الصحافة الإيرانية: عيوب الاتفاق ذو المرحلتين
الخيار الأفضل كان يتمثل منذ البداية في اتفاق الطرفين على التفاوض حول جميع الملفات ضمن حزمة شاملة وخلال فترة زمنية محددة، وصولًا إلى اتفاق نهائي وحاسم ينهي حالة الغموض التي يعيشها البلد منذ نحو 25 عامًا.

ميدل ايست نيوز: بدت إيران والولايات المتحدة، لساعات يوم الأحد الماضي، على مقربة من التوصل إلى تفاهم مؤقت يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة. ورغم أن احتمالات التوصل إلى هذا التفاهم لم تتراجع بالكامل حتى الآن، فإن مسار التطورات شهد تباطؤًا ملحوظًا عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أكد عصر الأحد أنه طلب من ممثليه عدم التسرع في إبرام اتفاق، معتبرًا أن “الوقت يعمل لصالح الولايات المتحدة”.
وفي ما يلي أبرز الملاحظات المرتبطة بهذا المسار كتبها الدبلوماسي الإيراني السابق كوروش أحمدي على موقع صحيفة شرق الإيرانية:
أولًا؛ لا يزال من الصعب الحديث بشكل حاسم عن مضمون هذا التفاهم، إذ لم تصدر حتى الآن أي تفاصيل رسمية من الجانب الإيراني أو الأميركي. غير أن مصادر إعلامية وغير رسمية أميركية تحدثت عن بنود تشمل وقفًا كاملًا لإطلاق النار وعدم اعتداء متبادل بين الطرفين، واحترام وحدة الأراضي الإيرانية وسيادتها الوطنية، والتزامًا متبادلًا بإزالة القيود عن مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، إضافة إلى موافقة أميركية على رفع مؤقت للعقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.
كما جرى الحديث عن أن رفع مزيد من العقوبات والإفراج عن الودائع الإيرانية المجمدة لم يُحسم بشكل نهائي، وأن تنفيذه سيكون تدريجيًا ومرتبطًا بخطوات إيرانية مقابلة. في المقابل، لم تُطرح أي مسألة تتعلق بانسحاب القوات الأميركية من المنطقة. والأهم من ذلك أن التفاوض بشأن الملف الأساسي الذي تركز عليه واشنطن، أي البرنامج النووي الإيراني ومستويات تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، جرى تأجيله إلى مرحلة ثانية تمتد 60 يومًا قابلة للتمديد بعد تثبيت التفاهم الأولي.
ثانيًا؛ فور انتشار هذه المعلومات، بدأت موجة انتقادات واسعة ضد ترامب، خصوصًا من أوساط الحزب الجمهوري ومراكز الأبحاث المقربة منه. فقد شنت عدد من الشخصيات الجمهورية، من بينهم ليندسي غراهام، وتيد كروز، وروجر ويكر، وتوم تيليس، ومايك بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية السابق، هجومًا حادًا على أي اتفاق محتمل مع إيران، وطرحوا توصيفات مثل “كابوس لإسرائيل”، واعتبروا أن الاتفاق سيعزز النفوذ الإيراني في المنطقة ويشكل “خطأ كارثيًا”، فضلًا عن أنه يمنح إيران مليارات الدولارات رغم استمرار التخصيب النووي، ويقوض “إنجازات الهجوم الأميركي”.
ومع الأخذ في الاعتبار حاجة ترامب الدائمة إلى الدعم والإشادة من معسكره السياسي، إضافة إلى افتقاره إلى رؤية استراتيجية ثابتة واعتماده على القرارات اللحظية والشخصية، فمن المحتمل أن تكون هذه الانتقادات، والخشية من تصاعدها، أحد الأسباب الرئيسية وراء تردده.
كما أن تأكيد ترامب مجددًا أن أي اتفاق محتمل مع إيران “لن يكون مشابهًا لاتفاق أوباما”، يعكس مخاوفه العميقة من المقارنة بالرئيس الأميركي السابق، خصوصًا مع الحديث عن احتمال رفع العقوبات النفطية من دون اتفاق نووي شامل. وفي المقابل، لم يُبد الديمقراطيون حتى الآن ردود فعل واسعة، لكن من المرجح أنهم ووسائل الإعلام الرئيسية ينتظرون الإعلان الرسمي عن الاتفاق لشن حملة سياسية وإعلامية ضد ترامب. كما أن بعض التصريحات المبكرة في إيران التي تحدثت عن “انتصارات مسبقة” ربما ساهمت أيضًا في تعقيد المشهد.
ثالثًا؛ من وجهة النظر الإيرانية، فإن تفاهمًا بهذا المضمون، إذا تم تثبيته، يُعد مكسبًا لطهران، خاصة إذا جرى رفع العقوبات النفطية، ولو بشكل مؤقت، من دون تقديم تنازلات نووية. لكن عند النظر إلى الصورة العامة، تبدو الاستراتيجية الإيرانية الحالية محاطة ببعض الغموض، خصوصًا في ما يتعلق بفكرة الاتفاق المرحلي.
ويبقى السؤال الأساسي متعلقًا بسبب اعتماد صيغة الاتفاق على مرحلتين، ولماذا تم اتخاذ هذا القرار بشكل مفاجئ بعد مفاوضات إسلام آباد، إذ لا تبدو أسبابه واضحة، أو أن منطقه غير مفهوم حتى إن كانت أسبابه معروفة.
ومنذ سنوات، تعاني إيران من حالة من التعليق وعدم اليقين، وهي حالة ألحقت أضرارًا كبيرة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، في حين أن الاتفاق المرحلي لا يبدو قادرًا على إنهاء هذه الأزمة الأساسية. كما أن الافتراض القائل بأن انتهاء الحرب بشكل كامل في المرحلة الأولى سيؤدي تلقائيًا إلى إنهاء حالة التعليق، لا يبدو دقيقًا، لأن الطرف المقابل يستطيع التراجع عن التفاهم في أي وقت يشاء.
إضافة إلى ذلك، فإن تثبيت التفاهم الأولي يبقى مشروطًا بالتوصل إلى اتفاق ثانٍ، خصوصًا في ما يتعلق بالملف النووي، ما يعني أن التفاهم الأولي لن يكون كافيًا لإنهاء حالة الضبابية وعدم الاستقرار.
الخيار الأفضل كان يتمثل منذ البداية في اتفاق الطرفين على التفاوض حول جميع الملفات ضمن حزمة شاملة وخلال فترة زمنية محددة، وصولًا إلى اتفاق نهائي وحاسم ينهي حالة الغموض التي يعيشها البلد منذ نحو 25 عامًا.
رابعًا؛ يوضح هذا الإطار التفاوضي، سواء نجح أم فشل، أن أقصى ما يسعى إليه ترامب يتمثل في الحصول على تنازلات إيرانية إضافية في ملف التخصيب النووي تتجاوز ما نص عليه الاتفاق النووي السابق. كما بات واضحًا أن ترامب لا يضع ملف الصواريخ أو “محور المقاومة” ضمن أولوياته التفاوضية، فضلًا عن أنه لا يتبنى خيار “الحرب الوجودية” أو “حرب الهيمنة” ضد إيران.



