الصحافة الإيرانية: هل يقود هرمز بيد إيران إلى إعادة رسم توازن القوى العالمي؟
خلصت مفاوضات إسلام آباد إلى إبراز الأهمية المتزايدة لمضيق هرمز كأداة استراتيجية، أكثر مما أسفرت عن تسوية للخلافات. ومنحت السيطرة على هذا الممر الحيوي إيران ثقلًا جيوسياسيًا غير مسبوق.
ميدل ايست نيوز: انتهت مفاوضات مكثفة استمرت 21 ساعة بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد من دون نتائج ملموسة، لكنها كشفت تباينًا واضحًا في القراءات والاستراتيجيات لدى الجانبين. العبارة المقتضبة التي قالها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس: «لقد قرروا عدم قبول شروطنا»، عكست بوضوح رؤية واشنطن، وهي الرؤية التي اعتبرتها طهران محور الخلاف. وترى إيران أن الولايات المتحدة دخلت المفاوضات بنظرة غير واقعية ومن دون استعداد لحوار متكافئ. وقد جلس الطرفان إلى الطاولة وهما يستندان إلى تصور بالتفوق على المستوى الإقليمي والدولي، وغادراها بالتصور ذاته. ومع ذلك، لا يزال هامش مواصلة الدبلوماسية قائمًا، وهو هامش بات يرتبط أكثر من أي وقت مضى بـ«ورقة استراتيجية» تتمثل في مضيق هرمز.
وقال أحمد رشيدي نجاد، باحث في الجغرافيا السياسية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن إيران ترى نفسها اليوم في موقع أقوى، مستندة إلى قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط وإلى توظيفها المدروس لهذه الورقة. وتقول إن السيطرة الفعلية على حركة الملاحة في هذا الممر الحيوي باتت في يدها، من دون مؤشرات على التراجع عنها. وقد جعل ذلك من القيمة الجيوسياسية لمضيق هرمز محورًا رئيسيًا للنقاشات التي أعقبت مفاوضات إسلام آباد. ويصف محللون دوليون المضيق بأنه «الشريان الحيوي» للاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط والغاز العالمية. وفي هذا السياق، اعتبر الرئيس الروسي السابق ديميتري مدفيديف أن سيطرة إيران على مضيق هرمز تماثل «اختبار قنبلة نووية»، في إشارة إلى ما يراه قدرة ردع وتأثير «غير محدودة». وينظر هذا التقييم إلى التحكم في ممرات الطاقة لا بوصفه قوة عسكرية فحسب، بل باعتباره أيضًا «قوة ناعمة» و«قوة ذكية» قادرة على إعادة تشكيل توازنات القوى عالميًا لمصلحة إيران.
وأشارت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن إيران، إلى جانب الصين والولايات المتحدة، باتت ضمن الدول القادرة على تحويل «عنق زجاجة الاقتصاد العالمي إلى أداة ضغط وجيوسياسية». واعتبرت الصحيفة أن هذا الوضع جاء نتيجة «خطأ ارتكبه ترامب ونتنياهو» حين وُضع هذا العامل على طاولة التفاوض قبل الحرب، بعدما لم يكن يحظى بالاهتمام نفسه سابقًا. ووفق هذا الطرح، فإن هذه الورقة قد تكون بالنسبة إلى الأطراف المتضررة أكثر أهمية من «البرنامجين النووي والصاروخي». ونقلت واشنطن تايمز أن هذا العامل «يمكن أن يؤثر في الاقتصاد العالمي حتى من دون إطلاق صاروخ واحد». ويعزى ذلك إلى الدور الحاسم لمنطقة الخليج في إمدادات الطاقة العالمية، إذ تمتلك دوله نحو 65 في المئة من احتياطيات النفط و35 في المئة من احتياطيات الغاز في العالم. وتمنح هذه القدرات الضخمة قوة ضغط استثنائية للطرف القادر على بسط نفوذه عليها، وهي قوة كانت تُعد قبل الحرب جزءًا من عناصر الهيمنة الأمريكية. لكن مع اندلاع “حرب رمضان” وإعلان إيران توسيع نطاق المواجهة إلى المستوى الإقليمي، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، واجهت الهيمنة الأمريكية على جزء مهم من موارد الطاقة العالمية تحديًا متزايدًا. ويرى هذا الطرح أنه في حال تثبيت هذا الواقع، فقد يمهد الطريق لـ«تراجع القوة الأمريكية وصعود القوة الإيرانية». ونقلت نيويورك تايمز أن «أكبر ضربة يمكن أن تتلقاها الولايات المتحدة والعالم في حرب مع إيران هي النفوذ المتنامي الذي باتت إيران تمارسه على الاقتصاد العالمي»، فيما اعتبر المذيع الأمريكي تاكر كارلسون أن ما يجري يمثل «سقوط الإمبراطورية الأمريكية بالشكل الذي عرفناه».
يذهب التحليل إلى أن المسألة قد تتجاوز ذلك، إذ إن تثبيت موقع الهيمنة الإيرانية يعني إشراف طهران ليس فقط على موارد الطاقة في دول الخليج من العراق إلى عمان، بل أيضًا على مصادر وخطوط نقل الطاقة على حدودها الشمالية من تركمانستان إلى أذربيجان، أي على ما يُوصف بـ«قلب الطاقة العالمي». وفي مقارنة تحليلية، إذا كانت الأسلحة النووية ذات طابع ردعي ودفاعي في المقام الأول، فإن مضيق هرمز يمنح إيران، إضافة إلى الردع، بُعدًا هجوميًا. فاعتماد الاقتصاد والأمن العالميين على موارد الطاقة يدفع الدول إلى أخذ الحسابات الإيرانية في الاعتبار وإعادة تنظيم علاقاتها السياسية والاقتصادية على هذا الأساس. ويستحضر هذا الطرح مقولة الاستراتيجي الصيني سون تزو الذي اعتبر أن «فن الحرب يكمن في تحقيق أهدافها من دون خوضها»، في إشارة إلى أن الأداة المتاحة لإيران قد تمنحها قوة دفاعية وهجومية حتى من دون إطلاق رصاصة. وأشارت رويترز إلى أن «الحرب التي شُنت بهدف إضعاف إيران قد تنتهي بجعلها أكثر قوة، وتكريسها قوة يصعب كسرها».
خلصت مفاوضات إسلام آباد إلى إبراز الأهمية المتزايدة لمضيق هرمز كأداة استراتيجية، أكثر مما أسفرت عن تسوية للخلافات. ومنحت السيطرة على هذا الممر الحيوي إيران ثقلًا جيوسياسيًا غير مسبوق، وجعلت الاقتصاد العالمي عنصرًا حاضرًا في حساباتها. ويطرح هذا التحول تحديًا ليس فقط لتوازن القوى الإقليمي، بل أيضًا لمكانة الولايات المتحدة في نظام الهيمنة العالمي. ويُعد إدراك قيمة هذه الورقة وكيفية توظيفها عاملًا حاسمًا في تحديد مسار العلاقات الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي، بعدما بات مضيق هرمز رمزًا لصعود النفوذ الإيراني وقدرته المتنامية على التأثير.



