الصحافة الإيرانية: لماذا يشكل التمدد التركي شرقاً تهديداً للدور “الترانزيتي” لإيران؟
تتجه اليوم تركيا التي سعت خلال السنوات الماضية إلى تقديم نفسها على أنها بوابة رئيسية للتجارة العالمية عبر الارتباط بالممرات الكبرى للنقل والترانزيت إلى التغلغل في المسارات الشرقية للمنطقة.

ميدل ايست نيوز: تتجه اليوم تركيا التي سعت خلال السنوات الماضية إلى تقديم نفسها على أنها بوابة رئيسية للتجارة العالمية عبر الارتباط بالممرات الكبرى للنقل والترانزيت بعد تجاوز إيران من خلال «طريق التنمية» العراقي، إلى التغلغل في المسارات الشرقية للمنطقة، وتسعى عبر باكستان والربط البحري معها إلى النفاذ نحو جنوب آسيا. لم تكتفِ أنقرة بالدخول في شراكات عسكرية وأمنية مع إسلام آباد، بل تعمل أيضاً من خلال توسيع علاقاتها الاقتصادية معها على تقويض المزايا التي تتمتع بها المسارات التجارية والترانزيتية الإيرانية.
ويحذر أحد خبراء قطاع النقل، وفق ما أورده موقع آوش عن لسانه، من أن إيران فقدت حتى اليوم العديد من الفرص الترانزيتية، مؤكداً أن تركيا تسعى إلى الالتفاف على إيران عبر مسارين؛ الأول من خلال تطوير «ممر لاجورد» للنفاذ من دول رابطة الدول المستقلة إلى أفغانستان وباكستان، والوصول إلى هذا البلد من ذلك الطريق، والثاني عبر «طريق التنمية» العراقي.
عصفوران بحجر واحد لباكستان
يتزايد الطلب المحلي على الغاز في باكستان في وقت تتراجع فيه احتياطاتها الطبيعية من هذه السلعة النفطية. كان من المقرر في وقت سابق أن يتم تلبية احتياجات هذا البلد عبر مشروع خط أنابيب الغاز الإيراني. وقد طُرحت فكرة استيراد الغاز من إيران عبر خط أنابيب منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت طهران تخطط لإنشاء خط يصل إلى الهند مروراً بباكستان، ووقعت في عام 1999 اتفاقاً أولياً مع نيودلهي بهذا الشأن. غير أنه ورغم عقد عدة جولات تفاوضية حول الأسعار والتفاصيل التنفيذية لم يتحقق أي تقدم فعلي خلال العقد التالي لإضفاء الطابع الرسمي على هذا الاتفاق الثلاثي. في عام 2008، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً أدت إلى تراجع الهند عن التعاون مع إيران في ما عُرف بخط أنابيب السلام، ثم شرعت لاحقاً في الضغط على باكستان للسير في الاتجاه نفسه. فعلى سبيل المثال، دعمت واشنطن إنشاء محطات للغاز الطبيعي المسال في باكستان، واقترحت عليها استيراد الغاز من دول حوض بحر قزوين عبر أفغانستان. إلا أن تردي الأوضاع الأمنية في أفغانستان وارتفاع كلفة استيراد الغاز من مسافات بعيدة حالا دون تخلي باكستان نهائياً عن فكرة شراء الغاز من إيران.
وعليه، تم في عام 2010 توقيع اتفاق رسمي بين إيران وباكستان لإنشاء خط أنابيب بطول ألفي كيلومتر انطلاقاً من الحدود المشتركة بين البلدين. وكان من المقرر أن ينقل هذا الخط يومياً مليار قدم مكعبة من الغاز لمدة 25 عاماً، مع تقديرات باستثمار إيران نحو ملياري دولار في إنشاء الجزء البالغ طوله 1150 كيلومتراً حتى الحدود الباكستانية، غير أن إسلام آباد انسحبت من تنفيذ حصتها التي كانت تشمل بناء 800 كيلومتر إضافي من الخط. يبدو اليوم أن باكستان وجدت بدائل أخرى لتأمين احتياجاتها من الغاز، وأصبحت عملياً غير محتاجة إلى إيران، ما يعني طي صفحة مشروع خط أنابيب السلام إلى الأبد. ومن بين هذه البدائل، التعاون مع شريك جديد ومنافس لوجستي قديم لإيران، هو تركيا.
إن توقيع أولى العقود الكبرى للحفر العميق في المياه البحرية بين شركة النفط الوطنية التركية للحفر البحري (TPOC) وشركاء باكستانيين، لا يستهدف فقط تلبية عطش باكستان المتزايد للطاقة، بل يحقق أيضاً الطموح التركي القديم في ترسيخ موقعها لاعباً إقليمياً محورياً في مجالي الترانزيت واستكشاف الطاقة.
وخلال السنوات الأخيرة، عمّق البلدان (باكستان وتركيا) علاقاتهما بشكل ملحوظ، لا سيما في المجالين الدفاعي والأمني، إلا أن الاتفاقات الأخيرة التي أُبرمت بحضور وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار في إسلام آباد، وسّعت نطاق هذه الشراكة إلى مجالات استراتيجية تشمل الطاقة والمعادن. وتعكس هذه الخطوة رغبة الطرفين في تجاوز قنوات الاعتماد التقليدية، مثل الصين أو منطقة الخليج، والعمل على تعريف محور جديد لقوة الطاقة في جنوب آسيا.
وبموجب عقود الحفر البحري العميق الموقعة مع خمس شركات باكستانية كبرى، ستنطلق أنشطة الاستكشاف التي تنفذها توبك في ثلاثة مربعات بحرية وحقلين بريين اعتباراً من مطلع عام 2026. كما يعكس هيكل الملكية داخل هذا الاتحاد توازن القوى، إذ تمتلك توبك حصة 34 في المئة، تليها شركة OGDC (شركة تنمية الزيت والغاز الباكستانية) بنسبة 26 في المئة، ثم شركة ماري إنرجيز بنسبة 20 في المئة، لتكون هذه الأطراف اللاعبين الرئيسيين في المشروع.
وبالنسبة إلى باكستان، يُعد هذا الاتفاق إنجازاً حيوياً. فقد عانت إسلام آباد لسنوات من كلفة استيراد الوقود المرتفعة وعدم الاستقرار في سوق الغاز الطبيعي المسال. في المقابل، لا تزال منطقتها البحرية التي تمتد على مساحة 300 ألف كيلومتر مربع في بحر العرب والمتاخمة لعمان والإمارات وإيران شبه غير مستغلة. منذ استقلال البلاد عام 1947، لم يُحفر في هذه المنطقة سوى 18 بئراً فقط. واليوم ومع دخول شريك يمتلك خبرة وتقنيات متقدمة في الحفر بالمياه العميقة، كما في تجربة البحر الأسود، تأمل باكستان أن تتمكن أخيراً من فك قيود إمكاناتها الهيدروكربونية.
وفي حال نجاح عمليات الاستكشاف، لن تحصل تركيا على مصادر جديدة من النفط والغاز فحسب، بل ستتمكن أيضاً خلال مسارها التنافسي مع إيران والعراق ودول الخليج الصغيرة، من ترسيخ موقعها كمورد موثوق للطاقة، ولا سيما بالنسبة إلى الصين التي استثمرت في المنطقة عبر الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني.
اقرأ المزيد
من الصحافة الإيرانية: صعود جيوسياسي لتركيا من العراق إلى القوقاز



