الصحافة الإيرانية: الرسائل الجيوسياسية للعرض العسكري في باكو إلى المنطقة والعالم
تحولت الذكرى الخامسة لانتصار أذربيجان في حرب قره باغ الثانية هذا العام من مجرد مناسبة لتخليد ذكرى المعارك الماضية إلى استعراض لتحالف إقليمي جديد في طور التشكل.

ميدل ايست نيوز: تحولت الذكرى الخامسة لانتصار أذربيجان في حرب قره باغ الثانية هذا العام من مجرد مناسبة لتخليد ذكرى المعارك الماضية إلى استعراض لتحالف إقليمي جديد في طور التشكل. العرض العسكري الذي أقيم في باكو، بحضور زعماء تركيا وباكستان، لم يكن مجرد استعراض للأسلحة، بل رسالة جيوسياسية موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية عدة.
وقال أحمد رشيدي نجاد، وهو باحث جيوسياسي، في مقال نشرته صحيفة دنياي اقتصاد، إن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أكد خلال كلمته في الحفل على الدور الحاسم الذي لعبته أنقرة منذ الساعات الأولى للحرب، مشيراً إلى أن شعار «أذربيجان ليست وحدها» أصبح رمزاً للوحدة والتضامن.
مشاركة قوات عسكرية من الدول الثلاث شكلت دليلاً على قيام مثلث استراتيجي جديد يجمع بين التاريخ والثقافة والجغرافيا، ويربطها بالقوة والسياسة. أقيم هذا العرض بمناسبة الذكرى الخامسة لانتهاء حرب قره باغ الثانية التي اندلعت في خريف عام 2020 وانتهت بوساطة روسية، وكانت بالنسبة إلى أذربيجان رمزاً لاستعادة الأراضي المحتلة وتأكيد مكانتها الجديدة في المعادلات الإقليمية.
وتحول العرض العسكري إلى ما هو أكثر من احتفال بالنصر، إذ بدا بمثابة استعراض قوة يحمل رسائل ردع واضحة في قلب القوقاز. فيما أظهر ظهور قادة تركيا وباكستان إلى جانب علييف أن التحالف الثلاثي بين أنقرة وباكو وإسلام آباد لم يعد مجرد شعار، بل أصبح محوراً سياسياً وعسكرياً حقيقياً. هذا التحالف، القائم على روابط تاريخية ودينية، يرسخ استراتيجية جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى التقليدية في المنطقة.
الرسالة الأبرز من العرض كانت واضحة: ميزان القوى في القوقاز تغيّر. فبعد الانتصار في حرب الـ44 يوما والعملية العسكرية الأخيرة في سبتمبر الماضي، رسخت أذربيجان واقعاً جديداً في الجغرافيا السياسية للمنطقة، واقعاً عبّر عنه استعراض القوة المشترك بين الدول الثلاث كتحذير لأي طرف يسعى لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه. لم تعد أذربيجان دولة غارقة في نزاع مزمن، بل قوة مسلحة مستقرة أثبتت استعدادها للرد العسكري على أي تهديد. العرض لم يكن مجرد تذكير بانتصار سابق، بل تحذيراً لجيرانها ولجميع الفاعلين الإقليميين بضرورة التكيف مع الواقع الجديد في القوقاز.
أهمية الحضور التركي
لم يكن حضور تركيا في العرض العسكري مجرد تعبير رمزي عن التضامن، بل حمل ثلاث رسائل أساسية إلى المنطقة والعالم. أولاً، أكدت أنقرة من خلال مشاركتها دعمها المطلق لسيادة أذربيجان ووحدة أراضيها، منهيةً أي شكوك حول عمق التحالف بين البلدين. ثانياً، عكس هذا الحضور تطبيقاً عملياً لمبدأ «العمق الاستراتيجي» الذي تبناه أحمد داوود أوغلو، ومؤشراً على أن تركيا لم تعد ترغب في الاكتفاء بدور المراقب في القوقاز، بل تسعى لتكون فاعلاً رئيسياً ومهندساً للنظام الإقليمي الجديد.
أما الرسالة الثالثة والأكثر أهمية، فتمثلت في عرض أنقرة لتقنيات التسليح المشتركة مع باكو، من طائرات «بيرقدار» المسيّرة التي كان لها دور حاسم في حرب الـ44 إلى منظومات ومعدات أخرى، لتؤكد أنها ليست مجرد حليف سياسي، بل شريك استراتيجي في مجالي الأمن والتكنولوجيا. هذا التعاون العسكري العميق غيّر ميزان القوى في المنطقة لصالح أذربيجان، ورفع كلفة أي مواجهة محتملة مستقبلاً مع منافسيها.
أهمية الحضور الباكستاني
ورغم أن حضور باكستان إلى جانب الدولتين التركيتين بدا أقل بروزاً في المشهد، إلا أنه يحمل دلالات استراتيجية واضحة. فإسلام آباد من خلال هذه المشاركة أظهرت نشوء محور جديد يربط باكستان وباكو وأنقرة، يمثل كتلة قوة تستند إلى الهوية الإسلامية في مواجهة النفوذين الغربي والروسي السائدين. وعلى الصعيد العملي، فإن وجود باكستان، باعتبارها دولة نووية تملك واحداً من أكبر الجيوش في العالم، يعزز قدرة الردع لهذا التحالف، ويمنح أذربيجان ثقة أكبر في مواقفها الدولية.
من الناحية الجيوسياسية، يشكل هذا التحالف الثلاثي ممراً للقوة والنفوذ يمتد من حدود الصين عبر باكستان إلى قلب أوروبا عبر تركيا، ويعزز موقع أذربيجان كحلقة وصل محورية في هذا الممر. أما بالنسبة لباكستان، فالاتحاد مع باكو وأنقرة يتيح لها كسر عزلتها الدبلوماسية النسبية وتوسيع مجال نفوذها في منطقة جديدة.
الرسائل الإقليمية للعرض العسكري
وجّه العرض العسكري في باكو رسائل متعددة، بعضها معلن وبعضها ضمني، إلى مختلف الأطراف الإقليمية. بالنسبة لأرمينيا، كان العرض بمثابة إعلان صريح أن أي محاولة لتحدي سيادة أذربيجان أو إبطاء عملية تطبيع العلاقات ستواجه جبهة موحدة وقوية. فالجمهورية الأذربيجانية التي خرجت منتصرة من ساحة المعركة، باتت اليوم مدعومة من حلفاء ثابتين في ميادين السياسة والدبلوماسية والعسكرة.
أما بالنسبة لإيران، فإن هذا التحالف الثلاثي، خاصة في ظل نزعة القومية التركية المتنامية ودور أنقرة القيادي، يثير بطبيعة الحال حساسية أمنية في طهران. فاستعراض القوة المشتركة على الضفة الغربية لبحر قزوين سيكون عنصراً جديداً في حسابات الأمن القومي الإيراني، وقد يعمّق التنافس الجيوسياسي القائم في المنطقة. أما بالنسبة لروسيا، التي لا تزال لاعباً محورياً في القوقاز، فقد أظهر العرض أن باكو تعمل بذكاء على تنويع شركائها الاستراتيجيين وتقليص اعتمادها على قوة عظمى واحدة. أما الحضور التركي الواضح في ما تعتبره موسكو «حديقتها الخلفية»، فسيكون بلا شك موضع تحليل ومراقبة دقيقة في الكرملين.
النتيجة
العرض العسكري الأخير في باكو بمناسبة الذكرى الخامسة لحرب قره باغ الثانية لم يكن مجرد مراسم تذكارية، بل رسالة مدروسة بعناية في لوحة الشطرنج الجيوسياسية للقوقاز. فقد أرادت أذربيجان أن تؤكد، من خلال تعاونها الوثيق مع تركيا وباكستان، أن انتصارها العسكري لم يكن حدثاً عابراً، بل قاعدة تبني عليها موقعها الإقليمي الجديد. الرسالة كانت واضحة: أي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ستواجه بتكلفة باهظة.
الروابط الثقافية مع أنقرة والعلاقات الدينية مع إسلام آباد شكلت الأساس الذي جعل هذا التحالف الثلاثي أكثر تماسكاً وقدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية. الرواية المشتركة عن «الأخوة» ساعدت على تحويل هذا التعاون من تحالف مؤقت إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
ومن خلال هذا العرض، أرادت أذربيجان أن تظهر للعالم أنها لم تعد دولة معزولة أو تابعة لقوة بعينها. فتركيا توفر لها العمق الاستراتيجي والدعم العسكري والتكنولوجي، بينما تمنحها باكستان بعداً دبلوماسياً وردعاً إضافياً. هذا المزيج يعزز موقع باكو التفاوضي في مواجهة روسيا وإيران، ويرفعها من كونها دولة محصورة في نزاع إقليمي إلى لاعب محوري جديد في معادلات القوقاز. إنها رسالة تحذير لكل القوى الإقليمية بضرورة الاستعداد للواقع الجديد في المنطقة.



