الصحافة الإيرانية: الهدنة قريبة أم بعيدة؟
على الرغم من أن بعض التحليلات تتحدث عن احتمال خفض التصعيد والاتجاه نحو وقف إطلاق النار، فإن سيناريو استمرار القتال لأسابيع أو حتى أشهر أخرى يظل مطروحاً.
ميدل ايست نيوز: تشير تقارير عديدة صادرة في الأيام الأخيرة عن وسائل إعلام إقليمية ودولية إلى وجود محاولات لإنهاء الحرب وتفعيل قنوات دبلوماسية. وذكرت بعض المصادر أن دولاً مثل تركيا وسلطنة عمان ومصر طرحت مبادرات لبدء مسار دبلوماسي يهدف إلى وقف المواجهات العسكرية بين إيران وكل من أميركا وإسرائيل. وبحسب هذه التقارير، جرت وساطات مع مسؤولين إيرانيين، كما تواصل ممثلو هذه الدول مع الجانب الأمريكي. ومع ذلك، لم تُكشف تفاصيل واضحة بشأن وجود تواصل بين الوسطاء وإسرائيل، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت مثل هذه الاتصالات قد جرت بالفعل.
تقول صحيفة شرق الإيرانية، في المقابل، شككت تصريحات وتقارير أخرى في وجود هذه الجهود الدبلوماسية من الأساس. فقد كتب علي هاشم، مراسل الجزيرة، في حسابه على منصة إكس: “أبلغني مصدر موثوق في طهران أن التقارير حول إرسال رسائل عبر سلطنة عمان أو فرنسا أو أي وسيط آخر غير صحيحة. لا توجد أي دبلوماسية جارية على أي مستوى”. وإذا تأكدت هذه المعلومات، فإنها تقدم إجابة واضحة على السؤال المحوري الذي يشغل الرأي العام بشأن موعد انتهاء الحرب، وهو السؤال الذي يثير قلق المواطنين في الأيام الأخيرة. وبعبارة أخرى، فإن غياب أي تواصل دبلوماسي يدل على أن نهاية المواجهات العسكرية لم ترتبط حتى الآن بأي عملية رسمية أو مفاوضات، وأن مسار الحرب ما يزال يُحسم في الميدان ومن خلال القرارات الاستراتيجية للأطراف المتحاربة، بينما لا يبدو أن التحركات غير المعلنة خلف الكواليس لعبت دوراً حاسماً حتى الآن في إنهاء الصراع.
ومع دخول الحرب أسابيعها اللاحقة، يبقى السؤال الأبرز لدى الرأي العام هو موعد انتهاء القتال. فهذه الحرب لا تؤثر فقط في المشهد السياسي في المنطقة، بل تلقي بظلالها أيضاً على الاقتصاد والعلاقات الدولية، وقد جذبت اهتمام عدد كبير من الفاعلين الدوليين. ومع ذلك، يصعب تقديم إجابة واضحة عن موعد انتهاء الحرب، لأن الحروب، على خلاف كثير من الظواهر السياسية والاقتصادية، لا تسير في مسار خطي قابل للتوقع، بل تتأثر بعوامل متعددة ومتغيرة. ولهذا يتعامل المحللون بحذر عند تقديم تقديرات حاسمة بشأن مدة الصراع.
وفي هذا السياق، زادت التصريحات المتناقضة الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين، وخاصة الرئيس الأمريكي، من حالة الغموض. ففي بعض الأحيان يجري الحديث عن اقتراب نهاية الحرب وتحقيق الأهداف الرئيسية، بينما يُؤكد في تصريحات أخرى أن القتال ما يزال مستمراً ولا يوجد جدول زمني محدد لنهايته. وقد قدر بعض المسؤولين الأمريكيين مدة الحرب بما يتراوح بين عدة أسابيع ونحو ستة أسابيع، مؤكدين أن الصراع لن يكون مفتوحاً إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، طُرحت أيضاً آراء أكثر حذراً تشير إلى أن نهاية الحرب قد لا تكون قريبة. ويعكس هذا التباين في التقديرات غياب إجماع كامل بين كبار المسؤولين بشأن آفاق الحرب.
في المقابل، أعلن المسؤولون الإيرانيون استعدادهم لمواصلة القتال، بل تحدث بعضهم عن قدرة البلاد على الاستمرار في المواجهة لعدة أشهر. كما يرى بعض المحللين داخل إيران أن الطرف المقابل قد لا يتحمل حرباً طويلة الأمد، وأن استمرار العمليات قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء الصراع في وقت أقرب. ويُظهر هذا التباين في المواقف بين الأطراف الرئيسية أن مسار نهاية الحرب ما يزال غامضاً ويرتبط إلى حد كبير بالتطورات المقبلة.
ويؤكد خبراء عسكريون وسياسيون أن الحرب ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، وغالباً ما لا تُدار وفق حسابات دقيقة منذ بدايتها وحتى نهايتها. ففي كثير من الحالات لعبت الأخطاء في التقدير وسوء الحسابات بشأن قدرات الخصم وردود فعله دوراً مهماً في اندلاع الحروب واستمرارها. وهذه الطبيعة المعقدة تجعل مسار النزاعات غير قابل للتنبؤ، وقد تتحول الحروب التي تبدأ بأهداف محدودة وقصيرة الأمد إلى صراعات طويلة في الواقع.
إضافة إلى ذلك، تجري الحرب الحالية ضمن سياق من المعادلات الإقليمية والدولية المعقدة. فالصراع لا يقتصر على مواجهة بين طرفين أو ثلاثة أطراف فقط، بل يحدث في بيئة جيوسياسية تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى ودول المنطقة. وتؤثر القرارات السياسية والعسكرية للقوى الكبرى، ومواقف دول مثل الصين وروسيا، وكذلك مخاوف دول الخليج بشأن استقرار أسواق الطاقة، في مسار الحرب. كما أن تصاعد التوتر في منطقة تُعد من أهم مراكز إنتاج ونقل الطاقة في العالم قد يترتب عليه تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، وهو ما ينعكس بدوره على حسابات مختلف الأطراف.
من جهة أخرى، تشير تقارير إلى وجود خلافات داخل بنية صنع القرار في الولايات المتحدة. فقد حذر بعض المستشارين من التداعيات الاقتصادية للحرب ومن احتمال تراجع الدعم الداخلي، ودعوا إلى تقليص الأهداف العسكرية، بينما يصر تيار أكثر تشدداً على مواصلة العمليات. وتكشف هذه الخلافات أن موعد وطريقة إنهاء الحرب لم يُحسما بشكل نهائي حتى على أعلى مستويات صنع القرار.
في المجمل، أدت مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والجيوسياسية إلى بقاء آفاق نهاية الحرب غير واضحة حتى الآن. وعلى الرغم من أن بعض التحليلات تتحدث عن احتمال خفض التصعيد والاتجاه نحو وقف إطلاق النار، فإن سيناريو استمرار القتال لأسابيع أو حتى أشهر أخرى يظل مطروحاً. وفي الظروف الراهنة، يبدو أن تطورات الميدان والقرارات الاستراتيجية للأطراف الرئيسية ستظل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد المسار المستقبلي للحرب.



