإلكتروني والعدّ والفرز اليدوي للأصوات شبه متطابقة، إن لم نقل انها متطابقة 100 في المئة”.

وقال إن “نسبة المشاركة رفع منها بيان المرجع الأعلى للشيعة آية الله السيستاني الذي دعا فيه للمشاركة واختيار المرشح النزيه والحريص على سيادة البلد وعدم تكرار الأخطاء السابقة، ولولا دعوته لكانت نسبة المشاركة أقل بكثير من النسبة الحالية”.
تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى