ترامب وإيران والمخاطر الكبيرة التي تهدد أمن الطاقة العالمي

إن التوترات المستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران قد تؤدي إلى إشعال المزيد من الصراعات، مما يؤدي إلى تعطيل أسواق الطاقة العالمية، وتهديد استقرار النفط، والأمن الاقتصادي الأوسع.

ميدل ايست نيوز: شهدت «حرب الـ12 يوماً» بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025 أكبر مواجهة عسكرية مباشرة بين الخصمين في الشرق الأوسط منذ عقود، ما استدعى تدخل الولايات المتحدة عبر قصف منشآت إيران النووية في فوردو ونطنز وأصفهان باستخدام قنابلها الخارقة للتحصينات. ورغم توصيف الرئيس دونالد ترامب للعملية التي هدفت إلى إزالة قدرات التخصيب النووي الإيرانية بأنها «انتصار شامل»، وإعلانه وقف إطلاق النار في 24 يونيو/حزيران، فإن الخطر النووي ما زال قائماً ـ ومعه شبح التصعيد الإقليمي الذي قد يزعزع أسواق الطاقة، ويرفع أسعار النفط، ويوجّه ضربة إلى أمن الطاقة العالمي.

وأشارت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية إلى أنّ أجهزة الطرد المركزي قد تكون ما تزال سليمة تحت أنقاض المواقع الثلاثة المذكورة، فيما حذّرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أنّها لا تستطيع تحديد موقع 410 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، يُرجَّح أنّه نُقل قبل الحرب، وهو ما يكفي لبناء عشرة رؤوس نووية. ومع استمرار الخطر النووي ومصادر التهديد التي دفعت إسرائيل إلى شنّ هجماتها في البداية، يبدو أنّ الطريق إلى تجدد الحرب ليس بعيداً، فيما تتزايد قيمة أي تسوية بديلة يوماً بعد يوم.

تغيير النظام غير مرجّح

جولة جديدة وربما أكثر كثافة من القتال ستفرض تكاليف باهظة على جميع الأطراف المنخرطة في النزاع، خاصة في ظل غياب أي ضمانة لحسم عسكري. أما الأحاديث حول تغيير النظام في إيران، سواء برعاية خارجية أو من خلال تحرّكات داخلية، فلا تبدو واقعية في المرحلة الراهنة. فرغم استياء داخلي، فإنّ غياب ائتلاف موحّد من الفاعلين القادرين على طرح بديل لنظام الحكم يجعل هذا الخيار بعيد المنال.

وعلى الرغم من الانقسامات الواضحة بين جناحي النظام ـ المتشدد والإصلاحي ـ فإنّ الحرس الثوري الإسلامي، الذي يتمتع بعدد كبير وقاعدة أيديولوجية صلبة، ما يزال ركيزة أساسية في دعم النظام. وفي حال غياب السلطة العليا للمرشد الأعلى، يمكن أن يشكل الحرس الثوري، الذي يبلغ قوامه 150 ألف عنصر، إلى جانب شبكة الفصائل الموالية لإيران رغم ضعفها، أساساً لحركة مقاومة إقليمية.

صراع غير مرغوب فيه في المستقبل

نظراً للعلاقات الوثيقة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل ودول الخليج، إضافة إلى مصالحها الأوسع في استقرار أسعار الطاقة العالمية، فإن اندلاع جولة جديدة من الحرب سيجعل من غير المرجح أن تمتنع واشنطن عن التدخل. غير أن هذا الخيار يبدو أقل قبولاً مع تزايد الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة ضد الانخراط في عملية عسكرية طويلة ـ أو أي تدخل عسكري من الأساس.

تشكل الحرب تهديداً وجودياً لبقاء النظام الإيراني، وخلال مواجهات يونيو/حزيران الماضية، بعثت طهران مراراً بإشارات تفضيلها خفض التصعيد، حيث أعطت إنذاراً مسبقاً بهجومها الانتقامي على قاعدة العديد الأمريكية ـ وهو ما أشار إليه الرئيس ترامب ـ كما أعلنت استعدادها لوقف عملياتها العسكرية إذا بادلتها إسرائيل بالمثل. غير أن حملة «الضغط الأقصى» التي اعتمدها ترامب منذ انسحابه من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في ولايته الأولى عام 2018، جعلت أي جهد إيراني لإعادة بناء قدرات الردع صعباً للغاية. وسيصبح الأمر أصعب في حال إعادة فرض العقوبات الأممية بعد تفعيل «آلية الزناد» من قبل الأوروبيين. أما الخيار المتبقي، أي التخصيب النووي السري والسعي لامتلاك سلاح نووي رغم الضغوط الاقتصادية الهائلة، فسوف يستجلب لا محالة ضربات إسرائيلية وربما أمريكية أيضاً.

ومع ذلك، فإن إعادة بناء قدر من قوة الردع تبقى ضرورة للنظام الإيراني، الذي تلقى ضربة قاسية نتيجة الهجمات المشتركة الإسرائيلية-الأمريكية في حرب الـ12 يوماً، إلى جانب إضعاف «محور المقاومة» عقب حروب إسرائيل ضد حماس في غزة وحزب الله في لبنان، وانهيار نظام الأسد في سوريا خلال العام المنصرم. وينبغي أن يتحقق ذلك دون إثارة المخاوف الإسرائيلية، ولا القلق الأمريكي والخليجي والأوروبي من احتمال اندلاع سباق نووي قد يدفع جميع الأطراف نحو سياسات أكثر تشدداً.

ترتبط الوسائل المفضلة لإيران في مجال الردع بجوهر انتقادات الرئيس ترامب وقراره التخلي عن الاتفاق النووي. فإلى جانب التركيز الرئيسي لاتفاق 2015 على قضية الانتشار النووي، لم يُعالج بشكل كافٍ برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار عبر أعضاء «المحور». كما أنّ شركاء الولايات المتحدة في الخليج، الذين يواجهون تهديدات كبيرة من إيران، تم استبعادهم كلياً من إطار الاتفاق.

وبالنظر إلى الوضع الراهن، ستطالب الولايات المتحدة بإنهاء كامل لبرنامج إيران النووي، بما في ذلك استعادة مخزون اليورانيوم «المفقود». ومن المرجح أن يكون منع إيران من إعادة تأهيل «محورها» نقطة خلاف أخرى مع ترامب. لكن في المقابل، قد تطالب إيران بتقديم تنازلات معينة تسمح لها بتطوير وسائل ردع تقليدية، مثل تحديث سلاحها الجوي المتقادم منذ زمن طويل، وأنظمة الدفاع الجوي التي دمّرت في حرب الـ12 يوماً، وفتح مسارات عسكرية أخرى. كما أنّ إيران ستسعى إلى التزامات أمريكية أمام المجتمع الدولي بعدم التدخل في شؤونها.

المفاوضات ودور الوسطاء

يعتمد المسار البديل القائم على التوصل إلى تسوية تفاوضية بشكل حاسم على انخراط الولايات المتحدة. فقد تحاول المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا تحفيز طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات والالتزام بآلية التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية عبر تفعيل «آلية الزناد»، التي تهدد بإعادة فرض العقوبات الأممية الكاملة على إيران، تلك التي كانت سارية قبل الاتفاق النووي (JCPOA)، مع نهاية سبتمبر/أيلول. بالفعل، فإن دول الخليج، بما فيها عُمان وقطر والسعودية، التي لعبت أدواراً مهمة سابقاً في تسهيل المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، لن تتمكّن هذه المرة أيضاً من إحداث تغيير ملموس. إذ إن جهود وساطتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوضعها كدول مصدّرة رئيسية للطاقة، والتي يعتمد استقرارها الاقتصادي والسياسي على استمرار تدفق النفط والغاز عبر الخليج. ومن دون التزام أمريكي قوي يمكن أن يمنع مزيداً من التدخلات في إيران ويرفع العقوبات عن اقتصادها، فلن يكون لأي اتفاق أن يرى النور.

أما المفاوضات المباشرة فهي مستبعدة تماماً بالنسبة إلى طهران بعد أن انتهكت الولايات المتحدة سيادتها من خلال الضربات العسكرية. وهو ما يجعل انخراط الوسطاء ضرورة مطلقة في هذه المرحلة، كما أشار تقرير صدر مؤخراً عن «منتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا». صحيح أن الدول الأوروبية والخليجية قد لا تكون قادرة بمفردها على إقناع إيران، لكن وساطتها يمكن أن تفتح الباب أمام محادثات غير مباشرة بين طهران وواشنطن، خاصة إذا بعث الرئيس ترامب بالإشارات المناسبة. وستكون الصين وروسيا لاعبين رئيسيين في هذه المرحلة، إذ إن دعمهما لأي اتفاق جديد ليس ضرورياً فقط بفضل امتلاكهما حق النقض في مجلس الأمن، بل يمكن أن يشكّل أيضاً عاملاً إضافياً للتأثير الإيجابي على إيران.

نفوذ الصين وروسيا

إنّ اعتماد الصين العميق على التدفق المستقر للنفط والغاز من الخليج، إلى جانب كونها الزبون الأول للنفط الإيراني، يخلق وضعاً مزدوج الفائدة لدفع أي اتفاق قُدماً. فهذا الاعتماد على طاقة الخليج يجعل بكين شديدة الحساسية تجاه الاضطرابات، إذ يمكن حتى لعدم الاستقرار قصير الأمد في مضيق هرمز أن يؤدي إلى ارتفاع عالمي في الأسعار مع عواقب مباشرة على نمو الصين. فمن جهة، تكمن مصلحة الصين في تجنب جولة جديدة من الحرب التي قد تزعزع استقرار المنطقة. ومن جهة أخرى، فإنّ اعتماد إيران على بكين في 90٪ من مبيعاتها النفطية ـ وهو ما استخدمته طهران لتعويض خسائر الدخل الناتجة عن العقوبات الغربية الواسعة ـ يخلق تبعية يمكن استغلالها. كما أنّ دور بكين في تسهيل التقارب الإيراني-السعودي عام 2023 يمثل رابطاً إضافياً يشجع دول الخليج على الانخراط في اتفاق تسوية إقليمية جديدة. وتدعم التعاونيات الوثيقة لروسيا مع ممالك الخليج في إطار أوبك+ هذا الطرح.

إلى جانب ذلك، فإن التعاون العسكري والطاقوي بين روسيا وإيران، الذي تعمق خلال حرب موسكو الممتدة ثلاث سنوات في أوكرانيا، يضع روسيا في موقع جيد للمشاركة في إعادة بناء قدرة الردع الإيرانية بوسائل لا تشمل الانتشار النووي. كما أنّ نفوذ موسكو داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول+ (أوبك+) يمنحها دوراً مزدوجاً، لا في صياغة الدبلوماسية الإقليمية فحسب، بل أيضاً في الحفاظ على استقرار إنتاج وأسعار النفط العالمية. وهذا يوفر حافزاً لروسيا كي تلعب دوراً نشطاً في المفاوضات. وتُعدّ المحادثات الجارية بين الرئيس ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن جبهة أوكرانيا عاملاً أساسياً في هذا الصدد، غير أنّ هذا الارتباط يعني أيضاً أنّ إحراز تقدم بشأن إيران سيكون على الأرجح مشروطاً بتقديم تنازلات على صعيد أوكرانيا.

الطريق الضيق إلى الأمام

في ظل الوضع الراهن إزاء إيران، الذي يتسم بارتفاع مخاطر الحرب، ومع غياب الانخراط الأمريكي الفعّال الذي يجعل أي تحرّك دبلوماسي مجرد تأجيل لا يمنع التصعيد، تعود خيارات الرئيس ترامب السياسية إلى منطق التفاوض على اتفاق جديد. ورغم ضيق هذا المسار، إلا أنّ الاعتبارات الاستراتيجية لكل من إيران والولايات المتحدة تشير إلى ضرورة إعادة الانخراط. إنّ إدارة محادثات أمريكية-إيرانية عبر وساطة أوروبية و/أو خليجية، مع أخذ مصالح الصين وروسيا ونفوذهما بالحسبان، والتقليل في الوقت نفسه من مخاطر أي تحركات أحادية من جانب إسرائيل، سيشكّل على الأرجح أكبر اختبار لقدرة ترامب على «فنّ إبرام الصفقات».

لكن بالنسبة لواشنطن، تتجاوز الرهانات مجرد الدبلوماسية: إذ يُعدّ تجنّب اضطراب أسواق الطاقة والحفاظ على استقرار أسعار النفط العالمية أمراً محورياً لأي تسوية طويلة الأمد. ومع مساهمة الشرق الأوسط بأكثر من 30٪ من إنتاج النفط العالمي، فإن مخاطر تجدّد الصراع تتجاوز حدود السياسة الإقليمية لتطال جوهر أمن الطاقة العالمي.

Patrik Kurath

نائب الرئيس التنفيذي لمنتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAF).

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
National Interest

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى