هل يمكن تغيير التركيبة الجينية لصادرات النفط الإيراني؟

يرى محللون أن هذا المسار يمثل نوعاً من «التكامل الاقتصادي» الذي قد يقلص قابلية التعرض للعقوبات ويرفع مستوى قابلية التنبؤ بالإيرادات النفطية.

ميدل ايست نيوز: تثير التطورات الجديدة في آلية بيع النفط الإيراني تساؤلات مهمة في الأوساط الاقتصادية داخل البلاد، هل تمضي إيران نحو تجاوز النموذج التقليدي لتصدير النفط؟ مجلة الملاحة المتخصصة «لويدز ليست» زعمت أن طهران لم تعد تعتمد على شبكة الوسطاء التي استندت إليها لسنوات في بيع النفط الخاضع للعقوبات، وأن شركة النفط الوطنية الإيرانية استعادت مجدداً السيطرة المباشرة على عمليات البيع. بالتوازي، تشير تصريحات أحد خبراء العقوبات إلى أن مسار العائدات المالية بدوره شهد تحولاً، إذ تم قطع الارتباط بالدرهم الإماراتي، الذي كان يُعد من أكثر النقاط عرضة للضغط الأمريكي. الجمع بين هذين التطورين يرسم صورة جديدة لما يجري في الطبقات العميقة لصادرات النفط الإيرانية؛ صورة يمكن وصفها بأنها «تغيير جيني في صادرات النفط».

عودة شركة النفط الوطنية: نهاية عصر الوسطاء

وفقاً لتقرير «لويدز ليست»، أعادت إيران صادراتها النفطية إلى السيطرة المباشرة لشركة النفط الوطنية. هذا يعني أن مسار البيع الذي كان يُدار عبر شبكة واسعة من الوسطاء بات يمر مجدداً عبر مركز واحد.

وتشير المجلة إلى أن العملاء باتوا مطالبين بالتواصل عبر قنواتهم الخاصة مع شركة النفط الوطنية، وإن كانت إعادة تصميم قنوات دفع جديدة وآمنة ستتطلب وقتاً.

يأتي هذا التحول في توقيت حساس، إذ تنتهي الإعفاءات الأمريكية المتعلقة بالنفط الإيراني في 19 أبريل، فيما تسعى الأسواق العالمية، وسط توترات إقليمية متجددة، إلى إدارة مخاطر الإمدادات. ومن جهة أخرى، فإن الإدارة الذكية لحركة المرور في مضيق هرمز عقب الهجوم الأخير للولايات المتحدة والكيان الصهيوني أعادت جذب اهتمام المشترين الآسيويين بالنفط الإيراني.

الهند تعود بعد سبع سنوات… والصين تشتري من دون خصم

بحسب التقرير، ظهرت في الأسابيع الأخيرة مؤشرات على عودة قوة التفاوض للنفط الإيراني. فقد استأنفت الهند الشراء بعد سبع سنوات، وتسلمت أولى شحناتها، بل إن ناقلة نفط إيرانية أفرغت مباشرة حمولة اشترتها شركة «ريلاينس» في مصفاة سيكا. وتأتي هذه العودة رغم إعلان الولايات المتحدة أن نيودلهي ينبغي ألا تشتري النفط الإيراني، ما يمنح الخطوة دلالة تتجاوز مجرد صفقة تجارية: الأسواق تحتاج إلى النفط الإيراني.

أما الصين، فقد أفادت تقارير بأن بكين اشترت النفط الإيراني من دون خصم، بل بسعر يزيد بين 1.5 و2 دولار فوق سعر خام برنت.

وفي الفترة ذاتها، بلغ سعر النفط الإيراني الثقيل في مارس 103.69 دولارات للبرميل، ليصبح ثاني أغلى نفط في «أوبك»، وبفارق نحو 21 دولاراً فوق برنت. هذه الأرقام تعكس أن إيران، رغم العقوبات، تحتل موقعاً خاصاً في السوق العالمية.

تحول خلف الكواليس: فك الارتباط بالدرهم

غير أن الجزء الأهم من القصة يكمن في المسار المالي لصادرات النفط.

مجيد شاكري، الخبير في شؤون العقوبات، يؤكد أن مبيعات النفط الإيرانية لم تعد مرتبطة بالدرهم الإماراتي ولا بأي بنية تحتية قابلة للاستهداف بالعقوبات الأمريكية. كما أشار إلى أن ما حدث مؤخراً في سوق الصرف كان نتيجة أخطاء فنية في آلية البيع، لا ضغوط خارجية.

في النموذج السابق، كان اليوان المتحصل من صادرات النفط يُحوَّل إلى الدرهم، ثم يُستخدم عبر الدولار لاستيراد السلع الأساسية. هذا المسار متعدد المراحل كان محفوفاً بالمخاطر وخاضعاً لرقابة أنظمة مالية متأثرة بالعقوبات.

اليوم تغير المسار عبر:

  • مبيعات أكثر رسمية ومباشرة
  • استخدام آليات دفع ثنائية
  • التوجه نحو تصفير الفائض التجاري مع الدولة المستوردة، على غرار النموذج الروسي–الصيني

هذا يعني أن الخريطة النقدية لإيران باتت أكثر انسجاماً مع خريطتها التجارية، وأن إحدى أكثر نقاط الاختناق حساسية، أي الدرهم الإماراتي، خرجت من الدورة.

خبران… ورسالة

عند جمع استعادة الدولة السيطرة على البيع مع إعادة هيكلة المسارات المالية، تتضح صورة أوسع: إيران لا تعدّل فقط أسلوب بيع النفط، بل تعيد تصميم البنية الكاملة لصادراتها، من التفاوض والعقود وصولاً إلى تحصيل العائدات.

يرى محللون أن هذا المسار يمثل نوعاً من «التكامل الاقتصادي» الذي قد يقلص قابلية التعرض للعقوبات ويرفع مستوى قابلية التنبؤ بالإيرادات النفطية.

ملامح قفزة جينية

عودة البيع إلى القنوات الرسمية، ارتفاع الطلب من الأسواق الآسيوية الكبرى، صعود أسعار النفط الإيراني الثقيل، وتأكيد فك الارتباط بالمسارات المالية الخاضعة للضغط الأمريكي، كلها مؤشرات على انتقال استراتيجي: من «صادرات غير مركزية عالية المخاطر» إلى «صادرات مركزية رسمية ذات مسارات دفع أكثر أماناً».

إذا استمر هذا المسار بدقة، فقد لا يمنح الاقتصاد الإيراني قدراً أكبر من الاستقرار فحسب، بل قد يعزز أيضاً موقع إيران في سوق الطاقة العالمية. المسألة لم تعد تعديلاً تكتيكياً محدوداً، بل تحولات يمكن وصفها بأنها «تغيير جيني في صادرات النفط الإيرانية».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى