وايلز وفانس أبرز الأصوات.. تحذيرات داخل البيت الأبيض من تداعيات حرب إيران
تتزايد التحذيرات داخل الإدارة الأميركية من انعكاسات حرب إيران على الوضع السياسي في الولايات المتحدة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة واقتراب انتخابات التجديد النصفي.

ميدل ايست نيوز: تتزايد التحذيرات داخل الإدارة الأميركية من انعكاسات حرب إيران على الوضع السياسي في الولايات المتحدة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة واقتراب انتخابات التجديد النصفي، بما قد يهدد موقع الحزب الجمهوري وشعبية الرئيس دونالد ترامب.
ووفق تقرير لمجلة “تايم“، برزت رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز مع عدد محدود من المساعدين، في مسعى لإقناع ترامب بأن استمرار الحرب لفترة أطول قد يضر بشعبيته، ويضعف حظوظ الجمهوريين في انتخابات الكونجرس المقررة في نوفمبر.
وبحسب مسؤول رفيع، أثار هذا التحذير قلق ترامب، الذي اعتاد مؤخراً بدء يومه بمشاهدة مقاطع مصوّرة يعدّها مسؤولون عسكريون، تُبرز ما يقدّم على أنه إنجازات ميدانية.
لكن وايلز، وفق مصدرين في البيت الأبيض، أبدت مخاوف من أن بعض المساعدين يعرضون على ترامب صورة مفرطة في التفاؤل بشأن موقف الرأي العام من الحرب، ويقدمون له ما يرغب في سماعه بدلاً مما ينبغي أن يعرفه.
وحثت وايلز زملاءها، وفق المسؤولين، على أن يكونوا “أكثر صراحة مع الرئيس” بشأن المخاطر السياسية والاقتصادية.
ومن بين دائرة الرئيس المقربة، كان نائب الرئيس جي دي فانس الأكثر رفضاً للحرب، بحسب مصدرين مطلعين على المداولات.
وقال ترامب لكبار مستشاريه، إن “جي دي لا يحب هذا، لكن حين تتخذ القرار، يصبح قراراً، أليس كذلك؟”.
وذكر مصدر بالبيت الأبيض لـ”تايم”، أن فانس، قبل الهجوم، عرض مزايا العملية ومخاطرها، مضيفاً: “ولكن حالما يتخذ الرئيس القرار، يقف نائب الرئيس إلى جانبه 110%”.
خلافات ترامب
وعد ترامب خلال حملته الانتخابية، بإحياء الاقتصاد وإبقاء الولايات المتحدة بعيداً عن الصراعات الخارجية، لكنه أطلق الآن حرباً لم يحصل على تفويض لخوضها، فيما قد يكون الألم الاقتصادي في بدايته فقط.
فبعد شهر من الصدمة النفطية، يتم خفض توقعات النمو العالمي، ويظهر نقص في الإمدادات عبر أوروبا وآسيا، ويحذر متداولو الطاقة من أن العالم لم يشعر بعد بكامل تداعيات الاضطراب.
كما أن إغلاقاً مطولاً لمضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يمثل الطريق الرئيسي لصادرات النفط والغاز من الخليج، قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى الركود.
وبعد مرور أكثر من شهر عن الحرب، لم يعد بإمكان البيت الأبيض تجاهل هذا الوضع، فالوقت ينفد قبل أن يواجه ترامب و”الحزب الجمهوري” والشعب الأميركي كلفة أشد وطأة.
ووفق “تايم”، بدا ترامب محبطاً من هذا المأزق، وعلى خلاف مع بعض المسؤولين، وغاضباً من الانطباعات السلبية عن الحرب.
ودفعت التكلفة السياسية والاقتصادية المتصاعدة إلى بحث الرئيس الأميركي عن “مخرج”، بحسب ما نقلت “تايم” عن مستشارين اثنين وعضوين في الكونجرس تحدثوا معه خلال الأسبوع الماضي.
وقال ترامب لهم إنه يريد تقليص الحملة العسكرية، مبدياً قلقه من أن صراعاً طويلاً قد يضر بالجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وفي الوقت نفسه، يسعى إلى أن تنتهي العملية بنجاح حاسم. ويؤكد حلفاؤه أنه يبحث عن طريقة لإعلان النصر ووقف القتال، على أمل أن تستقر الأوضاع الاقتصادية قبل أن تتكرس الأضرار السياسية.
السير على خط رفيع
حاول ترامب السير على خيط رفيع في خطاب متلفز إلى الأمة مساء الأول من أبريل، إذ أشاد بالانتصارات العسكرية، معتبراً أن العملية “تقترب من نهايتها”، لكن في الوقت نفسه أعلن أن الولايات المتحدة ستوجه ضربات “قاسية للغاية” إلى إيران خلال الأسبوعين إلى الثلاثة المقبلة، ملوحاً بتدمير البنية التحتية للطاقة في البلاد.
وقال ترامب: “سنعيدهم إلى العصور الحجرية، حيث ينتمون”.
وفي مقابلة مع “تايم”، الخميس، قال ترامب إن إيران متحمسة لإبرام اتفاق ينهي القتال.
وأضاف: “لماذا لا يتصلون؟ لقد دمرنا جسورهم الثلاثة الكبرى، إنهم يتعرضون لسحق تام، يقولون إن ترامب لا يتفاوض مع إيران، أعني أن الأمر يبدو تفاوضاً سهلاً إلى حد ما”.
ومع ذلك، وخلف هذه التصريحات النارية، بدأ يتنامى إدراك داخل البيت الأبيض بأن الوضع قد يفلت من السيطرة.
كما يضاعف إسقاط طائرتين عسكريتين أميركيتين في أجواء إيران، من العبء السياسي المحتمل على ترامب، بما في ذلك من بعض أنصاره الذين انتخبوه لولاية ثانية.
وفوجئ عدد من كبار المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم وزير الحرب بيت هيجسيث، بسيل الهجمات الانتقامية التي أطلقتها طهران في المنطقة.
ونسف هذا الرد الافتراض القائل إن طهران “ستكتفي بردود رمزية”.
وذكرت “تايم” أنه خلال مداولات داخلية سبقت اندلاع الحرب، كان هيجسيث قد استند إلى ردود إيران المحدودة على هجمات سابقة لترامب، باعتبارها دليلاً على أن استخدام القوة بشكل مدروس يمكن أن يفرض كلفة على طهران من دون إشعال حرب أوسع.
لكن هيجسيث “فوجئ تماماً، لا شك في ذلك”، بحسب ما قال مصدر مطلع للمجلة.
وبحسب تقييم البنتاجون، فإن “هذه العملية حققت نجاحاً عسكرياً واضحاً”، مع “تدمير أو إضعاف 90% من قدرات إيران الصاروخية، وتحييد نحو 70% من منصات الإطلاق، وتعطيل أو تدمير أكثر من 150 قطعة بحرية، إضافة إلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار مساعديه”.
ومع ذلك، يبدو من غير المرجح بشكل متزايد أن ينجح ترامب في تحقيق الأهداف الأوسع التي أعلنها، وهي تدمير البرنامج النووي الإيراني، وتفكيك برنامجها للصواريخ الباليستية، واستبدال النظام بآخر أكثر توافقاً، خلال الإطار الزمني الضيق الذي تبناه البيت الأبيض.
خبرة “عالم الأعمال“
من جانبه، يرى ستيف ويتكوف، صديق ترامب القديم ومبعوثه، أن نهج ترامب في حرب إيران، يعكس خبرة الرئيس الأميركي في عالم الأعمال، حيث كان الحفاظ على تعدد الخيارات أمراً محورياً.
وقال ويتكوف لزملائه في البيت الأبيض ووزارة الخارجية: “دونالد ترامب يحتفظ دائماً بعدة استراتيجيات للخروج، يترك لنفسه الكثير من الخيارات ومسارات الانسحاب، ثم يتلمس طريقه خلال العملية”، وفق ما أوردت “تايم”.
لكن الحروب غالباً ما تتجاوز خطط الرؤساء، إذ تكمن مخاطر رهانه في أن يؤدي تصعيد الحملة العسكرية خلال الأسابيع المقبلة إلى إغلاق طرق الخروج بدلاً من فتحها.
وقالت “تايم” إنه مع بدء الاستعدادات للحرب، اعتقدت الإدارة الأميركية أنها تمتلك معادلة رابحة تتمثل في أن توجيه ضربة افتتاحية ساحقة تجعل الرد الإيراني الوحيد الممكن هو رد محدود، يكفي لامتصاص الغضب الداخلي من دون استدعاء مزيد من الهجمات.
وكان هذا التصور قائماً على أحداث سابقة، فعندما أمر ترامب باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني خلال ولايته الأولى، جاء رد إيران عبر ضربة صاروخية استهدفت قاعدة أميركية من دون وقوع قتلى، وقد تم التمهيد لها مسبقاً.
كما أن الرد عقب عملية “مطرقة منتصف الليل” في يونيو 2025، التي استهدفت منشآت إيران النووية، جاء هو الآخر محدوداً نسبياً.
“مرة واحدة وكفى“
لطالما فضّل ترامب العمليات التي يسميها مساعدوه بـ”مرة واحدة وكفى”. وقد نفذ مثل هذه العمليات في اليمن وسوريا والصومال.
وفي يناير، نفذ عملية جريئة للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقله خارج البلاد لمحاكمته في الولايات المتحدة.
ثم شرع في تسهيل وصول الولايات المتحدة إلى احتياطيات فنزويلا النفطية، والتي تُعد من بين الأكبر عالمياً.
ويقول مساعدو الرئيس الأميركي، إنه رأى في فنزويلا مثالاً على أن التدخل السريع والدقيق يمكن أن يقلب نظاماً معادياً، ويُثبت بديلاً متعاوناً، ويحمي المصالح الأميركية دون أن يدخل البلاد في صراع مفتوح الأطراف.
ضغوط نتنياهو
كان لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المعروف بدعمه للهجمات العسكرية ضد إيران، تصور مختلف لكيفية سير الأمور.
وأخبر نتنياهو ترامب مراراً خلال الأشهر الستة الماضية أن النجاحات السابقة ضد إيران يجب أن تكون مقدمة لحملة نهائية أكثر استمراراً، بحسب مسؤول إسرائيلي تحدث لـ”تايم”.
وفي 11 فبراير، حضر نتنياهو إلى واشنطن لعقد اجتماع خاص مع الرئيس الأميركي استمر لساعات. وقال نتنياهو لترامب وفقًا لمصدر كان حاضراً: “لقد وصلنا إلى هذه المرحلة يا دونالد، علينا إنهاء ما بدأناه”.
وأضاف أن “إيران تلعب على كسب الوقت وستخطو بسرعة نحو القنبلة سراً”.
وقال مسؤول إسرائيلي آخر، إن “طهران سترى تطوير الأسلحة النووية الطريقة الوحيدة لمنع تكرار مثل هذا الهجوم”.
وتم وضع خطة الهجوم قبل تنفيذها بحوالي شهر، وفقاً لمسؤولين أميركيين رفيعي المستوى، واستغرق التنسيق أسابيع عديدة، أُجري معظمها بالتشاور الوثيق مع نظرائهم الإسرائيليين.
تسريبات الحرب
عندما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تفاصيل التخطيط للعملية في 17 فبراير، انفجر ترامب غضباً على مساعديه، وأطلق سلسلة من الشتائم، وفقاً لمسؤول كبير في الإدارة.
وأبلغ ترامب الصحافيين أنه سيقرر بشأن الضربات خلال “10 أو 15 يوماً”، رغم علمه بأن الولايات المتحدة كانت تخطط للهجوم قبل ذلك بكثير.
وقال مسؤول بالبيت الأبيض إن ذلك كان “تضليلاً متعمداً لحماية المهمة”.
وأصبح ترامب حذراً بما يكفي من التسريبات، حتى أن بعض مساعديه كانوا هدفاً للمناورات.
وفي 27 فبراير، سافر إلى مارلاجو، واجتمع مع مساعديه في غرفة عمليات مؤقتة، ولكنه أبدى استياءه من حجم الحضور، إذ رأى أن المجموعة كبيرة جداً، وشملت أشخاصاً لم يتعرف عليهم أو لم يشعر أنه يعرفهم جيداً.
وفي لحظة، أعلن ترامب إلغاء العملية مؤقتاً، وقال إنه سيواصل المداولات، إلا أن هذا كان مجرد خدعة، إذ قرر الهجوم في تلك الليلة بالفعل.
وبعد إخلاء الغرفة، استدعى دائرة أصغر من الأشخاص الموثوقين، الذين أراد أن يكونوا معه عند سقوط القنابل الأولى.
وفي تلك الليلة، تناول ترامب العشاء مع مجموعة تضم ستيفن ميلر، نائب رئيسة موظفي البيت البيت الأبيض، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، ومستشار البيت الأبيض ديفيد وارينجتون.
ولم يكن نائب الرئيس جي دي فانس حاضراً، إذ كان في غرفة العمليات بالعاصمة واشنطن.
وأوضح مسؤول في البيت الأبيض أن ذلك يعكس بروتوكول استمرارية الحكومة، الذي ينص على فصل الرئيس ونائبه أثناء العمليات الحساسة للأمن القومي عندما لا يكونان في البيت الأبيض معاً.



