الصحافة الإيرانية: التقارب الإسرائيلي العربي ضد إيران

ثمة احتمال من أن يؤدي تطبيع العلاقات مع إسرائيل وخروجها من دائرة “المحرمات السياسية” إلى فرض عزلة نسبية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المجتمع الدولي.

ميدل ايست نيوز: بدأ مسار تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات، قبل أن تتجه دول عربية أخرى، على مراحل متفاوتة ووفق اعتبارات سياسية وأمنية متباينة، إلى إقامة قنوات اتصال وعلاقات غير معلنة مع تل أبيب. يرى منتقدو هذا المسار أن أهدافه تتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي، لتشمل إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وإضعاف قوى المقاومة الفلسطينية، ومنح إسرائيل مساحة أوسع لتعزيز شرعيتها السياسية وترسيخ واقع الاحتلال في الأراضي الفلسطينية.

يقول الأستاذ محمد بيكدلي، الخبير في الشؤون الإيرانية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إنه يمكن اعتبار عجز، بل وصمت وعدم إرادة منظمة التعاون الإسلامي تجاه مسار تطبيع الدول العربية مع إسرائيل، وحتى صمتها إزاء النهج العدواني للكيان ضد المواطنين الفلسطينيين، أحد أبرز مؤشرات التحول في سياسة المنظمة تجاه التعامل مع الكيان الصهيوني، وهو ما قد يسهم في نهاية المطاف في إحداث تحول كبير في سياسات العالم الإسلامي تجاهه.

ومن شأن الخطوة غير المحسوبة التي اتخذتها دولتان خليجيتان في تطبيع العلاقات مع الكيان المحتل للقدس أن تفتح المجال أمامه لتعزيز حضوره السياسي والدبلوماسي في العالم العربي والشرق الأوسط، وأن تدفع الدول العربية إلى مستنقع من الخلافات البينية نتيجة استغلال الكيان لهذه الفرصة.

وفي السابق، لم تكن سوى مصر والأردن قد وقعتا اتفاقيات سلام مع إسرائيل، بينما كانت غالبية الدول العربية تفتقر إلى علاقات دبلوماسية معها. أما اليوم، فقد بات الكيان يقيم علاقات مع عدد أكبر من الدول العربية، ما يعني توسيع نطاق تحركات مسؤوليه ودبلوماسييه في الشرق الأوسط. كما أن تحول الإمارات العربية المتحدة إلى قاعدة رسمية لعمليات الموساد والأجهزة الاستخباراتية الأخرى التابعة له من شأنه أن يحدث تحولاً كبيراً في مسار الأنشطة التجسسية والأمنية والتخريبية لإسرائيل في المنطقة، وأن تمتد هذه الأنشطة إلى نطاق واسع يشمل الدول المحيطة بالإمارات، ولا سيما الجمهورية الإسلامية الإيرانية. من المتوقع أن يؤدي هذا الاتفاق إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، بما يضاعف مستوى التوترات في المنطقة، خصوصاً مع إيران، ويفتح الباب أمام سباق تسلح واسع النطاق.

ويُعد الدعم الواسع الذي تقدمه واشنطن أحد أبرز أسباب تسارع مسار تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني ودول الخليج العربية. وكما كانت علاقات إيران مع الكيان الصهيوني في عهد الشاه تسير بعكس مسار علاقاته مع العرب، فقد كانت إيران وتركيا، بحكم انتمائهما إلى المعسكر الغربي وارتباطهما بالولايات المتحدة، من بين الدول الإسلامية القليلة التي حافظت على علاقات جيدة مع إسرائيل آنذاك. كما أن القادة العرب، خوفاً على عروشهم، يسعون إلى إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني لكسب رضا الولايات المتحدة ودعمها. لذا فالدافع وراء التطبيع مع تل أبيب يقوم على اعتقاد خاطئ مفاده أن إرضاء الكيان الصهيوني يعني تلقائياً نيل رضا الولايات المتحدة والحصول على دعمها. لهذا السبب، التزمت الدول العربية الصمت إزاء قرار واشنطن نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بينما دعمت بعض الدول الأخرى هذه الخطوة.

وفي البحرين والإمارات، تحكم عائلات بعينها منذ أكثر من مئة عام، فيما تُتخذ القرارات المتعلقة بالشؤون الداخلية والسياسة الخارجية بشكل عائلي وفردي، من دون أي دور فعلي للشعوب في عملية صنع القرار. ومن وجهة نظر دول الخليج، يشكل الكيان الصهيوني خياراً مناسباً للحيلولة دون تراجع الدور الأميركي في المنطقة، كما يمثل شريكاً تجارياً ثرياً يمتلك اقتصاداً متقدماً تكنولوجياً يمكن أن يساعدها في تحقيق توازن إقليمي في مواجهة إيران. أما من وجهة نظر الكيان الصهيوني، فإن إقامة علاقات جيدة مع دول الخليج العربية من شأنها تقليص عزلته، وتوفير وسيلة لمواجهة الضغوط الفلسطينية المطالبة بالتفاوض بشأن إقامة دولة فلسطينية جديدة، خصوصاً أن الدعم العربي كان يشكل ركناً أساسياً في هذه الحملة الطويلة.

وقد تعززت هذه العلاقات خلال العقد الأخير نتيجة تقاطع المصالح بين الكيان الصهيوني ودول الخليج تجاه إيران، التي يعتبرها الطرفان تهديداً خطيراً لأمنهما القومي. كما يرتبط تسارع مسار التطبيع بين تل أبيب والعواصم العربية بالأزمات الداخلية التي تشهدها بعض الدول العربية. وتسعى السعودية إلى ضمان استمرار المظلة الغربية والحصول على دعم الولايات المتحدة لمشاريعها وطموحاتها، عبر تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني واستقطاب دعم الكونغرس واللوبيات الصهيونية النافذة في الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى. وفي الوقت الراهن، تريد البحرين، من خلال إقامة علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني وتعزيز علاقاتها المفتوحة مع الولايات المتحدة، توسيع هامش تحركها والاستمرار في قمع الاحتجاجات الشعبية بحرية أكبر.

وبحسب الرؤية الأيديولوجية المطروحة، فإن التهديدات التي يشكلها الكيان الصهيوني ضد الأمن القومي للجمهورية الإسلامية الإيرانية تنبع من صراع فكري وأيديولوجي مستمر، وإن كانت أشكال هذه التهديدات تتغير بمرور الوقت. كما يرتبط أحد أخطر تداعيات التطبيع بإضعاف الأيديولوجيا المناهضة للصهيونية في إيران، إذ تعتبر الجمهورية الإسلامية قضية فلسطين وطبيعة الصراع في الأراضي الفلسطينية المحتلة قضية إسلامية محورية وأساسية. ومن هذا المنطلق، فإن تقديم الكيان الصهيوني للرأي العام الإقليمي باعتباره شريكاً سياسياً واستراتيجياً للدول العربية قد يمنحه مزيداً من الشرعية، ويضعف الخطاب المناهض للصهيونية الذي تتبناه الجمهورية الإسلامية.

وفي هذا السياق، يبرز احتمال أن يؤدي تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني وخروجه من دائرة “المحرمات السياسية” إلى فرض عزلة نسبية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المجتمع الدولي. ومن جهة أخرى، يُعد طمس القضية الفلسطينية أحد الأهداف الرئيسية للكيان الصهيوني من وراء تطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين، إذ يسعى إلى استغلال كل فرصة لترسيخ وجوده في المنطقة وتهميش حقوق الفلسطينيين.

في المحصلة، كشف تطبيع العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني عن حجم الانقسام التاريخي في منطقة غرب آسيا. فعلى مدى عقود، هاجمت العديد من الدول العربية الكيان الصهيوني في خطابها الإعلامي والسياسي، لكنها في الواقع اتبعت مقاربات ثنائية وفردية في علاقاتها معه.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى