من كوريا إلى قطر.. كيف تحولت أموال إيران المجمدة إلى ورقة تفاوض مع واشنطن؟
أعادت زيارة محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إلى قطر، بالتزامن مع تداول أنباء عن احتمال الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في حال التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة.

ميدل ايست نيوز: أعادت زيارة محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إلى قطر، بالتزامن مع تداول أنباء عن احتمال الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في حال التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، أحد أكثر الملفات الاقتصادية تعقيداً في إيران إلى واجهة الأحداث مجدداً؛ وهو ملف لا يتعلق فقط بمليارات الدولارات، بل يتشابك مع بنية الاقتصاد الإيراني الخاضع للعقوبات، والنظام المصرفي العالمي، والمفاوضات النووية، والعلاقات الإيرانية الأميركية.
وبحسب تقارير إعلامية، زعمت وكالة فارس أن مذكرة التفاهم المحتملة بين طهران وواشنطن تتضمن الإفراج عن نصف الأموال الإيرانية المجمدة، بما يعادل نحو 12 مليار دولار. وأعاد هذا الخبر النقاش القديم حول الأموال المجمدة إلى الساحة الإعلامية والاقتصادية في إيران، وهو ملف شكّل هاجساً دائماً للحكومات الإيرانية منذ عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد مروراً بحكومة حسن روحاني وصولاً إلى عهد إبراهيم رئيسي.
وتعود غالبية الأموال المجمدة إلى عائدات صادرات النفط والغاز والمكثفات والبتروكيماويات الإيرانية، وهي أموال كان يفترض أن تُحوَّل إلى حسابات إيران، لكن العقوبات المالية والمصرفية الأميركية حالت دون ذلك، لتبقى هذه العائدات محتجزة في حسابات خارجية من دون أن تتمكن طهران من استخدامها بحرية.
بدأت جذور الأزمة مع تصاعد العقوبات النووية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، لكنها بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة من حكومة أحمدي نجاد، حين فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات مباشرة على البنك المركزي الإيراني، كما قُيّد وصول المصارف الإيرانية إلى نظام «سويفت»، ما عطّل فعلياً حركة عائدات النفط الإيرانية وأدى إلى تجميد مليارات الدولارات في الخارج.
ولمواجهة الأزمة، لجأت حكومة أحمدي نجاد إلى شبكات تحويل أموال غير رسمية، عبر شركات واجهة وصرافات وبنوك آسيوية صغيرة، بينما لعبت دول مثل تركيا والإمارات العربية المتحدة والصين وماليزيا دوراً مهماً في الالتفاف على القيود المصرفية، خصوصاً عبر دبي وإسطنبول.
كما اتجهت إيران في تلك الفترة إلى سياسة مقايضة النفط بالسلع، بعدما أصبح الحصول على الدولار واليورو أكثر صعوبة، فاستبدلت جزءاً من صادراتها النفطية باستيراد سلع ومعدات ومواد أولية، لا سيما مع الصين والهند. وفي الوقت نفسه، جرى الاحتفاظ بجزء من العائدات بعملات محلية مثل الروبية الهندية والوون الكوري الجنوبي، وهي خطوة تحولت لاحقاً إلى أحد أبرز أسباب تعقيد ملف الأموال المجمدة.
ومع وصول روحاني إلى السلطة، حاولت الحكومة الجديدة استخدام المفاوضات النووية والاتفاق النووي لفتح الباب أمام استعادة الأصول الإيرانية. وكان المسؤولون الإيرانيون، من وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف إلى محافظي البنك المركزي، يؤكدون باستمرار أن رفع العقوبات المصرفية شرط أساسي للوصول الفعلي إلى الأموال الإيرانية.
وساهم توقيع الاتفاق النووي عام 2015 في تحسين نسبي للوضع، إذ ارتفعت صادرات النفط الإيرانية وأُفرج عن جزء من الأموال المجمدة. لكن التقديرات بشأن حجم هذه الأموال اختلفت بشكل كبير؛ إذ تحدثت بعض المصادر عن نحو 30 مليار دولار، بينما أشارت أخرى إلى أكثر من 100 مليار دولار، نظراً إلى أن قسماً من هذه الأموال لم يكن متاحاً نقداً، بل ارتبط بديون أو مشاريع أو التزامات مصرفية.
ورغم تنفيذ الاتفاق النووي، اكتشفت حكومة روحاني سريعاً أن العودة الكاملة إلى النظام المصرفي العالمي أصعب بكثير مما كان متوقعاً، لأن كثيراً من المصارف الكبرى بقيت مترددة في التعامل مع إيران خوفاً من العقوبات الأميركية. ولهذا، اشتكى روحاني ومسؤولوه مراراً من أن العقوبات «رُفعت على الورق فقط».
ومن أبرز الملفات في تلك المرحلة الأموال الإيرانية المحتجزة في كوريا الجنوبية، التي كانت قبل العقوبات من أكبر مستوردي النفط الإيراني. وأرسلت طهران وفوداً سياسية ومصرفية عدة إلى سيول لإيجاد آلية للإفراج عن هذه الأموال، حتى إن فكرة استخدامها لاستيراد الأدوية والسلع الأساسية طُرحت، لكن كوريا الجنوبية رفضت الإفراج عنها من دون موافقة أميركية.
كما برز العراق كأحد أكبر المدينين لإيران بسبب واردات الكهرباء والغاز، إلا أن العقوبات الأميركية منعت بغداد من تحويل هذه الأموال. وخلال فترة رئاسته للبنك المركزي، أجرى همتي زيارات متكررة إلى بغداد لإيجاد آليات للاستفادة من هذه العائدات، فيما استُخدم جزء منها لاستيراد السلع الأساسية فقط.
وسعت حكومة روحاني أيضاً إلى تفعيل القناة المالية السويسرية لتسهيل شراء الأدوية والمواد الإنسانية، إلا أن هذه الآلية لم تتحول إلى قناة مالية رئيسية، وبقي الاقتصاد الإيراني خاضعاً للقيود المصرفية.
لكن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018 في عهد دونالد ترامب أعاد تعقيد المشهد، إذ أدت سياسة «الضغط الأقصى» إلى تقليص صادرات النفط الإيرانية وإغلاق معظم المسارات المالية المتبقية، ما أدى إلى تجميد مزيد من الأموال الإيرانية في الخارج.
ومع تولي إبراهيم رئيسي الرئاسة، تحولت قضية الإفراج عن الأموال المجمدة إلى محور أساسي في «الدبلوماسية الاقتصادية» الإيرانية. ورغم حديث الحكومة عن «تحييد العقوبات» وعدم ربط الاقتصاد بالاتفاق النووي، فإن ملف الأموال المجمدة ظل أولوية قصوى.
وخلال الأشهر الأولى من عهد رئيسي، عقد البنك المركزي والهيئات الاقتصادية اجتماعات خاصة لحصر الأصول المجمدة، مع تركيز خاص على الأموال الموجودة في كوريا الجنوبية والعراق واليابان وعُمان. كما مارست طهران ضغوطاً سياسية وإعلامية على سيول، واستدعت السفير الكوري الجنوبي، معتبرة أن إبقاء الأموال الإيرانية بالوون تسبب بخسائر كبيرة لإيران بسبب انخفاض قيمة العملة الكورية أمام الدولار.
وأعلنت السلطات الإيرانية أن نحو مليار دولار من قيمة الأصول الإيرانية في كوريا الجنوبية تآكلت بسبب تراجع الوون، وهو ما أثار جدلاً واسعاً داخل إيران وتحول إلى رمز لتكاليف الاقتصاد الخاضع للعقوبات.
وفي الوقت نفسه، بدأت مفاوضات غير مباشرة بين طهران وواشنطن بوساطة قطر وسلطنة عُمان، ترافقت مع مسار تبادل السجناء والإفراج عن الأموال المجمدة. وفي عام 2023 تم التوصل إلى اتفاق لنقل نحو 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة في كوريا الجنوبية إلى قطر.
وشكلت العملية واحدة من أكثر العمليات المالية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، إذ جرى أولاً تحويل الأموال من الوون إلى اليورو، ثم نقلها عبر بنوك وسيطة إلى حسابات خاصة في الدوحة فُتحت لعدد من المصارف الإيرانية.
لكن تحويل الأموال إلى قطر لم يعنِ حصول إيران على حرية التصرف بها، إذ أكدت الولايات المتحدة أن استخدامها يقتصر على شراء السلع غير الخاضعة للعقوبات، مثل الغذاء والدواء والمعدات الطبية، من دون إمكانية السحب النقدي أو التحويل الحر. وأثار ذلك نقاشاً واسعاً داخل إيران؛ فبينما اعتبرت حكومة رئيسي الأمر نجاحاً للدبلوماسية الإقليمية، رأى منتقدون أن الأموال بقيت فعلياً تحت الرقابة الدولية.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت قطر لاعباً أساسياً في الملف المالي الإيراني، بفضل علاقاتها المتوازنة مع طهران وواشنطن ونظامها المصرفي المقبول غربياً، وهو ما يفسر أهمية زيارات المسؤولين الاقتصاديين الإيرانيين إلى الدوحة، ومن بينها زيارة همتي الأخيرة، التي تتجاوز كونها زيارة مصرفية عادية إلى كونها جزءاً من إدارة أحد أكثر ملفات الاقتصاد الإيراني حساسية.
واليوم، تشير الأنباء عن احتمال الإفراج عن 12 مليار دولار إضافية إذا تم التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، إلى أن ملف الأموال المجمدة لا يزال أحد المحاور الرئيسية في المفاوضات بين البلدين. غير أن تجربة السنوات الماضية تظهر أن الإفراج عن الأموال لا يعني بالضرورة حصول إيران على وصول كامل إليها، لأن جزءاً كبيراً منها يبقى خاضعاً لقيود مصرفية ورقابية دولية.
وفي المحصلة، لا يتعلق ملف الأموال المجمدة بمجرد حسابات مصرفية، بل يعكس صورة كاملة للاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات؛ اقتصاد قد يبيع النفط ويحقق الإيرادات، لكنه يبقى مضطراً إلى التفاوض والوساطات والمساومات السياسية من أجل الوصول إلى أمواله، وهي معادلة استمرت منذ عهد أحمدي نجاد مروراً بروحاني ورئيسي، ولا تزال مستمرة حتى اليوم.



