الصحافة الإيرانية: من التوازن إلى الفوضى… كيف غيّرت حرب إيران بنية النظام الإقليمي؟

لا يمكن فهم الجغرافيا السياسية المقبلة للشرق الأوسط بمعزل عن ملف الطاقة. فقد رفعت الهجمات على إيران مستوى المخاطر في الخليج وبحر عُمان، ما أبقى أسواق الطاقة العالمية في حالة «علاوة حرب» دائمة.

ميدل ايست نيوز: بالنظر إلى الطبيعة الحساسة والمتغيرة للمعادلات، يقتضي تقديم تحليل دقيق أولاً إلى التطورات الأخيرة، والمتمثلة في الهجوم الأمريكي على إيران واغتيال مرشدها الأعلى آية الله خامنئي في فبراير 2026. تتجاوز هذه الوقائع إطار مواجهة عسكرية تقليدية، إذ أحدثت «قطيعة جيوسياسية» في المنطقة أعادت صياغة قواعد اللعبة لعقود مقبلة. وفي ما يلي تحليل نشره علي رضوان بور، أستاذ جامعي ومحلل للشؤون الدولية، يستند إلى أربعة محاور رئيسية:

  1. انهيار النظام الإقليمي وظهور «فراغ في السلطة»

أدى الهجوم المباشر على إيران والتغيير المفاجئ في هيكل القيادة إلى نشوء حالة من «عدم الاستقرار البنيوي» في الشرق الأوسط. وكان النظام الإقليمي قبل ذلك قائماً على تفاعل القوى الرئيسية، وهي إيران والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة. ومع تصاعد التوتر اختل هذا التوازن. وبينما تسعى واشنطن إلى إعادة ترسيخ قوة الردع عبر الضغط العسكري، تجد نفسها عملياً أمام «فراغ في السلطة». يتيح هذا الفراغ المجال أمام الجماعات غير الحكومية والفاعلين الأصغر حجماً، الذين كانوا يتحركون سابقاً ضمن حدود النظام القائم أو تحت تأثيره، لاتخاذ خطوات أكثر اندفاعاً وأقل قابلية للتنبؤ. وبذلك ينتقل الشرق الأوسط من مرحلة «التوازن المتبادل» إلى مرحلة «الفوضى غير المنضبطة».

  1. تحوّل طبيعة التنافس من الردع إلى البقاء

استندت استراتيجيات الفاعلين الإقليميين سابقاً إلى مفهوم «الردع»، حيث سعى كل طرف إلى منع الآخر من الهجوم عبر إظهار القوة. غير أن الضربة الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية أزاحت هذا المفهوم لصالح «استراتيجية البقاء والرد غير التقليدي». وفي ظل القيادة الجديدة، يُرجّح أن تركز إيران على احتواء الأزمات الداخلية والحفاظ على التماسك الوطني، ما قد يدفعها إلى استخدام أدوات غير متماثلة، مثل توسيع نفوذها عبر وكلاء إقليميين أو التلويح بتهديد الممرات الاستراتيجية، بصورة أكثر حدة لرفع كلفة استمرار الصراع على الولايات المتحدة وحلفائها. ووفق هذا المنظور، لم يعد الأمن يتحقق عبر التفاهم أو التوازن، بل عبر «إدارة الاضطراب المستمر».

  1. إعادة تعريف محاور التحالف

تؤثر العمليات العسكرية الواسعة أيضاً في بنية التحالفات القائمة. فبينما قد تميل بعض الدول العربية إلى تعزيز تقاربها مع الولايات المتحدة بدافع الاعتبارات الأمنية، يمكن أن تؤدي حدة المواجهة إلى تصاعد موجة من الرأي العام المناهض لواشنطن وتل أبيب في العالم العربي. في المقابل، يُتوقع تشكل أو تعزيز تحالفات غير رسمية جديدة، إذ ستسعى الدول التي تشعر بعدم الأمان في ظل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، سواء كانت قوى إقليمية أو أطرافاً دولية مثل روسيا والصين، إلى استثمار هذا التحول لتعزيز نفوذها. وبهذا يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس مباشر بين «النظام الغربي» و«النظام المتعدد الأقطاب الناشئ».

  1. اقتصاد الطاقة وأمن الممرات التجارية

لا يمكن فهم الجغرافيا السياسية المقبلة للشرق الأوسط بمعزل عن ملف الطاقة. فقد رفعت الهجمات على إيران مستوى المخاطر في الخليج وبحر عُمان، ما أبقى أسواق الطاقة العالمية في حالة «علاوة حرب» دائمة. غير أن التحول الأبرز يتمثل في الانتقال من مفهوم «أمن الطاقة» إلى «أمن المسارات». ويعني ذلك تركيزاً أكبر على السيطرة على المضائق وطرق نقل النفط، وهو ما قد يؤدي إلى عسكرة أوسع في المياه الدولية. وتنعكس هذه التطورات في ارتفاع تكاليف التجارة العالمية، كما قد تدفع الدول الغربية إلى تسريع مسار التحول الطاقوي لتقليص اعتمادها على منطقة تتسم باضطراب مزمن.

في المجمل، يقف الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة تحل فيها «إدارة الفوضى» محل «الاستقرار التقليدي». وقد شكل الهجوم الأمريكي على إيران صدمة عميقة للبنية الأمنية الإقليمية. في المرحلة المقبلة لن تُحسم موازين القوة بحجم الجيوش فحسب، بل بقدرة الأطراف على التكيف مع بيئة يسودها عدم اليقين والتوتر الدائم وإدارة الأزمات بكفاءة. وتحول المشهد من «رقعة شطرنج منظمة» إلى «ساحة صراع محتمل وممتد».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − 19 =

زر الذهاب إلى الأعلى