الصحافة الإيرانية: السياسية الصينية في مضيق هرمز

الأولوية الاستراتيجية لبكين، وبفارق كبير عن بقية أولوياتها، تتمثل في إبقاء مسار التنمية الاقتصادية مفتوحاً وإزالة العوائق التي تضعها الولايات المتحدة في هذا المسار.

ميدل ایست نیوز: موقف الصين من الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يعكس إلى حد كبير سياسة تقوم على تجنب المخاطر، والنهج المحافظ، والسعي إلى تحقيق التوازن في التعامل مع التطورات ذات الصلة.

يقول الدبلوماسي الإيراني السابق، كوروش أحمدي، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن البيان المشترك بين باكستان والصين بتاريخ 31 مارس، والبيانات الصادرة عقب زيارة حاكم الإمارات إلى بكين في 14 أبريل، والاتصال الهاتفي بين ولي عهد السعودية والقيادة الصينية في 20 أبريل، إضافة إلى تصريحات القيادة الصينية في 12 و19 أبريل، تمثل جميعها مؤشرات على هذا النهج الصيني. كما برز في هذه البيانات مطلب إعادة وضع مضيق هرمز كـ«ممر مائي دولي» إلى حالته السابقة، باعتباره أحد الثوابت المتكررة.

الأولوية الاستراتيجية لبكين، وبفارق كبير عن بقية أولوياتها، تتمثل في إبقاء مسار التنمية الاقتصادية مفتوحاً وإزالة العوائق التي تضعها الولايات المتحدة في هذا المسار. ويُعد الحفاظ على خفض التوتر مع واشنطن أحد الأدوات الأساسية لتحقيق هذه الأولوية. وفي هذا الإطار، تتمثل المخاوف الرئيسية للصين في اضطراب الصادرات والواردات، وحالة عدم اليقين الناتجة عن الحرب، وانعكاساتها السلبية على أهدافها الاقتصادية الوطنية.

أما المكاسب الجانبية مثل انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وابتعادها عن آسيا، والإضرار بسمعتها، واستنزاف ذخيرتها العسكرية، وهي مكاسب يُقال إنها نتجت عن الحرب ضد إيران، فإنها تتراجع أهميتها مقارنة بمخاوف الصين من اضطراب سلاسل التوريد والصادرات والطاقة. وفي هذا السياق، يبقى دعم إيران أو أي دولة أخرى مسألة ثانوية بالنسبة لبكين.

النموذج الاقتصادي الصيني يعتمد على الاستمرار في التنمية من خلال استقرار النظام العالمي. وإغلاق مضيق هرمز يضع المصنعين والمصدرين الصينيين أمام سلسلة من الأزمات في مجالات مثل اللوجستيات، وتعطل شركات الشحن البحري، وفرض رسوم إضافية بسبب الحرب، وارتفاع تكاليف التأمين.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:

1- الاقتصاد الصيني اقتصاد قائم على التصدير، ويعتمد بشكل رئيسي على تصدير السلع المصنعة. تمثل الصادرات المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي في الصين. وتستحوذ الصين على نحو 30% من إجمالي الصادرات العالمية، ونحو 25% من صادرات السلع المصنعة. ويُعد حرية الملاحة أمراً حيوياً لهذا النموذج الاقتصادي. أي اضطراب في أنظمة تسليم السلع إلى الأسواق العالمية، أو في إمدادات الوقود والمواد الخام إلى مراكز الإنتاج التصديرية، يؤدي إلى تعطيل هذه المراكز. ونتيجة لذلك تتأثر سلاسل الإنتاج والتوزيع عالمياً، بما يؤدي إلى نقص السلع في رفوف المتاجر في العديد من الدول.

كما أن ارتفاع تكاليف النقل البحري، وزيادة مدة الشحن، وارتفاع أسعار الوقود، يربك حسابات المصدرين الصينيين. وقد تسبب إغلاق مضيق هرمز في ارتفاع أسعار الطاقة بنحو 80%، ما ألحق ضرراً كبيراً بالمصانع الصينية ذات هوامش الربح المنخفضة، إضافة إلى مشاكل التأخير في التسليم. كما أدى ذلك إلى تراجع الميزة التنافسية للسلع الصينية أمام منافسين مثل المكسيك الذين يتمتعون بطرق نقل أقصر وأكثر أماناً. كما أن ارتفاع الأسعار العالمية يضعف بدوره تنافسية المنتجات الصينية.

2- تعتمد الصين، بوصفها أكبر مستورد للنفط الخام، على مضيق هرمز لتأمين نحو 45% من احتياجاتها النفطية و29% من احتياجاتها من الغاز في عام 2025. واستمرار الاضطرابات في واردات النفط وارتفاع أسعاره يضع الصين أمام تحديات كبيرة. ورغم سعيها الدائم لتنويع مصادر الطاقة، فإن نحو 72% من احتياجاتها النفطية تُستورد من الخارج. ورغم أن النفط لا يشكل سوى 18% من إجمالي استهلاك الطاقة في الصين، إلا أن الوقود المستخدم في الشاحنات والسفن والقطارات التي تنقل السلع يعتمد على مشتقات النفط.

وفي الربع الأول من عام 2025 استوردت الصين 5.4 مليون برميل يومياً عبر مضيق هرمز، وهو ما يعادل تقريباً إجمالي واردات اليابان وكوريا الجنوبية والهند مجتمعة. إلا أن هذه الواردات انخفضت في أبريل 2026 إلى 222 ألف برميل يومياً، أي بانخفاض بلغ 95%.

3- من العوامل المهمة الأخرى المؤثرة في موقف الصين من مضيق هرمز علاقاتها الواسعة مع مجلس التعاون الخليجي. إذ يبلغ حجم التبادل الاقتصادي بين الصين ودول المجلس نحو 300 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز حجم علاقاتها مع إيران عُشر ذلك تقريباً. كما تنشط الصين في الاستثمار في تلك الدول وفي أسواقها المالية.

وفي الوقت ذاته، تسعى الصين إلى استقرار النظام السياسي في إيران، ويُعد شراء النفط وبعض أشكال الدعم في الأمم المتحدة جزءاً من هذا التوجه. غير أن من غير الواضح أن الصين تميل بشكل حاسم إلى الحفاظ على حد أدنى من التوازن الإقليمي. وقد سبق أن دعمت موقف الإمارات بشأن الجزر الإيرانية الثلاث.

ومن جهة أخرى، فإن أولوية بكين في الحفاظ على انفتاح مسار التنمية الاقتصادية القائمة على التصدير قد تدفعها أكثر نحو التشديد على احترام النظام القانوني للممرات الدولية، وزيادة القلق من أي تغيير في وضع مضيق هرمز وتأثيراته المحتملة على بقية الممرات المائية الدولية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر + إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى