سوق العمل الإيراني تحت ضغط الحرب وانهيار التوقعات الاقتصادية
يقف سوق العمل الإيراني اليوم عند نقطة لا يمكن تفسيرها فقط بمؤشرات البطالة التقليدية. فارتفاع الطلب على فرص العمل، وتراجع الفرص، يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العمل.

ميدل ايست نيوز: يتعثر سوق العمل الإيراني قبل أن يظهر انهياره في الأرقام، لكنه يتوقف أولاً داخل وعي الأفراد وصناع القرار. فالحرب لا تكتفي بضرب البنى التحتية وفرص العمل، بل تمتد لتقويض القدرة على التوقع، وكسر الإحساس بالاستقرار، وتعليق القرارات الاقتصادية في حالة انتظار طويلة.
ويمكن للتوترات الجيوسياسية والأزمات الإقليمية أن تؤدي إلى انخفاض كبير في خلق فرص العمل، حيث يُتوقع أن يتم خلق نحو 7 ملايين وظيفة أقل من التقديرات السابقة على مستوى العالم.
وفي إيران، يظهر هذا الوضع بشكل أكثر حدة، إذ إن الحرب، إلى جانب الانقطاع الطويل للإنترنت، لم تكتفِ بتقييد فرص العمل، بل أدت عملياً إلى شلل قطاعات من الاقتصاد، خصوصاً الاقتصاد الرقمي.
من فقدان الوظائف إلى انفجار الطلب: 318 ألف سيرة ذاتية في يوم واحد
في هذا السياق، تقدم بيانات منصة “جاب فيجن” الإيرانية المتخصصة في مجال العمل، صورة دقيقة لعمق الأزمة، حيث تم تسجيل 318 ألف طلب توظيف في يوم واحد، وهو رقم قياسي يمثل زيادة بنسبة 50% مقارنة بالذروة السابقة البالغة 212 ألف سيرة ذاتية. هذا الرقم ليس مجرد سجل، بل مؤشر على فقدان واسع للوظائف وارتفاع القلق المعيشي.
وبحسب “جاب فيجن”، فقد تراجعت في المقابل إعلانات التوظيف، ما يعني أنه بالتزامن مع ارتفاع الطلب بشكل حاد، تقلصت فرص العمل المتاحة. وهنا يدخل سوق العمل مرحلة “عدم التوازن الحاد”، حيث تشتد المنافسة بينما تتراجع القدرة على التوظيف.
وتشير البيانات إلى أن ما يُلاحظ اليوم في سلوك الباحثين عن العمل كان قد تم التحذير منه سابقاً على مستوى السياسات العامة، إذ تُقدَّر خسارة أكثر من مليون وظيفة وبطالة مباشرة وغير مباشرة لنحو مليوني شخص نتيجة الحرب، وهو اتجاه تظهر مؤشرات على استمراره.
وفي هذا السياق، اتجهت الشركات إلى تقليص حجمها من أجل البقاء، حيث أظهرت تقارير أن بعض الشركات العاملة في قطاع الإنترنت خفضت قوتها العاملة بين 30 و50 بالمئة، وهو نمط يتكرر في العديد من الشركات الناشئة المرتبطة بالإنترنت.
وتشير بيانات “جاب فيجن” إلى أن الفجوة بين العرض والطلب في سوق العمل، التي كانت موجودة مسبقاً، اتسعت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة. فالتضخم الكبير في إرسال السير الذاتية مقابل انخفاض فرص العمل يعكس سوقاً وصل فيه الطلب إلى ذروته، بينما تراجعت القدرة الاستيعابية.
وتُظهر تقارير أسواق العمل في دول مثل الولايات المتحدة أن كل وظيفة تتلقى في المتوسط مئات الطلبات، وقد يصل الرقم إلى نحو 250 طلباً لكل وظيفة، في حين لا يتجاوز من يصلون إلى مرحلة المقابلة نسبة 3 بالمئة. وهذا يشير إلى أن المشكلة ليست بطالة فقط، بل تضخم المنافسة.
وفي مثل هذه الظروف، حتى العاملون بالفعل يبحثون عن فرص جديدة في الوقت نفسه، وهو ما يعكس نوعاً من عدم الأمان الوظيفي المزمن. ومن هذا المنظور، فإن رقم 318 ألف طلب في يوم واحد لا يعكس فقط ارتفاع البطالة، بل انفجار المنافسة على الفرص المحدودة.
وفي خضم هذه التحولات، كانت النساء الأكثر تضرراً مقارنة ببقية الفئات، إذ تشير البيانات المحلية إلى انخفاض عدد النساء العاملات بنحو 233 ألف شخص، بينما ارتفعت فرص عمل الرجال. كما ارتفع معدل بطالة النساء من 14.2 إلى 15 بالمئة، في حين انخفض لدى الرجال. وتراجع أيضاً معدل المشاركة الاقتصادية للنساء إلى 12.2 بالمئة.
ما هي الوظائف الأكثر تضرراً؟
تُظهر أنماط التسريح أن الوظائف الأكثر ارتباطاً بالإنترنت والطلب السوقي والبُنى المتكررة كانت الأكثر تضرراً، خصوصاً في مجالات مثل:
- الشركات الناشئة والاقتصاد الرقمي
- توليد المحتوى والتسويق الإلكتروني
- دعم العملاء والخدمات الرقمية
- وبعض الوظائف الإدارية
حيث أدى انقطاع الإنترنت وتراجع الطلب إلى انخفاض مباشر في فرص العمل.
كما يُعد انخفاض معدل المشاركة الاقتصادية من 40.1 إلى 39.7 بالمئة مؤشراً إضافياً، ما يعني أن جزءاً من السكان في سن العمل انسحب حتى من الدخول إلى سوق العمل، وهو ما يحدث عادة عندما تتراجع فرص الأمل في الحصول على وظيفة. وفي مثل هذه الظروف، يتفاقم الفقر والضغط المعيشي، ما يدفع حتى العاملين للبحث عن وظائف إضافية أو تغيير مسارهم المهني.
يقف سوق العمل الإيراني اليوم عند نقطة لا يمكن تفسيرها فقط بمؤشرات البطالة التقليدية. فارتفاع الطلب على فرص العمل، وتراجع الفرص، وزيادة المنافسة، وانخفاض جودة الوظائف، كلها تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العمل. و318 ألف طلب في يوم واحد ليس مجرد رقم قياسي، بل قصة سوق تقل فيه الوظائف، وتشتد فيه المنافسة، ويصبح فيه المستقبل أكثر غموضاً من أي وقت مضى.


