انسحاب «الناتو» و«التحالف»: هل يمتلك العراق القدرة على ترميم أمنه وسط نيران الحروب؟

تتجه القوى العسكرية الدولية إلى تقليص وجودها العسكري في العراق، وهو تحوّل، يراه مراقبون، يضع البلاد أمام معادلة أمنية معقدة.

ميدل ايست نيوز: تزامناً مع تصاعد الضربات الجوية واتساع رقعة الاستهداف داخل العراق، تتجه القوى العسكرية الدولية إلى تقليص وجودها العسكري في العراق، وهو تحوّل، يراه مراقبون، يضع البلاد أمام معادلة أمنية معقدة بين ضرورة الاعتماد على القدرات الذاتية ومخاطر الفراغ في مفاصل أمنية مهمة.

ولم يقتصر الانسحابات على مستشاري التحالف الدولي الذين غادروا، مؤخراً، مواقعهم داخل قيادة العمليات المشتركة باتجاه الأردن، بل شمل أيضاً بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي أعلنت سحب عدد من مستشاريها وفرقها التدريبية، بالتوازي مع خطوات مماثلة من دول أوروبية، بينها بولندا التي باشرت بإعادة انتشار قواتها خارج الأراضي العراقية.

تداعيات مغادرة الناتو

وعن تداعيات ذلك، يقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية سيف رعد إن “انسحاب بعثة الناتو سيترك أثراً واضحاً على مفاصل التدريب العسكري المتقدم، لا سيما في مجالات الاتصالات والقيادة والسيطرة، فضلاً عن البرامج المرتبطة بتأهيل الضباط على استخدام أنظمة الاتصالات الحديثة ومنظومات الاستطلاع وتحليل البيانات”.

ويضيف، أن “الدعم الذي كانت تقدمه بعثة الناتو لم يكن يقتصر على التدريب التقليدي، بل شمل أيضاً الإسناد الفني والاستخباري، من خلال تبادل المعلومات وتطوير قدرات التحليل والكشف المبكر عن التهديدات، خصوصاً ما يتعلق بخلايا تنظيم داعش وتحركاتها في المناطق المعقدة”.

ويشير رعد إلى أن “هذا النوع من التدريب منح القوات العراقية خبرة تراكمية في التعامل مع الأنظمة الحديثة، وهو ما قد يتأثر مؤقتاً مع غياب هذه البعثة، خاصة في الجوانب التقنية الدقيقة”، مبيناً أن “التأثير العام للانسحاب لا يمكن وصفه بالكبير أو الكارثي، كون البعثة لم تكن تقدم دعماً قتالياً مباشراً، إلا أن الضرر سيظهر بشكل أوضح في المجالات الفنية والاستخبارية المتقدمة التي تحتاج إلى وقت لتعويضها محلياً”.

وتأسست بعثة الناتو التدريبية في العراق عام 2004 بناء على طلب من الحكومة العراقية المؤقتة ووفقاً لأحكام قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1546.

وتمثل هدف بعثة الناتو التدريبية في العراق في المساعدة على تطوير الهياكل والمؤسسات التدريبية لقوات الأمن العراقية كي يتمكن العراق من بناء قوة أمنية فعالة ومستدامة تلبي احتياجات الدولة.

ولم تكن بعثة الناتو التدريبية في العراق مهمة قتالية، بل كانت بعثة تحت الإشراف السياسي لمجلس شمال الأطلسي التابع لحلف الناتو، وانصب تركيزها العملياتي على التدريب والتوجيه.

كما نسقت أنشطة البعثة مع السلطات العراقية ونائب القائد العام للتدريب والاستشارات للقوات الأمريكية في العراق، والذي كان أيضاً قائد بعثة الناتو التدريبية في العراق، وانتهت مهام البعثة في كانون الأول ديسمبر 2011، قبل أن تعود مرة ثانية إلى بغداد في تشرين الأول أكتوبر 2018 وتضم حالياً عدة مئات من الأفراد من الحلفاء والدول الشريكة النمسا وأستراليا. وفي آب أغسطس 2023 وافق مجلس شمال الأطلسي، على توسيع نطاق مبادرة الأمم المتحدة البحرية بناءً على طلب الحكومة العراقية.

أثر انسحاب التحالف الدولي

بدوره، يؤكد الخبير الأمني علاء النشوع، أن “انسحاب مستشاري التحالف الدولي من العراق يضع الأمن القومي أمام تحديات كبيرة، خصوصاً مع فقدان منظومة المعلومات الاستخبارية التي كانت توفر رصداً دقيقاً لتحركات الجماعات الإرهابية داخل البلاد”.

ويضيف أن “التحالف الدولي كان يؤدي دوراً محورياً في حماية الأجواء العراقية، فضلاً عن مشاركته الفعلية في العمليات العسكرية ضد الأهداف التي تشكل تهديداً على المدن، بما في ذلك الضربات الجوية الدقيقة التي استهدفت مواقع تنظيم داعش داخل العراق وخارجه”.

ويعتقد النشوع، أن “انسحاب هذه القدرات في ظل الظروف الراهنة، حيث تتحول الأجواء العراقية إلى ممر للأطراف المتحاربة، يزيد من حجم المخاطر، خاصة مع تصاعد نشاط الفصائل المسلحة واستهدافها لمؤسسات الدولة والمصالح الأجنبية، إلى جانب تهديد الشركات العاملة في قطاع النفط والاستثمار”.

وكان عدد العسكريين الأميركيين في العراق نحو 2500 جندي ضمن التحالف الدولي ضد الإرهاب، يتوزعون على ثلاثة مواقع رئيسية هي قاعدة عين الأسد في الأنبار، وقاعدة حرير في أربيل، ومعسكر فيكتوري الملاصق لمطار بغداد الدولي.

ولا تقتصر قوات التحالف على الأميركيين، إذ تضم أيضًا قوات فرنسية وأسترالية وبريطانية، إلى جانب قوات تعمل ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العراق.

وتأسس التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمكافحة تنظيم داعش في أيلول سبتمبر 2014، وضم نحو 85 دولة ومنظمة دولية.

معادلة معقدة

وبدأ الخطاب الحكومي الرسمي في العراق أكثر حدة تجاه الولايات المتحدة والتحالف الدولي، على وقع الهجمات المتصاعدة التي تشهدها الساحة العراقية، إذ وصل إلى حد التلويح بتقديم موعد إنهاء مهمة التحالف بشكل كامل، بالتوازي مع منح القوات العراقية، بما فيها تشكيلات الحشد الشعبي، صلاحيات أوسع للرد على الهجمات التي تستهدف مواقعها.

ويفسر مختصون هذا التحول بأنه إعادة تموضع في طريقة تعاطي بغداد مع الوجود العسكري الأجنبي، مدفوعاً بتداخل العوامل الداخلية مع التصعيد الإقليمي، حيث تسعى الحكومة إلى موازنة الضغوط الداخلية والسياسية المطالبة بإنهاء الوجود الأجنبي، مع التحديات الأمنية، ما يضعها أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على السيادة وتجنب الانزلاق إلى مزيد من التصعيد.

وامتدت موجة الانسحابات إلى التحالف الدولي، الذي كان من المفترض أن يُنهي وجوده بشكل كامل في إقليم كردستان بحلول شهر أيلول المقبل، ضمن التفاهمات المعلنة بين بغداد وواشنطن، إلا أن التطورات الأمنية المتسارعة دفعت باتجاه تسريع الانسحاب الكامل من العراق، وفق ما أكده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.

وقال السوداني في تصريح صحفي، سيتم “تقديم موعد” انتهاء المهمة التي تقودها الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش، والتي كان من المقرر أن تنتهي في أيلول سبتمبر المقبل.

تحول لافت

إلى ذلك؛ يرى الباحث والأكاديمي حسام ممدوح أن “ما يحصل يمثل تحولاً لافتاً في طبيعة الخطاب الرسمي العراقي تجاه الولايات المتحدة، إذ سادت لغة أكثر صراحة ووضوحاً في توصيف الهجمات، إلى جانب منح القوات العراقية هامشاً أوسع للتحرك والدفاع عن مواقعها”.

ويضيف ممدوح أن “هذا التطور يؤكد انتقال الحكومة من مرحلة المواقف الحذرة إلى تبني خطاب أكثر تشدداً، مدفوعاً بتكرار الاستهدافات التي طالت مواقع الحشد الشعبي والقوات الأمنية، غير أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام تداعيات سياسية وأمنية أوسع، خاصة في ظل تداخل الملفات الإقليمية وتصاعد المواجهة في المنطقة”.

وبعد اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، امتدت تداعيات المواجهة إلى الداخل العراقي، حيث تصاعدت الهجمات التي استهدفت مواقع دبلوماسية وأماكن تواجد البعثات الأجنبية، إذ تعرض فندق الرشيد في بغداد، الذي يستضيف دبلوماسيين غربيين وبعثات عاملة، إلى هجوم بطائرة مسيّرة، في مؤشر على اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مواقع مدنية ذات طابع دولي.

كما تعرضت السفارة الأمريكية في بغداد والمطار الدولي، لهجمات متكررة خلال الفترة الأخيرة، عبر صواريخ وطائرات مسيّرة، بالتوازي مع حوادث أمنية في إقليم كردستان، كان أبرزها مقتل جندي فرنسي في أربيل إثر هجوم استهدف موقعاً عسكرياً، وسط مخاوف متزايدة على أمن البعثات الأجنبية والشركات الدولية العاملة في البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى