«ورقة النفط» تقود الهدنة: كيف دفعت الصين نحو وقف إطلاق النار وخفضت الأسعار؟

يبقى مستقبل هذه الهدنة المؤقتة مفتوحًا على عدة احتمالات، في وقت يُطرح فيه سؤال أساسي حول ما إذا كانت ضغوط سوق النفط قادرة على دفع الأطراف نحو سلام مستدام.

ميدل ايست نيوز: أدى وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى إلى هبوط حاد في أسعار النفط، لتعود إلى نطاق 90 دولارًا للبرميل. وقال مرتضى بهروزي‌ فرد، الخبير في معهد الدراسات الدولية للطاقة، إن «ورقة النفط» دفعت الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، إلى لعب دور الوسيط وفتح نافذة أمل وسط حرب مدمّرة.

هدنة أسبوعين وهبوط أسعار النفط

وحسب تقرير لصحيفة “شرق” الإيرانية، فجر الأربعاء، وفي وقت كان فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد أعلن عن استعدادات لشن هجمات واسعة على البنية التحتية الإيرانية، أفادت وكالة رويترز ببدء محادثات بين إيران والولايات المتحدة بوساطة باكستانية، مع تعليق الهجمات لمدة أسبوعين. وفي السياق نفسه، أعلن رضا أميري مقدم، سفير إيران لدى باكستان، عبر حسابه على منصة «إكس»، إحراز تقدم إيجابي في المفاوضات.

وبعد ذلك، وقبل نحو ساعة ونصف من انتهاء المهلة الأمريكية لبدء الهجوم، أعلن ترامب عبر منصة «تروث سوشال» التوصل إلى وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين. وأدت هذه التطورات إلى تراجع سريع في أسعار النفط، حيث انخفض سعر البرميل من 109 دولارات إلى نحو 94 دولارًا حتى لحظة إعداد التقرير.

ووفقًا لرويترز، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 14.51 دولار، أي بنسبة 13.3%، لتصل إلى 94.76 دولارًا للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بمقدار 17.16 دولار، أي بنسبة 15.2%، إلى 95.79 دولارًا للبرميل. وأشار التقرير إلى أن خام غرب تكساس حافظ على فارق سعره مقارنة ببرنت خلافًا للأنماط المعتادة، بسبب اختلاف مواعيد التسليم، حيث يعود عقده إلى مايو، بينما يعود برنت إلى يونيو، ما يعكس ارتفاع أسعار الشحنات الأقرب تسليمًا.

الصين تكسر الصمت

برز دور الصين وسوق النفط العالمي كعامل حاسم في التوصل إلى الهدنة. فالصين، أكبر مستورد للنفط عالميًا، تعتمد على دول الخليج لتأمين نحو 40% من احتياجاتها النفطية. وتشير بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية إلى أن واردات بكين تبلغ نحو 10.3 ملايين برميل يوميًا، مع تقلبات تصل إلى 11.5 مليون برميل.

وتعد السعودية أكبر مصدر للنفط إلى الصين، بواقع نحو 2.16 مليون برميل يوميًا، تليها روسيا بنحو 1.82 مليون برميل يوميًا. كما تأتي العراق بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا، وإيران بصادرات تتراوح بين مليون و1.5 مليون برميل يوميًا، إلى جانب الإمارات والكويت وعُمان كأبرز الموردين الآخرين.

وقبل اندلاع الحرب، كانت الصين تعتمد بدرجة كبيرة على النفط الرخيص من فنزويلا وإيران وروسيا، لكن مع تصاعد الصراع وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط من مستويات منتصف الستينات إلى ما فوق 100 دولار. كما أدى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والتغيرات السياسية في كاراكاس إلى فقدان الصين مصدرًا مهمًا للنفط منخفض التكلفة.

وفي الوقت نفسه، حصلت روسيا على إعفاءات سمحت لها بتصدير كميات كبيرة من النفط إلى الهند، ما أدى إلى تقليص إمدادات النفط الروسي الرخيص المتاحة للصين. كما أن استثمارات الصين الكبيرة في قطاع الطاقة بدول الخليج عززت اعتمادها على هذه المنطقة، وهو ما انعكس في مواقفها السياسية، بما في ذلك دعمها لمواقف إماراتية بشأن الجزر الإيرانية في الخليج.

ومع تصاعد التوترات، برزت مخاوف من أن يؤدي استمرار الاضطراب في مضيق هرمز إلى تبني الصين مواقف أكثر تشددًا تجاه إيران، خاصة بعد امتناعها، إلى جانب روسيا، عن استخدام حق النقض ضد مشروع قرار عربي في مجلس الأمن.

وفي ظل استمرار الحرب وطرح إيران فكرة فتح مضيق هرمز للدول الصديقة فقط، برزت تساؤلات حول كيفية التعامل مع صادرات النفط إذا كانت الصين تشتريه كدولة صديقة، في حين تبيعه دول مثل السعودية والإمارات التي تُصنّف كأطراف معادية في النزاع.

في المقابل، فضلت الدول الأوروبية، رغم الخسائر الكبيرة الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، عدم الانخراط في الحرب، مؤكدة أن أولويتها تبقى للحرب في أوكرانيا. ويعكس هذا الموقف رغبة أوروبا في عدم تشتيت مواردها أو تقليص الدعم المقدم لكييف، إضافة إلى تجنب فتح جبهة جديدة في مواجهة روسيا.

وأدى هذا التوجه الأوروبي إلى تبني موقف حذر تجاه أزمة هرمز، في وقت أعلنت فيه الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط والغاز عالميًا، أنها لا تعتمد على نفط المضيق، داعية الأطراف المستفيدة، بما فيها أوروبا والصين، إلى التحرك لضمان استمرارية الملاحة.

غير أن انشغال أوروبا بجبهة أوكرانيا حال دون تشكيل تحالف فعال لفتح المضيق، ما دفع الصين إلى كسر صمتها والدخول على خط الوساطة. وقد صوتت بكين وموسكو ضد مشروع قرار في مجلس الأمن كان يمكن أن يفتح الباب أمام تصعيد عسكري أوسع ضد إيران، قبل أن تعلن الصين لاحقًا أنها لعبت دورًا رئيسيًا في التوصل إلى شروط الهدنة المؤقتة.

روسيا وإسرائيل.. المستفيدان من استمرار الحرب

في هذا السياق، يرى مرتضى بهروزي‌ فرد أن الصين تُعد من أبرز المتضررين من التوتر في مضيق هرمز، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات النفط عبره، ما يجعل ارتفاع الأسعار عبئًا ثقيلًا على اقتصادها. في المقابل، يعتبر أن إسرائيل وروسيا من أبرز المستفيدين من استمرار التوتر، إذ تسعى إسرائيل إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني، بينما تستفيد روسيا من تحويل الاهتمام الدولي بعيدًا عن أوكرانيا، إلى جانب تحقيق مكاسب مالية من ارتفاع أسعار النفط والغاز.

وأشار إلى أن مصالح روسيا تختلف عن إسرائيل، إذ لا ترغب موسكو في إضعاف حليفها الإيراني، لكنها في الوقت نفسه لا تعارض استمرار الوضع الراهن الذي يحقق لها مكاسب اقتصادية. ولذلك، عارضت مشروع القرار في مجلس الأمن لمنع تصعيد خطير، دون أن تسعى لإنهاء التوتر بشكل كامل.

وفي سياق متصل، أفادت تقارير إعلامية باغتيال مسؤول إيراني شارك في دفع مسار المفاوضات عبر باكستان، حيث أُعلن عن إصابة كمال خرازي في هجوم أدى إلى مقتل زوجته. كما أثار وقف إطلاق النار انتقادات داخل إسرائيل لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث اعتبر معارضوه أن القبول بالهدنة كان خطأ.

وتعكس هذه التطورات شكوكًا متزايدة بشأن استمرارية الهدنة، في ظل انعدام الثقة بين الأطراف. ومع ذلك، يؤكد بهروزي‌ فرد أن الحروب نادرًا ما تنتهي بحسم كامل، ما يجعل استمرار المسار الدبلوماسي ضرورة لتقليل الخسائر، مشيرًا إلى أن رفع العقوبات وتسهيل الاستثمار قد يشكلان مخرجًا للاقتصاد الإيراني من أزمته الحالية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل هذه الهدنة المؤقتة مفتوحًا على عدة احتمالات، في وقت يُطرح فيه سؤال أساسي حول ما إذا كانت ضغوط سوق النفط قادرة على دفع الأطراف نحو سلام مستدام.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى