المنطقة تتحضّر لمرحلة «إدارة الأزمات» سواء اتسمت بـ«توقيع النووي» أو «اللاتوقيع»

الحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة تايوان مع الصين تتقدمان على الملف النووي الذي أضحى في ظلالهما بعد التغيُّر في المشهد الدولي.

ميدل ايست نيوز: ليس الاتفاق النووي الإيراني في سلم الأولويات بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، فالحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة تايوان مع الصين تتقدمان على الملف النووي الذي أضحى في ظلالهما بعد التغيُّر في المشهد الدولي.

وصول محادثات فيينا إلى نهاية سعيدة بالعودة إلى اتفاق 2015 الذي انسحب منه دونالد ترامب سيعطي «سيد البيت الأبيض» إنجازاً أمام ناخبيه في الانتخابات النصفية لجهة وفاء الرئيس بواحدة من تعهداته في حملته الانتخابية الرئاسية، بما يُعزِّز من موقع حزبه في استحقاق تشرين الثاني/نوفمبر المقبل والذي يشكل امتحاناً لسياسته ويرسم معالم مستقبله وحزبه في «البيت الأبيض» لولاية ثانية. لكن ضياع هكذا فرصة لن تكون انتكاسة كبرى أو سقوطاً مدوياً لا يمكن للإدارة الحالية التعايش معه.

هذه الحال تنطبقُ، إلى حد كبير، على إيران اليوم التي استفادت من التحولات الدولية الجديدة ومفاعيل حرب أوكرانيا وأزمة تايوان والقدرة على الالتفاف على العقوبات لخلق توازن في مشهدها الجيوسياسي. يقول لصيقون بـ«محور إيران» إن مسألة العودة إلى الاتفاق ما عادت ضاغطة على طهران بشكل تضيق معه هوامش المناورة.

فهي تتعامل مع هذا الملف على قاعدة أن العودة إلى الاتفاق أمر جيد، ولكن عدم حصول ذلك لن يكون كارثياً بعدما رتَّبت وضعها على التعايش مع التداعيات. لا حديث فعلياً عن إعلان رسمي وصريح بالفشل. كلا الطرفين سيُبقيان الباب مفتوحاً.

في التداعيات، يغيب «سيناريو الحرب» لدى أي من اللاعبين، أقله في المدى المنظور- القريب والمتوسط. أمريكا لا تريد الحرب وإيران لا تريدها، وإسرائيل غير جاهزة لها ولا غطاء لديها. سيدخل مصطلح «إدارة الأزمات» ومصطلح «تعليق الأزمات» إلى أدبيات المرحلة المقبلة سواء اتسمت بـ«توقيع الاتفاق» أو «اللاتوقيع».

الاحتمالان لهما انعكاسات على المنطقة. في المبدأ، لا بدَّ من ذهاب الطرفين إلى ربط النزاع في مناطق وساحات الصراع في حال «اللاتوقيع» ما دامت خيارات التصعيد نحو الحرب مُستبعدة، إنما مسار التطورات على المشهد الإقليمي ربطاً بلعبة التوازنات الدولية قد تدفع إلى تقدم مصطلح «إدارة الأزمات» تحت سقوف متفق عليها على ربط النزاع، تماماً كما أن توقيع الاتفاق في ظل التحوّلات الدولية وغياب الضمانات الأمريكية سيجعل الرهان على إمكان الحلول المستدامة مستبعداً وسيخفضها إلى مستوى تعليق الأزمات أو إدارتها.

ساحات الصراع

لا شك أن توقيع الاتفاق سيؤول إلى تعزيز حضور إيران الإقليمي في المنطقة، لكن يحكمه قلق الانسحاب منه مجدداً. فالفترة الزمنية التي يمكن ضمان استمرارها هي ما تبقى من ولاية بايدن حتى الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. سنتان غير كافيتين لتأسيس نظرية الحلول وخلق مناخات لتعزيزها وتكريسها لآجال طويلة.

مع التوقيع، سينعكس مناخ التلاقي الأمريكي – الإيراني على الملفات في ساحات لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وبنسبة أقل في فلسطين، إذ لا يمكن أن تتلاشى الارتدادات الإيجابية وقوة الدفع التي يخلقها نتيجة عدم اليقينية من المستقبل الزمني للاتفاق، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن التوهم بإمكان التأسيس لتسويات حقيقية.

جل ما يمكن الذهاب إليه هو إعطاء فرصة للمناخات حتى تُعبِّر عن نفسها في الملفات المفتوحة، بحسب اللصيقين بـ«محور إيران» الذين لا يغفلون تأثير الانفتاح الذي تشهده المنطقة في العلاقة مع طهران، ولا سيما الحوار الإيراني – السعودي، على المسار الذي ستخطه سياسة «إدارة الأزمات» في الدول التي تتواجد فيها «أذرع إيران».

كما لا يغفلون تأثّر هذا المسار بانعكاسات الموقف العربي عموماً ولا سيما الخليجي وقاطرته الرياض المغادر لموقع الاصطفاف في المحاور على خلفية المواجهة الأمريكية المفتوحة مع روسيا والصين.

الاقتناع السائد بأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة في ساحات الصراع تحمل بذور الانفجار الداخلي الذي بدأ يطفو على السطح، كما أن انسداد الأفق السياسي في تلك الدول بات يتطلب التوصل إلى نوع من ترتيب لواقع الازمات والتخفيف من حدتها وخلق منظومة تعايش تفتح كوة في قلب الأزمة دون أن يكون المطلوب منها معالجة أصل الأزمة.

وبالتالي، فإن توقيع الاتفاق سيرخي حكماً بظلاله الإيجابية في هذا الاتجاه. من هنا، الترقب الذي تعيشه الساحات في العراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين، وهي ساحات مأزومة قررت إيران عبر أذرعها العسكرية أن تجعلها ساحات مترابطة، معلنة عن «وحدة الساحات» في المواجهة المنتظرة مع إسرائيل، والحتمية في السردية الإيرانية المبنية على تنظير عقائدي معطوفاً على لعبة المصالح والنفوذ التي يجسدها نظام المرشد في خياره الاستراتيجي في الصراع الكبير الذي يصطف فيه في الحلف الصيني- الروسي في المخاض الدائر لتشكل النظام العالمي الجديد.

ليس في إمكان أي من أطراف الصراع، لا حلفاء إيران ولا حلفاء أمريكا، حسم المعركة لصالحه في المنطقة. في الأساس، باتت التحالفات التي كانت في الأمس محسومة على هذا المحور أو ذاك عرضة للتقلبات وإعادة الحسابات دون الحاجة إلى التمرس الكلي مع هذه الكتلة أو تلك.

على مدى السنتين المقبلتين، سيتحكم عامل الانتظار بالمشهد، إلى أن تتبلور معالم الآتي الجديد إلى «البيت الأبيض» وما يمكن أن يحصل في خلال الفترة الفاصلة في الحرب الروسية على أوكرانيا التي تريد واشنطن أن تكون حرب استنزاف، وفي كيفية تطور المواجهة مع الصين، والمدى الذي يمكن لسياسة «تعليق الازمات وإدارتها» أن تنجح في تسكين الساحات النازفة في المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 19 =

زر الذهاب إلى الأعلى