إدانات بلا تدخل… أين تقف موسكو في المواجهة مع إيران؟

في ظل استمرار انخراطها في حرب استنزاف في أوكرانيا، لا تبدو موسكو راغبة في فتح جبهة مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ميدل ايست نيوز: اكتفت روسيا عقب شن الولايات المتحدة وإسرائيل عداوناً على إيران بإدانات دبلوماسية، وتجنّبت الانخراط المباشر في الميدان؛ وهو نهج أثار تساؤلات جدية حول المستوى الفعلي لالتزامات الكرملين وحسابات طهران الجديدة في سياستها الخارجية.

وقال موقع رويداد24، إن التطورات المتسارعة في المنطقة وتصاعد التوتر بين طهران وواشنطن وتل أبيب أعادت توجيه الأنظار نحو موسكو؛ الشريك الذي يوصف في الخطاب الرسمي بأنه «استراتيجي»، غير أن الوقائع الميدانية لا تعكس التزامًا عمليًا واضحًا. فمواقف الكرملين لم تتجاوز حدود الإدانة اللفظية، ما جعل الفجوة بين نصوص الاتفاقات والسلوك الفعلي السؤال الأبرز في السياسة الخارجية الإيرانية هذه الأيام: إلى أي مدى يمكن أن تمضي روسيا مع إيران؟

من الإدانة اللفظية إلى الحياد المحسوب

عقب تصاعد الهجمات الإسرائيلية والأميركية على أهداف مرتبطة بإيران، أصدر الكرملين، كعادته، بيانات تدين انتهاك القانون الدولي. غير أن ما ظهر على الأرض لم يتجاوز تكرار نمط الدعم الكلامي المعروف، وهو نمط سبق أن اختبرته كل من دمشق وكاراكاس.

وعلى هامش منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي، أشار فلاديمير بوتين إلى وجود ملايين اليهود من أصول روسية في إسرائيل، متبنّيًا موقفًا فُهم منه أنه أقرب إلى «حياد نشط»؛ حياد يبدو أنه يرتبط باعتبارات موسكو الجيوسياسية أكثر مما يخدم طهران.

وفي السياق ذاته، بدت تصريحات دميتري مدفيديف الساخرة ضد دونالد ترامب أقرب إلى رسائل إعلامية منها إلى مؤشر على دخول روسيا ساحة المواجهة.

معاهدة بلا بند دفاعي

روّجت بعض وسائل الإعلام الإيرانية لتوقيع «معاهدة الشراكة الاستراتيجية» بين طهران وموسكو في أبريل 2025 بوصفه محطة مفصلية في العلاقات الثنائية. غير أن تفاصيل الاتفاق تظهر خلوّه من بند دفاع مشترك؛ وهو ما يترك لروسيا هامشًا واسعًا لتجنّب أي انخراط مباشر في نزاع عسكري.

وهنا يبرز الفارق بين الشراكة السياسية والتحالف العسكري. فعلى خلاف اتفاقيات حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لا يتضمن الاتفاق الروسي الإيراني التزامًا بردّ مشترك في حال تعرّض أحد الطرفين لهجوم، ما يعني أن توقع دعم عسكري مباشر لم يستند منذ البداية إلى أساس قانوني واضح.

مزاعم الدعم التسليحي.. واقع أم رسالة ردع؟

في خضم التكهنات، نشرت وسائل إعلام بينها فايننشال تايمز تقارير تحدثت عن موافقة روسيا على تزويد إيران بصواريخ متطورة محمولة على الكتف بقيمة مئات الملايين من اليوروهات. غير أن الساحة الميدانية لم تُظهر مؤشرات واضحة على تسليم واسع النطاق لهذه المعدات.

ورأى محللون غربيون أن هذه الأنباء قد تكون رسالة ردع أكثر منها تحوّلًا استراتيجيًا من جانب موسكو؛ رسالة تهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد محتمل، من دون أن تنخرط روسيا مباشرة في النزاع.

مناورات رمزية في خليج عُمان

أما المناورات البحرية المشتركة بين إيران وروسيا في خليج عُمان، فبدت أقرب إلى خطوة رمزية منها إلى تغيير فعلي في ميزان القوى. فالحضور المحدود للقطع البحرية الروسية، وعلى نطاق غير واسع، عكس رغبة موسكو في الحفاظ على صورة «التعاون»، مع تجنّب الانتقال إلى مستوى التزام عملي أعمق.

وفسّرت وسائل إعلام تحليلية أوروبية هذا السلوك في إطار «سياسة المسارات المتعددة» التي تنتهجها روسيا، وهي سياسة تسعى من خلالها إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران وتل أبيب وحتى واشنطن في آن واحد.

وساطة أم إدارة أزمة لمصلحتها؟

خلال المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، أعادت موسكو طرح فكرة الوساطة، بل واقترحت نقل مخزونات اليورانيوم الإيراني المخصّب إلى أراضيها. ويرى بعض المحللين الأميركيين أن هذا الطرح قد يعكس مسعى روسيًا للتموضع كلاعب رئيسي في الملف النووي، واكتساب ورقة تفاوض إضافية في مواجهة الغرب، أكثر مما يعكس دعمًا مباشرًا لإيران.

وفي ظل استمرار انخراطها في حرب استنزاف في أوكرانيا، لا تبدو موسكو راغبة في فتح جبهة مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فمن منظور الكرملين، يمثل الحفاظ على إيران كشريك إقليمي أمرًا مهمًا، لكن ليس إلى حد خوض حرب مباشرة مع الغرب من أجلها.

واقعية باردة في علاقات طهران وموسكو

ما يتكشف اليوم يعكس، في جوهره، منطق الواقعية في السياسة الخارجية الروسية. فالكرملين ينظّم علاقاته وفق حسابات المصالح الآنية وتوازنات القوة، لا وفق التزامات أيديولوجية أو تحالفات عاطفية.

وبهذا المعنى، تُعد إيران شريكًا مهمًا لروسيا في مجالات الطاقة والترانزيت وكبح النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، لكنها ليست حليفًا تستعد موسكو للدخول في حرب مباشرة دفاعًا عنه.

وأعاد الصمت العملي الروسي في لحظة التصعيد الأخيرة طرح سؤال أمام صناع القرار في طهران حول ماهية «الشراكة الاستراتيجية» وحدود ما تضمنه من التزامات.

فإذا كانت المعاهدة تخلو من بند دفاع مشترك، وإذا كان الكرملين يعلن صراحة تبنّي الحياد، فقد لا تكمن المسألة في صمت موسكو بقدر ما تكمن في مستوى التوقعات الإيرانية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن معادلات القوة الجديدة تفرض على كل طرف أن يقدّم مصالحه أولًا، حتى وإن وُصفت العلاقة بأنها «استراتيجية».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى