لماذا يشكّل تضييق الخناق على إيران مشكلةً للصين أيضا؟
مع بقاء إيران والولايات المتحدة في حالة مراوحة، يفترض كثيرون أن الصين، المنخرطة في "حرب باردة جديدة" مع الولايات المتحدة، كانت الرابح غير المتوقع من الحرب، ومن دون أن تطلق رصاصة واحدة.

ميدل ايست نيوز: حبس العالم أنفاسه مع اقتراب نهاية وقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. ومع تصاعد خطر عودة الحرب، وربما اتساع رقعتها، تعلقت الآمال على توصل طهران وواشنطن إلى اتفاق سلام دائم، أو على الأقل تمديد وقف إطلاق النار؛ غير أن العاصمتين، حتى فيما كان دبلوماسيون إيرانيون ونظراؤهم الأميركيون يستعدون للوصول إلى إسلام آباد في اليوم نفسه، ظلتا تبعثان إشارات متناقضة بشأن احتمال عقد جولة ثانية من المحادثات.
ثم حلّت ساعة الحسم، وتنفس العالم الصعداء.
لم يمهد مقتل هؤلاء المعتدلين الطريق أمام المتشددين لتولي السلطة فحسب، بل زادهم تصلبا أيضا. ومع ذلك، وعلى الرغم من تعطشهم إلى الانتقام، لم تحجب الكراهية بصيرة صناع القرار في طهران، فهم يملكون تقديرا واقعيا لنقاط قوة إيران وضعفها. ونتيجة لذلك، تبدو إيران اليوم أكثر وحدة من أي وقت مضى، وقد التفت حول “اللاءات الثلاث”: لا حرب، لا سلام، لا محادثات.
لا حرب، لأن اختلال موازين القوة ضدها يجعل أفضل ما يمكن أن ترجوه إيران، إذا استؤنفت الحرب، انتصارا باهظ الثمن. ولا سلام، لأن غياب تهديدات وجودية خارجية سيعيد الاضطرابات الداخلية إلى الواجهة، بما يشكل خطرا على الحكومة الإيرانية. ولا محادثات، لأن ترمب يواصل المطالبة على طاولة التفاوض بما عجزت الولايات المتحدة عن انتزاعه في ميدان القتال.
لم ينتصر أحد في الحرب بما في ذلك الصين
لذلك يجد ترمب نفسه أمام معضلة صعبة. فمن جهة، تعني العودة إلى الحرب استئناف تبادل الضربات المدمرة مع إيران. فإذا هاجمت الولايات المتحدة منشآت النفط الإيرانية في خوزستان مثلا، ردت إيران بالمثل عبر استهداف منشآت حلفاء واشنطن، سواء في ينبع أو الفجيرة أو غيرهما. ومن جهة أخرى، يعني الإبقاء على الوضع الراهن استمرار إيران في السيطرة على مضيق هرمز الحيوي. والأهم أن ذلك يبعث برسالة مفادها أن الولايات المتحدة ليست سوى “نمر من ورق”، عاجزة عن حماية حلفائها أو مصالحهم.
ومع بقاء إيران والولايات المتحدة في حالة مراوحة، يفترض كثيرون أن الصين، المنخرطة في “حرب باردة جديدة” مع الولايات المتحدة، كانت الرابح غير المتوقع من الحرب، ومن دون أن تطلق رصاصة واحدة. غير أن الصين، وإن بدت أكثر استعدادا لتحمل التداعيات الاقتصادية للحرب، لم تخرج منها سالمة. فترابط الاقتصاد العالمي يعني أن تحليق طائرة إيرانية مسيرة واحدة من طراز “شاهد” فوق السعودية، قد يكفي لدفع أسعار النفط إلى الارتفاع في الصين.
الصين تفقد نفوذها مع تضييق الخناق على إيران
والأسوأ أن آثار ارتفاع أسعار النفط يمكن تخفيفها، وهي مهمة تسهلها علاقات الصين الوثيقة مع روسيا وتقدمها في مجال الطاقة المتجددة. وحتى تراجع الطلب العالمي يمكن احتواؤه، إذ كانت الصين قد بدأت بالفعل الاستعداد لفك الارتباط مع اقتصادات كبرى قبل اندلاع الحرب. غير أن خسارة الصين نفوذها على إيران مسألة مختلفة تماما.
كان ترمب يتصور أن الحرب ستكون نسخة ثانية من “فنزويلا-2.0″، أي إنها ستكون استعراضا للقوة العسكرية الأميركية يعقبه استسلام إيراني. لكن إيران، وإن كانت قد أضعفت، لم تهزم. وبما أنها تفتقر إلى القدرة على الانتقام من الولايات المتحدة مباشرة، أخذت تضرب على نحو عشوائي ومن دون تمييز.
فإغلاق إيران مضيق هرمز، مثلا، سلاح ذو حدين يطال الأصدقاء والخصوم على السواء. بل يمكن القول إنه أصاب أصدقاء إيران، ومنهم الصين، أكثر مما أصاب خصومها. ويزعم ترمب أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى المضيق، بحجة أنها لا تستورد نفطا من الخليج. ومع ذلك، ألحق الإغلاق ضررا بالولايات المتحدة، وإن بصورة غير مباشرة وبأثر محدود، عبر تعطيل صادرات وواردات النفط لدى حلفائها ورفع أسعار النفط العالمية.
وفي المقابل، وعلى الرغم من تأكيد إيران أن السفن الصينية تستطيع المرور بحرية، ألحق إغلاق مضيق هرمز بالصين ضررا أكبر مما ألحقه بالولايات المتحدة. ويعود ذلك إلى اعتماد الصين على واردات النفط من دول الخليج، وهي واردات لا تنقلها دائما سفن صينية.
وتزداد المشكلة تعقيدا بسبب صعوبة تتبع ملكية السفن، إذ تسجل معظم السفن اليوم تحت ما يعرف بأعلام الملاءمة، لا تحت أعلام دولها الأصلية. ونتيجة لذلك، علِقت سفن صينية كثيرة، إلى جانب سفن تحمل بضائع صينية أو بضائع متجهة إلى الصين، عند طرفي المضيق.
والأشد إثارة للقلق أن إيران، بعدما أدركت أن الولايات المتحدة لن تدفع تعويضات حرب، تعتزم تحصيل رسوم من السفن التي تعبر مضيق هرمز. ورغم تعاطف الصين مع إيران لجرها إلى هذه “الحرب المفروضة”، فإن الصين ليست مسؤولة عن الحرب، ولا تنوي دفع تكاليف إعادة إعمار إيران. ومن وجهة نظر بكين، فإن دولارا أميركيا واحدا على كل برميل نفط يمر عبر المضيق هو دولار زائد عن الحد. لذلك، رفعت الصين صوتها اعتراضا على إغلاق إيران مضيق هرمز، وحثت طهران على السماح بمرور السفن المدنية في أسرع وقت ممكن. غير أن اعتراضات بكين لم تلق آذانا صاغية. فالحرب لم تمهد الطريق أمام المتشددين لتولي السلطة في إيران فحسب، بل حولت البلاد إلى “جيش له دولة”.
ومع ارتداد الاقتصاد الإيراني عقودا أخرى إلى الوراء، وخوض البلاد حربا وجودية، تقدم “الحرس الثوري الإيراني”، الذي كان يوما حكومة ظل في إيران، إلى الواجهة. وعازما على التشبث بالسلطة، يبدو الحرس الثوري ملتزما بإبقاء إيران في حال حرب دائمة.
ومما يزيد الأمر تعقيدا أن إيران باتت في وضع أضعف. فمع امتلاكها وسائل محدودة للرد على خصوم يتفوقون عليها عسكريا بفارق ساحق، ترى طهران في احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة عبر إغلاق مضيق هرمز خيارها العملي الوحيد، متشبثة به كما يتشبث الغريق بقشة. وضمن هذه الرؤية الصفرية، ينظر إلى كل من يعترض، حتى أكبر شريك تجاري لإيران، كأنه يقف ضدها.
الدبلوماسية لا تزال الخيار الوحيد
مع ذلك، لم تتخل الصين بعد عن الدبلوماسية. فمن منظور بكين، لا يمثل إغلاق إيران مضيق هرمز عقدة غوردية، ومحاولة قطعها بالقوة الغاشمة لن تؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة. ولهذا صوتت الصين ضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي قدمته البحرين نيابة عن دول الخليج، والذي دعا إيران إلى فتح مضيق هرمز.
وكما يقول المثل الصيني، لا يستطيع إصلاح المشكلة إلا من صنعها. فجذر الأزمة يكمن في الحرب غير القانونية وغير الأخلاقية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك تقع عليهما مسؤولية حلها. ولا ينبغي أن يكون هدف المجتمع الدولي دفع ثمن حربهما، لا بالمال ولا بالدم، بل الضغط عليهما للعودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن هذه المرة بحسن نية.



